كتاب عربي 21

في حتمية التجاوز

1300x600
هل كان من الممكن أن تمتد لحظة 25 يناير على استقامتها فتذهب بنا إلى 11 فبراير؟.

هل كان من الممكن أن يحدث كل هذا الزخم الذي تسبب في رحيل مبارك عن السلطة، وأحدث أثرا لن يختفي ولو بعد حين في وعي المصريين بحقوقهم السياسية وقدرتهم على تحصيلها؟.

لماذا لم تفعلها الكتلة الحرجة من الشباب الذين كانوا أصحاب الفضل في الشرارة الأولى، وحدهم؟.

لماذا لم يفعلها الإخوان والتيارات الإسلامية المختلفة طوال 60 عاما من الحكم العسكري طالما هم الأغلبية التي أحدثت الفارق في الزخم والحشد كما يزعمون؟.

هل يمكن تحدي هذه الدولة العميقة دون تكتل يضم القوى المدنية والتيارات الإسلامية والشرائح الاجتماعية غير المسيسة التي انحازت ليناير ومن قبل هؤلاء ومن بعدهم شباب الثورة؟.

شريحة لا بأس بها من الإخوان المسلمين يعتقدون أن كل من نزل في 30 يونيو خان الثورة سواء رضي بما حدث في 3 يوليو أو لم يرض، قبل بالتفويض أم لم يقبل، برر مذبحة رابعة أم تضامن مع أصحابها، الكل سواء، طالما لمست أرجلهم الميدان يوم 30 يونيو وتورطوا بقصد أو بدون في نجاح مؤقت للثورة المضادة ...!!.

"كل" التيارات والحركات السياسية والأحزاب الأخرى ترفض التعامل مع الإخوان أو المشاركة في أي فاعلية قد يشتبه تورطها من قريب أو بعيد مع الجماعة، إلى درجة وصلت إلى اعتذار أحدهم بقوله: نعلم نعلم أنكم لستم إخوان إلا أن الإعلام يزيد عليكم ويتهمكم بذلك ولا نريد أي شبهة إخوانية ...
هذا الهوس، الإخواني/المدني، هو السبب الرئيس لاستمرار السيسي رغم فشله الذريع في التعامل مع كل ما واجهه من مشكلات، وظهوره عاجزا مسودا أمام الناس في أزمة الكهرباء، ليس إعلام السيسي هو ما يتكفل ببقائه واستمراره وحده، نحن نفعل الشيء نفسه، وبفاعلية أكبر، حين نوفر للنظام العسكري مناخا مستكينا مستسلما "مواليا" رغم أنفه.

يقول الإخوان: لماذا لم تنتبهوا وقد دعاكم إلى 30/6 إعلام الفلول، وشجع عليها، ودفع باتجاهها بكل الطرق؟ لماذا لم تنتبهوا وقد دعمتكم الشرطة، وظهر منذ اليوم الأول انحياز الجيش للشارع وهو ما لم نعهده في رجال مبارك؟ ....إلخ.

وأقول: ولماذا لم تنتبهوا أنتم وقد كان يحدث قبل شهور من 30/6 وجاءكم من ينبهكم، عشرات الصحفيين، والمراقبين للمشهد، وجاءكم من يخبركم صراحة بأن العسكر قادمون في 30 يونيو؟
يقول الـ"مش" إخوان: نحن خارج حسابات الإدانة، نحن لم نحصل على شيء، نحن لم نحكم، لم نكن في السلطة ...إلخ.

وأقول: إن المسئولية حول ما حدث هي مسئولية الجميع، م يحكم الإخوان في ظروف طبيعية، ولم تدن لهم مؤسسات الدولة يوما واحدا، كان الإخوان هم أول نظام في تاريخ مصر لا يسيطر بشكل مركزي على البلاد، معارضة الإخوان كانوا أقوى منهم، الحركات الثورية كان لديها الكثير في اتجاه إدارة الشأن المعارض في البلاد، ودفعه في اتجاه المسار الديموقراطي، بدلا من الانسياق وراء إعلام خصومهم، والسماح باستخدامهم في 30/6 وما بعدها، لعلك تحتاج إلى مراجعة ما كتبه أحمد ماهر تحت عنوان للأسف كنت أعلم.

كل هذه المماحكات لن تسفر عن شيء، لقد وضع نفر من الثوار أيديهم في أيدي فلول الحزب الوطني، ونزلوا وهم يعلمون أنهم قد نزلوا لإسقاط يناير، وكانت عودة العسكر ودولة الرجل الواحد أفضل عندهم من دفع فاتورة الاستواء على المسار الديموقراطي بتحمل الإسلاميين لأربع سنوات، واختاروا قوة السلاح عن المنافسة السياسية الشريفة، وانحازوا لقانون الغاب، ثم هم الآن يخبروننا بما علينا عمله، وما لا يجوز لنا، ويدفعون في اتجاه الانقسام الذي لن نجني من ورائه سوى استمرار العسكر.

من نحن، وماذا نريد؟ الثورة شأن أخلاقي ورومانسي لكنه لا يدار إلا وفقا لحسابات السياسة، وتوافق المصالح، الوطن نفسه فكرة أخلاقية شديدة الرومانسية لكن لا يستقيم لها حال دون صيغ التفاوض والشراكات بين الفرقاء.

إن ما يحدث على الأرض الآن في مصر ينبئ بانهيار وشيك لنظام لا يحتاج إلى حراك ثوري كي يسقط، حسبه أداؤه المزري، وأخطر ما يمكن أن تتعرض له ثورة يناير، ربما أخطر من الثورة المضادة، هو أن نصل إلى هذه النقطة دون حسم لخلافاتنا الداخلية وإجابة واضحة على السؤال: من نحن، وماذا نريد؟
أخيرا: كل من يعتقد أن المستقبل له وحده واهم، ومتخلف سياسيا، وعقليا، لن يستأثر فصيل بالتاريخ أو بالجغرافيا في مصر مهما بدا له أن قادر على ذلك، إفهموا أو موتوا بغبائكم ... أو تجاوزا وعيشوا.