كتاب عربي 21

اليسار في محلك سر

1300x600
اليسار التونسي والعربي يراوح مكانه وإذ يتقدم الآخرون فإنه يتخلف عن استباق لحظته. ويكفي أن نسمع خطابه المبرر للانقلابات والأنظمة الشمولية. خطاب اليسار التونسي يرفع سامعه إلى عليين العدالة الأرضية وممارسته السياسية تنحط بمتابعها إلى أسفل الإمكان الاجتماعي في العدالة.

ويطرح السؤال نفسه دوما ما سبب هذا التناقض بين الممارسة والخطاب وخصوصا ما سبب العجز عن مراجعة المقولات المؤسسة للتجربة اليسارية في  تونس وكيف تكلست مواقفه حول القضايا الجوهرية وخاصة مجال العلاقة مع الإسلام السياسي الشريك الوطني الذي رفض اليسار دوما أن يتعامل معه كمعطي موجود.وكرس كل جهده لاستئصاله.

يسار متعدد الرؤوس بفكر متشابه

تجربة النشأة متعددة فاليسار المنظم كان في منشئه فرعا للحزب الشيوعي الفرنسي تحت الاستعمار وقد عارض  فكرة الاستقلال و دافع عن الأممية الثالثة ضمن الحزب الشيوعي الفرنسي لم تنته هذه التجربة ولا تزال بقيتها باقية في حزب المسار وريث حركة التجديد وريثة الحزب الشيوعي التونسي الذي أعيد الى الحياة بنص قانوني في إطار حملة تصفية الإسلاميين سنة 1981.

النشأة الثانية  كانت في آخر الستينيات  في باريس  (منظمة آفاق المتعددة المشارب) توزعتها اتجاهات مختلفة. لكن الضربات الأمنية  شتتها إلى تنظيمات أخرى  أبعد عن الثقافة وأميل إلى الاحتجاج الميداني. وكانت تجربة يسار النقابات التي وصلت قمتها الاحتجاجية في جانفي 1978. وانكسرت لتدخل مرحلة أخرى من التحالف بين السلطة واليسار في الباطن وإعلان الاحتجاج في الشارع. فيما يشبه تقسيم أدوار لا يخطط بالضرورة محليا. إلى حين حدوث الثورة  2011  وانكشاف عمق هذا التحالف الذي كان ضحيته التيار الإسلامي طيلة حكم بن علي بأدوات تنفيذية يسارية .

ثورة اجتماعية وجهها اليسار

يخوض الكثير في موضوع من قاد الثورة التونسية  في انطلاقتها وينتهي الجميع أن الجميع كان في الصف الأول وهي إجابة ترضي الجميع ولا تظلم أحدا دون فرز لكن النفس الثاني من الثورة وهو القصبة 1 والقصبة 2  تقدمت وجوه يسارية  متحزبة وفرضت برنامج التأسيس عوضا عن الترقيع. وسار الجميع خلف المطلب وكان ثمن القبول  تهدئة أوصلت إلى الانتخابات والتي دخلها اليسار بخطاب اجتماعي مغر جدا لم يتيسر للتيار الديني مثله. ولكن الانتخابات أحدثت انقلابا في مواقف اليسار الذي دعا الى التأسيس فوجد نفسه خارج المجلس التأسيسي وحل زمن الأسئلة  الموجعة.
الاسئلة الحارقة والهروب من الإجابة

الأسئلة التي سمعت في مجالس اليسار المشغول بالفعل السياسي خاصة وفي الحلقات النقدية وهي قليلة أو سرية لا يعلمها  جمهور كثير. لماذا خسر اليسار الانتخابات وهل يكفي تفسير الخسارة باستعمال خصمه الأساسي لخطاب ديني. بما أدى إلى سؤال أعمق هل لليسار جمهور عقائدي  مؤمن بالفكرة اليسارية  فعلا ؟ فإن لم يكن له فكيف كان يحرك النقابات ؟ وإذن ما الذي كان يفعله اليسار طيلة فترة تغييب التيار الديني عن الساحة السياسية لمدة ربع قرن.

لم تكن الإجابات من جنس وضوح الأسئلة فتحت ثقل الهزيمة الانتخابية  هرب اليسار ( في مجمله) إلى  اتخاذ موقف المظلومية  والتباكي على مشروع التحديث الذي  ستخربه الدعوة الظلامية وهنا التقت كل فصائل اليسار التي كانت متنافرة(خاصة تلاقي يسار (البوبو=BOBO  ويسار الشارع). مشروع التحديث كان سلم العودة إلى المشهد وتملك الخطاب الاعلامي وتوجيه الساحة الفكرية  إلى حماية مشروع تحديث غير ذي ملامح خاصة بعد أن تبين أن الإسلاميين ليسوا مغرمين فعلا بتعدد الزوجات وارجاع المرأة للبيت وإلباسها الحجاب بالقوة فخرجت النساء الخائفات على تحررهن من رصيد اليسار الانتخابي وربما عدن إلى التصويت للإسلاميين الذي تلاشت خطورتهم الظلامية التي طالما روجها اليسار في سياق عمله الفكري والسياسي.

ماذا يريد اليسار من الثورة؟

حكم البلد وفرض أطروحة التحديث العلماني وهذا حق لليسار أن يدعو له ويمارسه لكن أي تحديث ممكن هل يبدأ بالثقافي الفوقي أم بالاجتماعي التحتي ؟ وهل أنضج اليسار أطروحات  متميزة عن بقية الليبراليين الداعين للتحديث على النموذج اللائكيالفرنسي ؟ وكيف ينوي التحديث من أسفل (أي بالثورة الشعبية).

هنا نجد ارتباكا كبيرا في اطروحات اليسار السياسي خاصة وممارساته فمن كل مشروع الثورة الاجتماعية وتراثها الكوني الذي ينتسب إليه اليسار (إذ يصنف نفسه امتدادا للتجربة اليسارية الكونية) نجد كل الجهد النضالي والتنظيري وهو قليل يقوم على التصدي اليومي في كل المجالات المتاحة  للإسلاميين (وهم في لغته الظلاميين لا أكثر) ومحاربتهم بإعلان واضح لنية الاستئصال التام من الوجود وليس فقط من العمل السياسي العام. وهنا تختفي الأطروحة الاجتماعية صانعة شعبية اليسار وتختفي النضالات مع الفقراء ويتحول اليسار إلى فرقة مخبرين يطاردون عدوا ظاهرا  وهو الأمر الذي دعاهم إلى التحالف العلني  مع انقلاب العسكر المصري  على ديمقراطية توصل الإسلاميين للسلطة  وهو نفس الموقف من العسكر الجزائري  الذي انقلب سنة1990  على انتخابات ربحها تيار إسلامي. 

نسأل اليسار التونسي (لن نسال حزبا ليبراليا عن ذلك) وقد قبل مرحليا العمل السياسي الحزبي وتخلى عن قياد الثورة  البروليتارية  أين البرنامج الاجتماعي  الذي تقترح وفي مسار تحقيق البرنامج الاجتماعي هل استئصال الاسلاميين  يعتبر عملا ذي جدوى اجتماعية ؟ هل هم العدو الطبقي الذي تحدده النظرية ؟ أم أن تحقيق البرنامج الاجتماعي يكون بتحديث بنى التفكير الفوقي بإخراجها من التدين المتخلف الذي يروج له المتدينون ثم إذا حدث ذلك نعود إلى فرض العدالة الاجتماعية ؟ وهل التدين عمل حزب أم عمل تاريخ على شعب. وهل تم تقييم سياسة اليسار ومنجزه طيلة محاربته للإسلاميين منذ ظهوره؟

على أبواب استحقاق انتخابي ثان بعد الثورة  لا نتبين ملامح اليسار التونسي إلا في مجال معاداة الإسلاميين. لا أحتمل خطاب التسطيح الظاهر القائل بالتخوين لكني أبحث في الخطاب والممارسة عما يمكن أن يسند أطروحة اجتماعية  تحقق مطالب الثورة الاجتماعية لكني لا أجد إلا الأجندة القديمة لما قبل الثورة. إخراج الإسلاميين بكل الحيل وباعتماد إمكانيات الإدارة غالبا من المشهد السياسي وافقادهم كل موقع يمكن أن يساهم في اشراكهم في إدارة البلد.  ورغم أن معطيات الميدان تثبت كل يوم أن نتيجة هذا العمل الاستئصالي الممنهج تنتهي دوما لصالح الضحية (الإسلامي)  وترتد على اليساري  إلا أن الإمعان في هذه الطريق يكشف فعلا ضعفا فادحا في القيادة والتصور السياسي لمستقبل التيار.

يراوح اليسار التونسي في نفس المكان (محلك سر) ورغم مشاركته في بلورة مطلب التأسيس زمن الثورة إلا إن اكتشاف حجمه في الشارع  بدون النقابات التي بدا يخسرها أمام الإسلاميين ومن يتحالف معهم.  قد كسر بوصلته النضالية رغم الثورة الاجتماعية التي كانت قواعده تحركها وأرجعه إلى مربع موته. قد يفرح بعض زعماء اليسار بما اثخنوا في جسد التيار الإسلامي و يحسبون له خساراته السياسية والانتخابية لكنهم ينسون أن ذلك بمثابة لدغة النحلة. يستفيد الجسم الملدوغ لكن النحلة تموت. فاستئصال الإسلام السياسي لم يعد برنامجا انتخابيا  فضلا على أن يكون مشروعا فكريا ونضاليا.