كتاب عربي 21

عن احتجاجات صنعاء

1300x600

احتجاجات الأربعاء الماضي التي شهدتها العاصمة اليمنية، وضعت الرئيس السابق علي عبد الله صالح في دائرة الاتهام المباشر من أعلى سلطة في البلاد-رئاسة الجمهورية- فقد جاءت تلك الاحتجاجات نسخة مطابقة لاحتجاجات مماثلة افتعلتها أجهزة الرئيس السابق، في الـ22 مايو/ أيار عام 2011، وكان القصد منها تخفيف ضغوط المجتمع الدولي عبر ممثليه في اليمن وعلى رأسهم أمين عام مجلس التعاون الخليجي، الدكتور عبد اللطيف الزَّياني، الذي حُوصر مع سفراء الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية في سفارة الإمارات العربية المتحدة بصنعاء.

ولم تكن مصادفة أن تقع الاحتجاجات الأخيرة بالتزامن مع وجود فريق الخبراء الدوليين التابع للجنة مجلس الأمن المعنية بتنفيذ قرار المجلس رقم(2140) بشأن معرقلي التسوية السياسية في اليمن، وسط أنباء روجتها صحف تابعة للرئيس السابق، أفادت فيها بأن فريق الخبراء الأمميين استدعى الرئيس السابق، إلى فندق موفنبيك، أكبر فنادق صنعاء، حيث يقيم الخبراء، بهدف استجوابه، ولم يتم التأكد من مصداقية هذه الأنباء.

 احتجاجات الأربعاء كشفت عن مخاوف رأس النظام السابق من مضي المجتمع الدولي في الإجهاز على مخططات إفشال الدولة، فاستعار شجاعة القط حين يتم حشره في زاوية ضيقة، بإطلاق مجاميع من المحتجين بدا أنها منفلتة، لكنها كانت تُدار من غرفة عمليات تابعة للمنظومة الأمنية التي يديرها المقربون منه وعلى رأسهم نجل شقيقه، وكيل الأمن القومي السابق، عمار محمد عبد الله صالح، الذي أطلق، عشية الاحتجاجات، تهديدات غير مسبوقة عبر صفحته في الفيسبوك، ضد من وصفهم بـ"الخونة" ويقصد بهم  سياسيين وقادة عسكريين ووجهاء قبليين وقفوا ضد الرئيس المخلوع في ثورة 2011.

أخبرني أكاديمي أنه فوجئ يوم اندلاع احتجاجات الأربعاء الماضي، بالشخص نفسه الذي اعترضه في احتجاجات2011، عام اندلاع الثورة الشبابية في اليمن، ومنعه من العودة إلى منزله في الحي الذي يقطن فيه. قال الأكاديمي: هذا الشخص نفسه هو الذي منعني يوم الأربعاء الفائت من العودة إلى منزلي بنفس الأسلوب وبنفس السلاح، وبنفس الوقاحة، وتابع: حينها أدركت أن هذه الاحتجاجات مدبرة بليل..
في الواقع كانت أساليب الاحتجاجات، التي دبرتها أجهزة صالح في نفس مستوى تنفيذ احتجاجات 2011، حيث توزعت مجاميع محدودة وليست كثيرة، لكنها كانت مسلحة بما يكفي من أدوات القتل، والبزين المستخدم في حرق إطارات السيارات، ومنع تحرك المارة والسيارات في أي اتجاه كان، بهدف خلق إرباك وزيادة الاحتقان والغضب الشعبي.

 منفذو الاحتجاجات رفعوا شعارات مؤيدة للرئيس السابق ونجله ورفعوا صورهما، في تعبير واضح عن مخطط يكاد يكون منفصلاً عن استحقاق التحالف مع المليشيا الحوثية المسلحة، الحليف الأوثق لرأس النظام السابق، ويحاكي إلى حد ما النموذج الانقلابي المصري، أي أنه جاء أكثر ارتباطاً بأجندة استعادة السلطة عبر نجل الرئيس السابق، الذي يشغل منصب سفير بلاده في الإمارات.

كان يُفترض أن تمتلئ شوارع صنعاء بالمحتجين الحقيقيين الغاضبين، لكن هؤلاء غابوا وظهرت على السطح عناصرُ محدودة، لكنها تمارس العنف والإرهاب، وتعتدي على مصوري القنوات الفضائية المناوئة، كان بوسع الجيش والشرطة أن يُنهيا تواجد هذه العناصر في وقت قياسي، لكنهما لم يتدخلا، وقد كان إجراءً موفقاً من قبل الرئيس هادي والحكومة.

لقد أدرك الرئيس هادي أن سلفه صالح ماضٍ في مخطط إفشال الدولة وإسقاطها، بوسائل غاية في الخطورة، شملت إدارة عملية متصلة من الاستهدافات الممنهجة للخدمات العامة، وضرب أنبوب النفط، وضرب خطوط نقل الكهرباء ومنع الفرق الفنية من إصلاحها بالقوة، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء لثلاثة أيام متواصلة قبل أن يتمكن الجيش من ضرب المسلحين، هذا فضلاً عن منع وصول المشتقات النفطية إلى العاصمة، والإيعاز لأصحاب محطات الوقود بعدم البيع للمستهلكين.

هذا المخطط المحكم الحلقات، أدرك الرئيس هادي خطورته جيداً، فكان أول إجراء اتخذه هو إسكات قناة (اليمن اليوم)، التي كانت رأس حربة ضد مؤتمر الحوار والوسيط الدولي جمال بنعمر، وكانت منبراً مباشراً للتحريض على احتجاجات الأربعاء قبل وأثناء وقوع هذه الاحتجاجات.

كان لإسكات هذه القناة-التي هللت لإغلاق القنوات المناوئة للانقلاب في مصر-وقعاً هائلاً على الرئيس السابق وأنصاره، لأنها حالت دون استثمار التحركات في شوارع صنعاء سياسياً، ولأنها خفضت معنوية أنصاره ومنسوب الثقة لديهم بقدراته الخارقة ونفوذه الذي ظل يسوقه في أوساطهم، ليظهر موقع الرئيس هادي الأكثر تأثيراً ونفوذاً في مجريات الأحداث، وهنا تكمن الدلالة العميقة لهذا الإجراء الرئاسي الموفق.

الرئيس اتخذ سلسلة أخرى من الإجراءات الميدانية شملت حشد أكبر قوة عسكرية عند مداخل العاصمة وفي شوارعها الرئيسية، خصوصاً في اليوم التالي للاحتجاجات، وإقناع ممثلي الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية بإنهاء الدور السياسي للرئيس السابق وإخراجه من البلاد.

 المواجهة بين رأسي النظام الحالي والسابق، يبدو أنها تتجه نحو إنهاء الدور الخطير والمناوئ للتسوية السياسية الذي يؤديه الرئيس السابق، وتتجه نحو إدخال هذا الأخير في عزلة غير مسبوقة، بعد أن استثمر الحصانة والسلام الممنوحين له من الشعب ليصدِّر لليمنيين كل ما بجعبته من شرور الحرب والدمار التخريب والانتقام.