كتاب عربي 21

مهددات وجود الدولة في اليمن

1300x600
تُسيطر المواجهات المسلحة، التي تشهدها محافظات عمران، التي لا تبعد كثيراً عن العاصمة اليمنية من ناحية الشمال، على المشهد السياسي والأمني في البلاد هذه الأيام، وعلى نحو يمكن معه القول إن فرزاً سياسياً واجتماعياً وجهوياً وعقائدياً ينبثق من وسط الغبار الصاعد من هذه المعارك، ويهدد بعمق مستقبل الدولة اليمنية.

الحركة الحوثية المتمردة على الدولة، والمزهوة بما حصُلت عليه من أسلحة ثقيلة من مخازن الحرس الجمهوري المنحل الذي كان يتبع نجل الرئيس السابق، مستمرةٌ في مغامرتها العسكرية للتقدم باتجاه العاصمة وإسقاطها، بغض النظر عن أثر هذه المغامرة على ما أنجزه اليمنيون على صعيد التسوية السياسية، والالتزامات الدولية التي تُقيِّد اليمن دولةً وأحزاباً، وتُعيد توجيه البوصلة نحو الدولة الاتحادية المتُفق عليها، وإزالة كل العراقيل والتحديات التي تواجه تحقيق هذا الهدف.

 هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر على مستقبل اليمن ودولته، وليس فقط التسوية السياسية، يكشف عن حجم الغطاء الممنوح لهذه الحركة المتمردة، من طرف جزءٍ مؤثرٍ من النخبة في شمال الشمال،  التي تصر  على استعادة السلطة وممارسة النفوذ والهيمنة على مقاليد الأمور في اليمن، بأي ثمن، مستندة إلى غطاء إقليمي يبدو أنه مصر على إنفاذ أجندة العبث بأقدار الشعبي اليمني ومعاقبته لأنه اتصل بموجة الربيع العربي المباركة.

هذه النزعة سبق وأن رأيناها بالوضوح نفسه، بعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، عندما تنصل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، بوقاحة عن الاستمرار في الشراكة السياسية مع الحزب الاشتراكي الحاكم السابق لليمن الجنوبي، والصانع الحقيقي للوحدة وحاملها التاريخي، بمضيه في إقصاء هذا الحزب بالقتل والتهميش، ما تسبب لاحقاً  في اندلاع حرب صيف 1994، التي تسببت في تقوي أسس الوحدة اليمنية وأعادت فرضها من طرف واحد، وفي تحويل المحافظات الجنوبية بثرواتها النفطية إلى غنيمة حرب، لنخبة شمالية، هي خليطٌ من شخصياتٍ قبليةٍ وعسكريةٍ وسياسيةٍ ودينيةٍ، سرعان ما سقطت ضحية أنانيتها السياسية وأسقطت معها الوطن، وحوَّلتهُ إلى دولة توشك على الفشل أو الانهيار.

المواجهات العسكرية في محافظة عمران بشمال اليمن، على أهميتها وحجم أثرها المتوقع على مستقبل البلد، ليست المؤثر الوحيد في اليمن، فهناك أزمة الحراك الجنوبي التي ما تزال تشك تهديداً عميقاً على مستقبل اليمن الموحد، في ظل بقاء زعامات جنوبية متشددة خارجة الحل السياسي.

 وهناك أزمة المشتقات البترولية التي تزداد تفاقماً، ومسلسل إحباط الشارع اليمني من جهة احتياجاته الملحة لهذه المواد الأساسية مستمرٌ بوتيرة عالية أيضاً، عبر أعمال التخريب الممنهجة التي استهدفت إيقاف إمداد النفط للداخل والخارج، وضرب اقتصاد البلاد، إلى جانب دخول الحكومة في تقدير المراقبين، طرفاً في أزمة المشتقات البترولية، بممارسة انتهازية أرادت إيصال اليمنيين إلى مرحلة يقبلون فيها برفع أسعار المشتقات النفطية، مقابل تمكينهم من الحصول عليها، استناداً إلى خبرات معتبرة رسختها الحكومات في عهد النظام السابق.

الحكومة بالتأكيد تواجه مشاكل حقيقية في الإيفاء بالتزاماتها التشغيلية، وتأمين المرتبات لموظفيها، وما من حل متاح سوى رفع الدعم عن هذه المشتقات لملئ الخزينة الفارغة. وثمة من يقول إن إقدام مجلس النواب على استجواب الحكومة وتهديدها بحجب الثقة، كان الهدف منه دفع الحكومة إلى التسريع في إيجاد حلول لأزمة المشتقات النفطية، ومن بينها رفع  الدعم عن هذه المشتقات، إلى جانب أن تحرك المجلس نُظر إليه باعتباره  أحد أدوات النظام السابق في إرباك المشهد خصوصاً وأن معظم أعضائه ينتمون إلى المؤتمر الشعبي العام.

فقد أراد المجلس ربما، أن يدفع الحكومة متضامنةً إلى اتخاذ قرار رفع الدعم، وتحمل تبعاته السياسية المستقبلية بشكل متضامن، وبما يحول دون محاولة أحد الأطراف السياسية التي تشكل الحكومة، التنصل من التبعات السياسية لقرار  غير شعبي كهذا. 
هناك إذاً أزمات مركبة تهدد وجود الدولة اليمنية، جزءٌ منها متعلقٌ بأداء الحكومة التي أصبح تغييرها هدفاً مجمعاً عليه، وبعضها متعلق بطبيعة الصراع العميق على السلطة والنفوذ، والقائم على اعتبارات جهوية وعقائدية وثارات سياسية، وبعضها مرتبط أيضاً بتصفية حسابات إقليمية مع الربيع العربي، مما يجعل حسم هذه القضايا المركبة والمعقدة رهن بإرادة الشعب اليمني الذي اجترح التغيير ويتعين عليه الدفاع عنه حتى النهاية.