مقالات مختارة

تعذيب الأردنيين بـ"تدوير" نخب الإخفاق

1300x600
كتب بسام البدارين: مرة أخرى يغرق الأردنيون في المستوى الشعبي والنخبوي بالمفارقة نفسها التي تمشي بالتزامن مع كل مشكلات البلاد والعباد.. المسؤولون الذين يديرون الأزمات هم أنفسهم الذين تسببت إدارتهم بها.

مفارقة لا تحصل إلا في الوطن العربي حيث تعتمد انظمة الحكم على ‘تدوير’ غريب للنخب وللمسؤولين الذين تتاح لهم فرصة الإستحكام بالشعب وتعذيبه بكل أدوات الإخفاق والفشل والإدارة السلبية وبصفة يومية.

لا نشذ في الحالة الأردنية عن هذا التقليد البائس ولا نريد أن نتعلم من تجربة الدول المتحضرة ولا من أبجديات وأدبيات الحفاظ على الأنظمة نفسها والتي تقول بوضوح بان من يخفق في إدارة أزمة أو يختلق واحدة عليه أن يرحل بهدوء وبقرار سياسي حتى يتسنى للمؤسسة- أي مؤسسة- البدء بالخطوة الأولى في معالجة الأزمة.

من يختلق أزمة في بلادنا يتكرس ويبقى على رقاب الشعب ولا يغادر أكتافه ويحصل على مكافأة على فشله وإخفاقه بان يعمر طويلا في الإدارة والحكم.

شخصيا لا أعرف مصلحة من أي صنف للنظام ولمؤسسة القرار بالإصرار على الإحتفاظ بنفس النخب التي يتم تدويرها فتفعل أزمة تلو الأخرى وكأننا فعلا في حقل من الفخار تدوسه أقدام نفس الفيلة والدببة وبصورة نمطية دائمة تحت عناوين واهمة ينجح البعض في تسويقها عبر تخويف مؤسسة القرار من ‘كلفة’ الإستغناء عن بعض المسؤولين وإنعكاسات التخلص منهم على أمن النظام وإستقراره.

تلك فرية يركب موجتها الكثيرون في مجتمع النخبة حتى يحتفظوا بمصالحهم وادوارهم التي تحتكر التحدث بإسم المؤسسة أحيانا وبإسم مكونات المجتمع في أحيان أخرى.

وهي نفس الفرية الموسمية التي يمكن الإعتماد عليها في تبيان مبررات ومسوغات التراجع في كل شيء على مستوى الإدارة العامة خصوصا مع تكدس مشاعر الشارع الأردني بعدم وجود آمال في معالجة المشكلات التي لم يتم ترحيلها.

لا يشعر الأردنيون إطلاقا بان من يحكمهم يمثلهم فعلا أو ينقل للمرجعية العليا آهاتهم وآلامهم أو حتى يعكس صورتهم الحقيقية وهذا الشعور المتراكم يؤدي إلى ‘تفريغ البلاد’ من مواطنين صالحين ومن رجال دولة من وزن ثقيل وإلى هجرة كفاءات الجميع بأمس الحاجة لها.

لا زلنا نذكر وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر وهو يعلن من على منصبه الرسمي بأن إدارة الأمور في الأردن بالطرق والأدوات القديمة لم يعد ممكنا..في الواقع منذ قيل هذا الكلام لم يحصل تغيير فالأدوات هي نفسها والوجوه هي نفسها والإحباطات نفسها ووصلت لحد الإحتفاظ بأشخاص محددين بسبب عدم وجود ‘بدائل’ وبسبب المحاصصة السقيمة التي تفرض نفسها على كل المواقع العليا.

نقول ذلك ونحن لا نعرف سببا يدفع للإحتفاظ بنفس الأدوات ونفس الذهنية في إدارة سلسلة من الأزمات والمشكلات الحادة التي واجهتها الدولة كما واجهها المجتمع في الأونة الأخيرة.

لا نعرف سببا وطنيا او مهنيا يدفع مسؤولين في دوائر القرار إلى التعنت في رفض المساعدة عندما يتعلق الأمر بالإفراج عن السفير المختطف في ليبيا فواز العيطان.

ولا نعرف سببا يدعو لعدم التحدث مع الناس في قضية تمس شغاف قلوبهم وسببها بالتأكيد ‘توسع′ الدور الأمني الأردني بالخارج بحيث توسعت معه تلك الكلفة التي يطالب الأردنيين بدفعها عمليا دون تشاور معهم.

نفهم أن الأردن لا يستطيع التخلي عن دوره ‘الإنساني’ في إشاعة الأمن والإستقرار في العالم والمنطقة.

لكن الأردن لديه مشاكل وتحديات حساسة ومهمة ‘إنقاذ العالم’ ليست مطلوبة منه دون غيره والأهم أن ينصرف المسؤولون إلى إنقاذ الأردن اولا وتحصينه إقتصاديا وأمنيا وسياسيا حتى يستطيع المساهمة في إنقاذ العالم.

الإنفلاتات الأمنية تتكاثر في البلاد وبشاعات العنف الإجتماعي تنمو وكل ما يقال في أروقة المسؤولين يعيد المسألة برمتها لتطور وسائل الإعلام ولوجود نحو 600 موقع إلكتروني في المملكة تتصيد كل الأخبار الغث منها والسمين وهو منطق لا يستوي مع واقع الحال لان بشاعات التطرف الإجتماعي تبدو متوالية هندسية وبدأت تقلق جميع المواطنين وسط محيط إقليمي مضطرب أساسا.

نقول ذلك ونحن نراقب مستوى الجدل الغريب في جريمة فتاة عجلون وهي فتاة مسيحية أشهرت إسلامها فقتلت بعد ثلاثة أشهر بطريقة بشعة.

لا احد يعرف لماذا صمت قاتل الفتاة ثلاثة أشهر قبل إرتكاب الجريمة البشعة التي تضمنت سحق رأس الضحية بحجر عملاق بعد طعنها بسيخ حديدي حسب إبن عمها الذي أشهر إسلامه من جانبه قبل 13 عاما.

لامني البعض لاني إعتبرت هذه الجريمة ‘ذكورية’ وهي كذلك بإمتياز وما زلت مصرا على أن الرجال الذين أشهروا إسلامهم من المسيحيين قد يكونون عرضة للمضايقة والعزل الإجتماعي لكنهم لن يكونوا يوما عرضة للقتل وسحق الرؤوس.

لا اجد فرقا بين قطع رأس في سوريا وسحق آخر في عجلون الأردنية من حيث المستوى الجرمي والقدرة الغريبة على إحتقار آدمية الإنسان.

وأجد عشرات الفروق يوميا في الذهن الإجتماعي المتخلف المريض ما بين ‘مخالفة’ يتسامح المجتمع عندما يرتكبها رجل ولا يسامح إطلاقا عندما ترتكبها أنثى.

نعم مجتمعنا ذكوري بإمتياز وهو ‘بائس جدا’ بهذا المعنى بدليل ان أكثر من 20 إمرأة يقتلن سنويا على الأقل بداعي الشرف والقاتل دوما ذكر يمارس يوميا كل الإنحرافات ويؤسس بينه وبين الشرف الحقيقي آلاف الاميال.

قتل إمرأة بأي مبرر جريمة لا شرف فيها إطلاقا ..كذلك قتل فتاة إختارت طريقها على أي نحو وبصورة معاكسة لإتجاه الذكور.

العدالة الإلهية هي التي تحقق وتقتص ولا يوجد ممثلون لها في الأرض يحظون بأي شرعية خارج القانون وما أقلقني شخصيا في قضية ‘فتاة عجلون’ ان مسيحيين ومسلمين تشاجروا فيما بينهم على مكان دفن الفتاة القتيلة وكأن عدالة السماء تفرق بين الموتى تحت الأرض.

ومستوى العنف الإجتماعي مقلق جدا ولا بد من الإستدراك خصوصا في بلد يعتبر دوما واحة في التعايش والإستقرار الأهلي والأمن بفضل الله والعديد من المخلصين في المؤسسات العسكرية والأمنية.

المخلصون وهم أغلبية تقلص وجودهم ومبادراتهم، أقلية تحتكر المناصب وتشرف على الإدارة ومن الواضح أنها تعيق النظام وتعطل الإستقرار الأهلي وتهدد الجميع إذا بقيت في مواقعها.

لا يمكن فعلا المساهمة في إنقاذ العالم قبل إنقاذ الذات ولا يمكن معالجة أي مشكلة عبر الأدوات القائمة مع الإحترام لكل الشخوص وعلى هذه العملية البائسة أن تتوقف إذا أردنا أن نبدأ فعلا بـ ‘الإصلاح’.

(القدس العربي)