فنون منوعة

السينما المصرية.. حرية أم مؤامرة لتدمير المجتمع؟

غلاف فيلم الملحد الذي يعرض في دور السينما المصرية - (أرشيفية)
أفـلام عدة ظهــرت في توقيــت من المفـترض أنه موعد بدء الانطلاق إلى بنــاء المجتمعات العربية بشكــل قوي، قائم على الحرية المُرشّدة والتعليم والأخلاقيــات الرفيعــة، بعد اندلاع ثورات التحرير، بحسب عدة نقاد مصريين

وقد قوبلت معظم أفلام هذا الموسم في السينما المصرية بالعديد من الانتقادات؛ فقد انتقد الكاتب المصري عماد أبو الفتوح السينمـا المصـرية في مقال له بعنوان "السينما المصرية.. حرية أم مؤامرة لتدمير المجتمع"، قائلا إنها مثـال رئيسي للسينمـا العربية، باعتبـارها الأكثر مشـاهدة وانتشــارا طوال العشـر سنوات الماضية، "ويمكـن تلخيصــها في: بلطجـي سكّيــر يعاني مشاكل اجتمـاعية.. يصارع الحيــاة.. يلعب القمــار.. مهرجــان شعبــي تتراقص فيه راقصــة عارية بدينة.. مشهـدين أو ثلاثة يركـض فيها البطل وهو يلهــث ويحمـل خنجرا.. نصف مشــاهد الفيلم عاريــة تقريبــا.. سيارة تنفجــر.. أغنيــة رديئة غير مفهــومة الكلمـات والمعــاني" على حد قوله. 

ووصف أبو الفتوح السينما المصرية "بالرتيبة والمللة" لتكرار الثيمات والمواقف في كل فيلم، "حتى أصبحت نسخا مكررة" مضيفا: "كل هذا أصبح شبه طبيعــي وشبه مألـوف.. ميـزة هؤلاء القوم أنهم يقدمون كل هذا الهراء بشكــل شديد الملل والغباء، مـا يجعل مُعظم الجمهور يعزف عن مشــاهدة هذه النوعية من الأفلام،" رغم أنها تحاصرنا في كل مكان .. وعــادة لا يشـاهدها إلا أخـف الناس عقلا".

ثم تطرق أبو الفتوح  إلى طرح نظرية المؤامرة على شكل عدد من التساؤلات قائلا: "مؤخراً ، بدأ المنحنــى يتخــذ طابعا مريبـا جدا أكثر خطورة بكثير.. بشكــل يجبــرك على إعادة التفكيــر مرة أخرى: هل ما يحدث طبيعي فعلا؟ .. هل هذا نتاج حركة السوق الفني والذوق المجتمعي الهــابط، والتراجع المُزري في صناعة السينما العربية؟..أم أن هنــاك منهجيــة وخطــة مدروسة لها غاية وأهداف ووسائل ، يتم التأثيــر من خلالها على الجمهور العربي، وإعادة تشكيــل وعيه من جديد ؟".

واستعرض الكاتب أعمالا سينمائية عرضت في هذا الموسم ومنها:

"قذارة روح"

تناول الكاتب في مقاله أولا فيلــما اسمه (حلاوة روح) ، بطولة الممثلة اللبنـانية هيفــاء وهبــي (38 سنة)، يُعرض حاليــاً في دور السينمــا، والفيلم "قصتــه عبقرية فعلا"، يقول أبو الفتوح ساخرا، مضيفا: "يحكــي الفيلم عن امــرأة مُطلقة تعيش بمفــردها، وتمارس الرذيلة مع رجـال المنطقة كلهم تقريبـا.. حتى تتعــرف على ( طفــل الجيــران) الصغيــر، وتمارس معــه العلاقــة أيضـا، وتكون المنطقــة بكاملها على عِلــم بهـذه العلاقة".

وقبل أيام، أصدر المجلس القومي للطفولة والأمومة (حكومي)، بيانا أعلن فيه استياءه من الفيلم، ولفت إلى خطورته، حيث يمثل إساءة لصورة المرأة والطفل، على حد تقديره.

وجاء هجوم المجلس على الفيلم ضاريا لما وصفه البيان بـ"الخطورة الحقيقية على أخلاق الأطفال وتعريض قيمهم للخطر"، بالإضافة إلى أن الفيلم لا يتناسب وعادات وتقاليد المجتمع المصري.

وتطرق البيان أيضا إلى استغلال الأطفال من خلال مشاركتهم في الأعمال الفنية، واعتبر ذلك مخالفة صريحة لقانون الطفل رقم 126 لعام 2008، حيث يشارك الطفل كريم الأبنودي في الفيلم، ويظهر بدور رآه المجلس غير لائق.

واستدل المجلس على ذلك بمقطع الفيديو الدعائي للفيلم الذي يتهافت فيه الجميع على إشعال سيجارة هيفاء وهبي (البطلة)، بينما يظهر الطفل كريم ينظر لها بلهفة، وفقا لما جاء في البيان.

ومن جهتها أكدت غرفة صناعة السينما (حكومية) في بيان لها أن إيرادات الفيلم، الذي بدأ عرضه في دور السينما في 8 نيسان/ أبريل الجاري، لم تتجاوز مليون جنيه (143 ألف دولار)، نافية صحة تصريحات منتج الفيلم محمد السبكي بتجاوز إيراداته الثلاثة ملايين جنيه (429 ألف دولار).

كما أصدر رئيس الوزراء المصري، إبراهيم محلب، مساء الأربعاء، قرارا بوقف عرضه، لحين ورود قرار هيئة الرقابة على المصنفات الفنية بشأنه، بعد أن تعرض الفيلم لحملة انتقادات لاذعة.

ووصفت الناقدة الفنية، ماجدة خير الله، الفيلم بـ"المتواضع فنيا بدرجة كبيرة". 

وقالت خير الله: "الفيلم فشل تماما في تمصير الفيلم الإيطالي (مالينا) وإيجاد صيغة فنية تجعله مقبولا للمنطق المصري والعربي؛ وجاءت أحداثه مهلهلة إلى حد أفقدها المنطق".

وأضافت خير الله  أنه "من الصعب جدا تصديق أبطال الفيلم في الأدوار التي جسدوها؛ لأن التركيبة الفنية للشخصيات لم تكن مبنية بشكل سليم على الإطلاق.. باختصار شديد الفيلم يفتقد للمنطق والفن والإبداع".

"تحطيم" حجــر الأساس

فيـلم آخــر، تتداوله المواقع الفنيــة ببطـولة الممثلة المصرية غـادة عبد الرازق (48 عــاما) ، وتشير أنه على وشــك الظهـور في دور العـرض.

الفيلم اسمـه "حجــر أساس" .. تجسد فيه الممثلة شخصيــة (مُدرّســة) في أواخر الثلاثينيات من عمــرها، وتُعجــب بطالب في (المرحلة الإعداديــة المتوسطــة)، التي يكون فيها عمر الطالب مابيـن 11 إلى 14 عــاما.. وتقيم معــه علاقــة غير مشــروعة، وتحمــل منه طفــلا!".

ويتابع: "يتقدم والد الطالب لإقامة دعوى قضائية ضد المدرسة، على إثــرها تدخل المدرّسة السجن، وتقضى عقوبة حبس ثلاث سنوات، وتنجــب طفلهــا داخل السجــن.. تخيّـل (وجهة النظـر) التي من الممكن أن يكوّنهـا طالب في المرحلة المتوّسطـة بخصــوص معلمته الشابة في المدرسة ، بعد مشـاهدة هذا الفيلم ! إذن ، لدينا الآن فيلم عربي ينـاقش فكــرة أن تمارس (مُعلّمــة) ثلاثينية الرذيلــة مع طــالب في المرحلة المتوسطــة".

وقال أستاذ رئيس قسم الإعلام بكلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر، الدكتور محمد وهدان في تصريحات صحفية لموقع الأمة: "أنا أربأ من هذه الأفلام، فهذا الفيلم يحمل قيم سلبية، ومن المفروض استخدام جميع الوسائل الإعلامية للارتقاء بالمجتمع وليس للعكس، ولا أدري لماذا تصر السينما على تقديم النماذج الشاذة الموجودة في حياتنا، لأنه كان من الأفضل بأن تقدم نماذج طيبة أن يقتدي بها المجتمع، وخصوصا أننا نعلم أن الدال على الخير كفاعله".

ومن جانبه أكد الدكتور في الطب النفسي محمد ناجح، أن هناك الكثير من الأفلام شجعت على شرب السجائر، وروجت على تعاطي المخدرات كفيلم "الكيف" وغيره .

موضحا أن الأفلام الحالية تروج على الإثارة الجنسية، وأنه لا يوجد أي دولة متحضرة ترضى أن يُعرض فيها فيلم يعرض صورة بذيئة بهذا الشكل، ولا يوجد دين سماوي يرتضي به على الإطلاق.

وأشار ناجح أن هذا الفيلم لا يمكن أن يعرض في البيوت، مبينا أن هذا الفيلم لا يرتقي إلى مستوى الأفلام الراقية إنما يندرج تحت الأفلام الإباحية "القذرة".

يستشهد دكتور الطب النفسي بمسرحية مدرسة المشاغبين، شارحا أن المسرحية تسببت بضياع هيبة المُدرس الذي كان قدوة وعلامة قوية داخل نفوس الطلاب بجميع المراحل التعليمية الأساسية.

وذكر ناجح أن الفيلم المزعوم "حجر الأساس" سيترك آثار سيئة للغاية داخل نفوس التلاميذ الصغار، وخاصة بالمرحلة الإعدادية، بعدما مشاهدتهم للفيلم ما سيجلب المشاكل لمجتمعنا.

شــذوذ 

ويشير أبو الفتوح إلى فيلم آخر إنتــاج العـام المـاضي، يحمل اسم (أسرار عائليــة) "يناقش فكــرة الشـذوذ الجنسـي بين الرجــال، في إطــار الشــاب المظلــوم الحائر المغلــوب على أمره، والذي لم يفهمــه المجتمــع، وكيف يعاني أوقاتا صعبة.. ما يشيــر أن قصة الفيلــم تتعاطف مع الفكرة، وربما تحاول خلق تبــريرات لها.. إذن ، لدينا فيلم عربي يستعرض فكرة الشذوذ الجنسـي في إطـار إنساني مجتمعي!".

وقد تقدم المحامي إبراهيم السلامونى، بطلب طعن بدائرة المنازعات الاقتصادية والاستثمار بمحكمة القضاء الإداري، ضد كل من وزير الثقافة ورئيس الرقابة على المصنفات بصفتهما، للمطالبة بالحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ قرار الجهة الإدارية السلبي بالامتناع عن إصدار قرار بمنع عرض فيلم "أسرار عائلية"، بالإضافة إلى إلزام الجهة الإدارية بمصروفات وقف التنفيذ، موضحا في طلب طعنه الذي حمل 9395 لسنة 68 قضائية، بأنه فوجئ بأن فيلم "أسرار عائلية" من المقرر عرضه في سينمات مصر، حيث أنه يناقش "الشذوذ الجنسي في مصر"، مشيرا إلى أن هذا العمل سينشر فكرًا جديدا سيئا بين شباب المجتمع المصري.

إلحـــاد 

ويضيف فيـلما رابـعا تم تداوله في السوق السينمـائي تحت اسم (الملحــد)، "ينــاقش ظاهرة الإلحــاد في المجتمعــات العربية والإسلاميــة.. بعض النقــاد قالوا إن الفيلم جيــّد لمناقشة فكــرة الإلحــاد ودحضها.. والبعض الآخر اعتبــروا الفيلم كارثــة حقيقيــة للترويــج للأفكــار الإلحــادية بين الشبــاب العربي.. إذن لدينــا فيلم عربي يستعــرض فكــرة الإلحــاد الدينــي".

علامات استفهــام 

يقول أبو الفتوح معلقا علة هذه الأفلام: "ما يجعل السـؤال المنطقي يتبـادر في الذهن هل فعـلاً الأمر نتــاج حركة عبثيــة في الإنتاج السينمـائي العربي، الذي يركـز على المحتوى الفني الهابط لجذب الإيــرادات؟ (...) أم أن المــوضوع بالفعل يحمـل بين طيّــاته مؤامــرة مــا تدفع  المنطقة إلى المزيد من الانهيار ، باعتبارها تضــرب المجتمــعات العربية في مقتلــها ..الشبـاب".

ويتابع: "إذا كـان الأمر وراءه مؤامـرة، فتلك مصيبــةٌ .. أما إذا كان الأمر إفرازاً طبيعيـاً لمفهوم الفــن في السينمـا العربية، يؤمــن القائمـون عليه أن هذا فــن حقيقــي وهادف.. فالمصيبــةُ أعظــمُ !".

ويقول أبو الفتوح في ختام مقاله " كل ما أعرفــه أن الأمـر لو استمـر بهذا الشكـل، في ظل انهيــار التعليم والثقافة، وتغوّل فكـــر (البلطجــة – الجنــس – الإلحــاد – تعاطي المخدرات – الشذوذ – إهــدار القيم والأخلاقيــات – الخ)، مع غيــاب كـامل للانضبــاط الأمني والتوعية التعليمية والترشيد المجتمعـي.. فأعتقــد أن السنــوات المقبلة ستشهــد قدرا هائلا من الانحطاط  في مجتمعــاتنا العربيــة، أكثــر بكثيــر من الانحطاط الذي نشهــده في هــذه الأيــام السوداء".