كتاب عربي 21

الإخوان كجماعة إرهابية .. وداعا للديمقراطية

1300x600
عندما قرر مجلس وزراء الانقلاب في مصر يوم الأربعاء الماضي 25 كانون أول/ ديسمبر2013 اعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية وتنظيمها تنظيمًا إرهابيًا، كان يؤسس لمرحلة جديدة تقطع مع مسارات الديمقراطية وتدشن نوعا حديثا من الفاشية المركبة. كما يكشف قرار الحكومة المعيّنة من قادة الانقلاب العسكري عن بؤس إدارة العملية الانتقالية وحالة الاحباط واليأس من نجاح "خارطة الطريق"، فالقرار بوصم جماعة الإخوان بـ "الإرهاب" يعكس حالة من الهوس والعصاب والقلق على مستقبل الانقلاب، إذ يأتي قرار الوصم كمحاولة أخيرة لاستكمال خطة الانقلاب التي اتخذت منذ 3 تموز/ يوليو 2013 من شعار "مصر تحارب الإرهاب"، نهجا وبرنامجا لتصفية الخصوم والمناوئين والناشطين السياسيين. 

تصنيف الجماعة باعتبارها إرهابية كان خطوة طبيعية من سلطة الانقلاب لاستكمال خطتها الانقلابية التي تعاملت مع الجماعة منذ البداية على هذا الأساس، وكانت محكمة مصرية قضت في 23 أيلول/سبتمبر الماضي بحظر أنشطة جماعة الإخوان المسلمين وكل المؤسسات المتفرعة عنها والتحفظ على جميع أموالها ومقارها؛فخيارات الانقلابيينلم تكن اعتباطية، فالانقلاب على ثورة 25 يناير 2011 التي جاءت بالإسلاميين إلى الحكم وفق آليات ديمقراطية تمثل"إرادة الشعب" بانتخابات حرة نزيهة من البرلمان إلى الرئاسة مرورا بالدستور كانت تستهدف في وجدان الشعب المصري التخلص من أبنية الدولة الاستبدادية العميقة وآلتها القمعية العسكرية البوليسية الأمنية، واكسسواراتها الإيديولوجية السياسية والقانونية والإعلامية، ولا يمكن تحقيق الانقلاب إلا من خلال تطبيق استراتيجيات "الحرب على الإرهاب" وتبني تكتيكات "مكافحة التمرد" وفرض حالة "الاستثناء"، إذ تحمل السيادة معها "سلطة على الحياة" عن طريق حكم الاستثناء، كونها سلطة فوق القانون باعتباره القوة المكوِّنة لها، إضافة إلى كونها أيضاً حامية لتطبيقه، والحاكم كما وصفه الفيلسوف كارل شميت هو الذي يستطيع إعلان حالة الاستثناء.

لقد بات واضحا منذ أحداث 11/ سبتمبر 2001 أن فرض حالة الاستثناء تحت غطاء "الحرب على الإرهاب" هو الوضعية المثالية المعاصرة للانتقال من الحيز السياسي والدخول في أفق البيوسياسي، فالإرهاب كما بات واضحا بحسب جوزيف مسعد: اسمٌ غير مفترض، وإنما مفروض دائما؛ فالمفهوم التصنيفي الذي يحوله من ممارسة إلى هوية مفهومُ خاص لا يتسم بالتعميم، ففي الوقت الذي تصف سلطة الدولة بعض الممارسات بالإرهاب، وتنعت مرتكبيه"بالإرهابيين"؛ فإن جميع من يوصفون بالإرهابيين يرفضون هذا الوصف المفروض عليهم من طرف الدولة، وإذا كان شرط الهوية ينطوي على شقين: موضوعي، وذاتويّ (أي المناداة والاستدخال) فإن الهويات الإرهابية لا تزل مفاهيم تخضع للنقاش والسؤال؛ فهي لا تزال تحت سيطرة عدوٍّ يحكم قبضته على رأس السلطة، ويتحكم بمجمل وسائل تصوير وتمثيل الهويات.

وفي هذا السياق فإن الحالة المصرية نموذجية تماما فبنود "مكافحة الإرهاب" التي أضيفت إلى قانون العقوبات المصري في العام 1992، ومن خلال المادة 86 تنص على أن: "الإرهاب هو كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع، يلجأ إليه الجاني تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة، أو بالاتصالات أو المواصلات بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها، أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح "، ربما ينطبق هذا التعريف بدون تأويل على سلطة الانقلاب لكن سيف التأويل بيد المؤسسة العسكرية، ألم يحلم قائد الانقلاب السيسي بالسيف.

إن وصم الإخوان في مصر بالإرهاب يعني تحويل أعضائها إلى إرهابيين، والإرهابي كما هو مقرر ليس مجرما عاديّا وليس سجين حرب حتّى يطبّق عليه القانون، ولكن باسمه أعلنت "الحرب ضد الإرهاب"، فهو وجه بيوسياسي جديد، تماما كما هو حال المعتقلين في غواتنامو، فهم ليسوا مساجين حرب تقليديين، وليسوا مجرمين عاديين، وإنما هم "محاربون لا شرعيّون" مجرّدون من جميع الحقوق بما فيها حقّ الدّفاع عن النّفس.

يقترح الفيلسوف الايطالي جورجيو أغامبن أن نتساءل في سياق وضعية "الإرهاب" عن الإجراءات القضائية بدلا من المنظور الحقوقي، وما لازمها من التدابير السياسية التي أمكن بواسطتها تجريد كائنات بشرية كليا من حقوقها القانونيّة ووضعها السّياسيّ وتحويلها إلى مجرّد "حياة عارية"، هذه التدابير هي التي ابتدعت في الواقع "المعتقل" بوصفه المنطقة التي يختلط فيها الداخل بالخارج، والمحظور بالمباح، والقاعدة بالاستثناء، وتفقد متصورات كالحق الذاتي والحماية القانونية كل معنى، فالمعتقل ليس فضاء سياسيا بالمعنى التقليدي الذي يضمن حقوق المواطن السياسية والقانونية، ويجعل من حياته "حياة مخصوصة"، وإنما هو فضاء بيوسياسيمطلق لم يتحقق من قبل، ولم يعرف له مثيل في أزمنة ما قبل الحداثة،ومن ذلك أن السلطان السياسي قد أضحى اليوم في مواجهة مباشرة مع الحياة خالصة عارية دون وساطة من الوساطات الرمزية المعهودة، وبهذه الصورة يُصبح "المعتقل" ذاته برادايغم الفضاء السياسي الجديد الذي تنقلب فيه السياسة إلى بيوسياسة، ويلتبس "الإنسان المقدّس" بالمواطن، وهذا الالتباس هو لا محالة نتيجة "الوضع الاستثنائي" الذي ينقلب فيه بعض الناس إلى "إنسان مقدس"، فتضحي حياتهم، أي حياة المواطن، "حياة عارية" مجردة من جميع حقوق المواطنة السياسية والحقوق الإنسانية، ويقلب هذا التجرد الجسم السياسي إلى جسم بيوسياسي، ويمهد لظهور مقولات بيوسياسية أساسية جديدة. فمتصورات من قبيل "واجب التّدخّل" و"الأمن والنظام العام " وغيرها، لا تحيل على معيار أو قاعدة، وإنما على وضعمن الأوضاع، ولكنها باختراقها للمعيار والقاعدة جعلت إمكانات تطبيق القانون وإجرائه محدودة، والمتصورات القضائية ملتبسة.
 
لعل السؤال الأبرز في هذا السياق لماذا تصر حكومة الانقلاب على وضع جماعة الإخوان على لائحة الإرهاب دون غيرها من الجماعات الإسلامية التي رفضت الانقلاب ودخلت في ائتلاف التحالف الوطني لدعم الشرعية والذي يضم طيفا واسعا من الأحزاب من كافة التوجهات الإيديولوجية الإسلامية  كحزب البناء والتنمية التابع للجماعة الإسلامية،وحزب العمل الجديد،وحزب الفضيلة،وحزب الإصلاح،وحزب التوحيد العربي، والحزب الإسلامي،وحزب الوطن، وحزب الوسط،وحزب الأصالة،وحزب الشعب، ولماذا لم توضع الجماعة التي أعلنت عن تبنيها لكافة العمليات العسكرية وهي "جماعة أنصار بيت المقدس"، مع أنها تبنت عملية التفجير الثلاثاء الماضي بسيارة مفخخة التي استهدفت مقر مديرية أمن الدقهلية في المنصورة بدلتا النيل وأوقع 15 قتيلا، الإحابة جاءت سريعة وحاسمة على لسان حكومة الانقلاب في بيان أصدرته قالت فيه أن "مصر كلها روعت بالجريمة البشعة التي ارتكبتها جماعة الإخوان المسلمين بتفجيرها مبنى مديرية أمن الدقهلية"، الأمر الذي يوفر عناء البحث فإذا كانت الجماعة الأكثر اعتدالا موصومة بالإرهاب فإن البقية تندرج في ذات الوصف والحكم لا محالة.

لم يغادر الجيش المصري الحكم يوما حتى يعود إليه، إلا أن القبضة هذه المرة أكثر دموية وأشد بطشا، فقد باتت "عبادة السيسي" طقسا احتفاليا شعبيا يستدعيه متى شاء لتفويضة بقتل كائنات مصرية لا تنطبق عليها مواصفات الشعب والمواطنة، فالتضحية هي الأداة السياسية المعهودة للإرهاب السياسي للدولة تاريخيا وفق طقوس "العنف المقدس" لخوض حروب السلامة العامة التي تستند إلى خلق عدو خارجي متخيّل وعدو داخلي لا مرئي، هذا النوع من الحروب تحت ذريعة "الأمة المحاصرة"، يتطلب بولسة العسكر وعسكرة البوليس، وفي هذا السياق، يكفّ التأمين البوليسي عن التركيز على القبض على متعدين أفراد ويركز بدلاً من ذلك على المراقبة الجغرافية المتميزة بالشمول واحتلال أحياء بكاملها والانقضاض على مجمل سكانها، ويصبح التأمين البوليسي تنويعاً على الحرب المضادة للعصيان.

لقد تعاقبت على جماعة الإخوان المسلمين أطوار عديدة من القمع، إلا أنها حافظت على نهجها الإصلاحي السلمي، رغم تعرضها للمحاصرة والملاحقة وطورت من نهجها السياسي والاجتماعي، وحسمت خياراتها تجاه الديمقراطية والتعددية والمواطنة، فمن خلال مبادرة الإصلاح التي أصدرتها الجماعة في شهر أذار/ مارس عام 2004، بدا واضحا انشغال الجماعة بالشأن الداخلي والتزامها النهج السلمي، وبهذا فإن خيبة رهانات العسكر على عنف الإسلام السياسي وممثله الأبرز الإخوان، سوف يعود بالفائدة على الإسلام الجهادي وممثله الأبرز القاعدة، وبما أن الانقلاب العسكري ماض في فرض سيناريوهات "الحرب على الإرهاب" المتخيّل وعازم على تثبيت الانقضاض على السلطة وإعادة بناء الدولة العسكرية البوليسية، فنحن بانتظار دخول القاعدة ودوامة العنف ليست بعيدة.