كتاب عربي 21

قابليات التطبيع بين مقولتين.. قاموس المقاومة (24)

سيف الدين عبد الفتاح
"تصورت هذه النظم أن استقرار عروشها وسلطانها لا يكون إلا بتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني"- عربي21
"تصورت هذه النظم أن استقرار عروشها وسلطانها لا يكون إلا بتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني"- عربي21
المقولات التفسيرية أو المفتاحية أو العبارات المرجعية من أهم الأدوات حال توظيفها والاستفادة منها واستثمارها. وفكرة المقولة التفسيرية من أهم إسهامات الدكتور المسيري المعرفية، والمقولة هي الجملة الجامعة لمعانٍ واسعة ومغازٍ عميقة واضحة وهي أقرب ما تكون الى قوانين حاكمة؛ هذه المقولات تقوم بأدوار معرفية فتؤثر في الأفهام والمدركات وتقدم الخلاصات؛ وغالبا ما تقوم بمهام تفسيرية، وهو ما حدا بأستاذنا المرحوم عبد الوهاب المسيري أن يصف المقولة مقرنا لها بوصف التفسيرية؛ عند حديثه عن النماذج المعرفية، وأكد أن هناك مقولات أكثر تفسيرية من غيرها؛ بالتأكيد على كل معاني التفسير لغة واصطلاحا؛ من الشرح، والتوضيح، والبيان، والكشف، ويُقال: فسّر الشيء أي: وضّحه أو بيّن سبب حصوله، وكَشَفَ مواضع اللَبس فيه.

أما التفسير اصطلاحا هو الكشف عن المعنى الباطن والحقائق غير الظاهرة في أمر ما أو علم معين، ويتمّ من خلال التفسير وصف هذه الحقائق، وشرح أسبابها، وما وراءها، وكلّ ما يتعلق بها، وعرضها بصورة دقيقة تحقق الفهم الصحيح للمادة المُفسَّرَة، وتلغي كل الحقائق المغلوطة حول ظاهرة علمية أو سلوكيّة أو تعليميّة. ولكلّ مجال يتناوله التفسير قواعد وضوابط معينة يحدّدها القائمون على التفسير، وطبيعة المادة المُفسّرَة، والظروف التي أوجدت هذه المادة.
"القابلية للاستعمار" هي رضوخ داخلي عميق للاستعمار، هذا الرضوخ ناتج عن إقناع الاستعمار للأفراد المستَعمرين (الأهالي) بتفوقه عليهم وعدم قدرتهم على إدارة شؤون حياتهم بدونه، ودونيتهم في كل شيء

والتفسير أحد أهم القواعد المنهجية في تفسير الظواهر بعد القيام بتحليل ظاهرة ما من كافة جوانبها. ترتبط ظواهر مثل التطبيع والتصهين بمقولتين تفسيريتين؛ إحداهما تعود لابن خلدون صاحب المدرسة العمرانية والأخرى ترجع لمالك بن نبي؛ الأولى "المغلوب مولع بتقليد الغالب في عوائده وزيه ونحلته وسائر أحواله"؛ أما الثانية فهي "الاستعمار والقابلية للاستعمار".

يؤكد ابن خلدون من خلال مقولته حول العلاقة بين المغلوب والغالب على جملة أمور جوهرية؛ أن التبعية والتقليد عادة جماعية أخطر ما تكون حينما تكون أسيرة لغيرها ونهجه "عبدا كَلا على مولاه أينما توجهه لا يأت بخير"؛ وحالة التكوينات الجمعية التابعة والاعتماد على المدخل النفسي في تفسير أسباب السلوك الإنساني. وذلك ضمن منظومة متكاملة من الاعتقادات والتصورات بكمال الغالب، وهو أمر مستقر في ذهن المغلوب لعدة أسباب:

- النفس ترى الكمال فيمن انتصر عليها بما وقر عندها من تعظيمه.

- خداع الذات ومغالطة النفس لتبرير أن الانقياد لا يكمن في قصور المغلوب وإنما هو لكمال المنتصر. بمعنى آخر، إن نظرة الإكبار وتوهم الكمال في المنتصر خطأ تدفع إليه طبيعة الهزيمة وليس كمال المنتصر.

- وأخيرا يرجع السبب أيضا في رأي ابن خلدون بالقطع إلى الظن الخاطئ بأن التغلب أو التفوق إنما يرجع إلى عادات وسلوك الغالب، وليس إلى تمتعه بقدر أكبر من الشجاعة من خلال قابليات الهزيمة النفسية الجماعية الداخلية.

تؤدي هذه التخيلات والأوهام إلى تبني المهزومين لعادات وأسلوب حياة من تغلَّب عليهم وأخضعهم؛ ينهجون نهجه ويتبعون مساره ويمتثلون لأوامره.

يتكامل المفكر مالك بن نبي بمقولته "الاستعمار والقابلية للاستعمار" مع المقولة الخلدونية، ليؤكد خطورة تلك القابليات ضمن الكلمة الخلدونية المفتاحية "الولع". "القابلية للاستعمار هو مصطلح أو مفهوم طرحه المفكر مالك بن نبي في 1948م في كتاب "شروط النهضة"، فالمحتل الذي يحتل أرضا ويسيطر على ترابها فإنه مع مرور الزمن يبقى غازيا ومحتلا لفرد غير قابل للاستعمار، هنا يتدخل "المعامل الاستعماري" وهو المصطلح الذي جاء به مالك بن نبي أيضا، يتدخل المستعمر من أجل خلق نموذج من الحياة والفكر والحركة، بعد أن تتم السيطرة المعنوية والمادية فيصبح هذا الفرد قابلا بالحدود التي يرسمها له الاستعمار ويفكر داخلها، ولا يخرج عليها ويرسم شخصيته طبقا لحدودها، بل ويدافع حتى لا تزول تلك الحدود التي أقنعه بها المستعمر.

في الغالب فإن "القابلية للاستعمار" هي رضوخ داخلي عميق للاستعمار، هذا الرضوخ ناتج عن إقناع الاستعمار للأفراد المستَعمرين (الأهالي) بتفوقه عليهم وعدم قدرتهم على إدارة شؤون حياتهم بدونه، ودونيتهم في كل شيء؛ كما يرى مالك بن نبي أن القابلية للاستعمار قد تكون ناتجة عن الواقعة الاستعمارية أي خضوع شعب ما للاستعمار، كما قد تكون ناتجة عن صفات عقلية ونفسية ترسخت في أمة معينة نتيجة ظروف وصيرورة تاريخية معينة، تجعلها تفشل في القيام بفعل المقاومة، وبالتالي الشعور بالدونية تجاه الآخر المتفوق حضاريا.

شكلت هذه الهرولة بعدا نفسيا وذهنيا جماعيا لحالة نفسية منهزمة. إن هذا الانهزام لدى هذه الدول التي صارت تتواءم مع عدوها التقليدي وتطبع علاقاتها؛ يشكل مؤشرات فاضحة على إفلاس هذه النظم في مواجهة هذا العدو الصهيوني الذي تبنته الحضارة الغربية بأسرها ورأس الحربة فيها الولايات المتحدة الأمريكية
مكمن الداء الحقيقي في الأمة إذا يتمثل في "القابلية للاستعمار" الذي ينطبع في المخيال الجمعي للشعوب المستعمرَة ويؤدي بها إلى الخنوع والخضوع والوقوع فريسة سهلة المنال في يد جلادها، إنه الدور الخفي للمستعمِر في إعادة التهيئة النفسية للشعوب المستعمَرة الناتجة عن "مُعَامِلَيْنِ فعلا فعلهما في الإنسان المستعمَر هما: "المعامل الاستعماري" و"معامل القابلية للاستعمار".

في سياق ربط هاتين المقولتين بسياقات التطبيع وقابلياته فإن المقولة الخلدونية توحي لنا بتلك الدول التي هرولت إلى علاقات تطبيع مع الكيان الصهيوني؛ إذ شكلت هذه الهرولة بعدا نفسيا وذهنيا جماعيا لحالة نفسية منهزمة. إن هذا الانهزام لدى هذه الدول التي صارت تتواءم مع عدوها التقليدي وتطبع علاقاتها؛ يشكل مؤشرات فاضحة على إفلاس هذه النظم في مواجهة هذا العدو الصهيوني الذي تبنته الحضارة الغربية بأسرها ورأس الحربة فيها الولايات المتحدة الأمريكية..

شكل كل ذلك انهزاما من هذه الدول التي لا تهدف إلا للحفاظ على عروشها وسلطانها ملوكا كانوا أو ورؤساء. إن هذه الروح الانهزامية الداخلية أفرزت خطابا لو أردنا أن نستدل به على الحالة تلك لطال بنا المقام، وغالبا ما تحاول هذه الدول القول إنها سئمت من هذا الصراع واستمراره، وأنه بدا لها أن تخرج من هذه الدائرة الصراعية إلى ما أسمته الاستقرار والسلام الدافئ والتنمية في المنطقة.

كل ذلك يشكل حالة الولع الانهزامية في علاقة تبعية خاضعة وخانعة للكيان الصهيوني، حيث تصورت هذه النظم أن استقرار عروشها وسلطانها لا يكون إلا بتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، معتبرة ذلك جواز مرور لتمتين علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية التي اتخذتها تلك الدول حامية لها، بل أكثر من ذلك أنها تتصور أن تحالفها مع الكيان الصهيوني هو أفضل طريق لمواجهة الاستهداف الإيراني لدول الخليج مجتمعة، وهذا لعمري يعبر عن منطق تفكير مسكون بالهزيمة ومحاولة التلبيس والتدليس على أصل العلاقة مع العدو الصهيوني وعلى احتمالات تطور العلاقة بما يفيد هذه الدول إفادة مزعومة وموهومة.

أما المقولة التي تتعلق بمالك بن نبي والتي صيغت في مقولة مفتاحية مهمة "الاستعمار والقابلية للاستعمار" (رغم أننا نتحفظ على استخدام كلمة استعمار باعتبار أن تلك اللفظة التي ترجمت خطأ لترادف الظاهرة الكولونيالية، فما ذلك باستعمار فهو في حقيقته كما قال البشير الابراهيمي استخراب إن صح ذلك في عقل اللغة، فكيف تطلق كلمة شريفة تتمثل مادة العمران على أخس الظواهر البشرية في النهب والسلب والدمار؟)
تلك السياقات وهذه القابليات شكلت في حقيقة الأمر حالة تطبيعية كاملة ومنظومة صارت بفعلها تكتسب أرضا جديدة ضمن ثقافة التصهين ومنظومات التطبيع ومجالاته
سنجد أنها في جوهرها تشير إلى أخطر ما في الظواهر السلبية التي بدت تتسرب إلى الأمة الإسلامية ودولها المختلفة، فأدت في الحقيقة إلى أن تكون في حالة خضوع وهيمنة وسيطرة ضمن قابلياتها الداخلية من ضعف ومهانة واستكانة.

هذا الأمر في الحقيقة شكل بيئة خصبة لعمليات التطبيع في كل المجالات، حيث من هم بين بني جلدتنا صاروا يتحدثون بلغة العدو ويُعلون مصالحه ويؤكدون على القيام بكل ما من شأنه تمكين ثقافة التصهين، وكذلك كل المؤشرات التي تؤكد على حالات التسميم السياسي والغزو المعنوي والحروب النفسية التي آتت أكلها في تلك الهرولة التي باتت سلوكا لبعض الدول على المستوى الرسمي وبعض الأفراد؛ على مستويات عدة صارت تروج لخطاب العدو ومفرداته.

ومن ثم فإن تلك السياقات وهذه القابليات شكلت في حقيقة الأمر حالة تطبيعية كاملة ومنظومة صارت بفعلها تكتسب أرضا جديدة ضمن ثقافة التصهين ومنظومات التطبيع ومجالاته. وما زالت لنا وقفات عند تلك المعاني التي تتعلق بالتطبيع والتعرف على مخاطره، وللحديث بقية.

twitter.com/Saif_abdelfatah
التعليقات (0)