أفكَار

مكارم الأخلاق في الإسلام.. الصدق منجاة وعليه نجاح التعامل بين الناس

عبد الرزاق مقّري: من آثار الصدق الثبات والاطمئنان، والثقة في النفس، والعزيمة وقوة الشخصية، ووضوح البيان (فيسبوك)
الصدق سيد الخُلل الحميدة كلها، وعنده تجتمع مكارم الأخلاق جميعها، الدين بدونه غائب، ولا قوام للدنيا بفقده. حفظه الله بقدر دائم بين المؤمنين تديّنا ليبقى الدين ظاهرا إلى يوم الدين، وحفظه بقدر بين الناس في معاشهم، مؤمنهم وكافرهم، حتى تستمر الحياة. من تديّن بلا صدق كان دينه كالخرقة البالية المنفّرة كيفما زيّنها، والله الهادي إلى سواء السبيل. وقد يعلو في القول والمعاملة شأن صادق غير متدين بين الناس في الدنيا، والله وحده عليم بحاله ومصيره.

كل الأديان والملل والثقافات والحضارات تمجد خلق الصدق، فهو أعظم مكارم الأخلاق التي جاء النبي عليه الصلاة والسلام ليكملها.

تعريفه تعريف واحد عند الأجناس كلهم: "هو التعبير المطابق للحقيقة قولا وعملا".

وصف الله تعالى بالصدق نفسه فقال: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾. ﴿ .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ النساء 112. ﴿(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)) النساء 87، وأمر به عباده فقال: ﴿((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)) التوبة 119.

من صدق من العباد أدخله الله جنته ورضي عنه وأرضاه . قال تعالى: (( قَالَ اللهُ هَذَا يَوْم يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾) المائدة 119.

وبداية الصدق النية الصحيحة في كل قول وعمل قال عليه الصلاة والسلام:  "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"، ثم هو الصدق في الحديث، ثم يكون الصدق في العمل بأن لا يخالف الظاهرُ المنمّق الباطنَ السيء، بل يكون الباطنُ أفضل من الظاهر، وأن لا يعمل المرء خلاف ما يدّعيه أو يأمر به.

من هداه الله إلى الصدق هداه إلى كل أنواع الخير، ومن حُرِمه أَغرَق نفسه في كل أنواع الشرور والآثام.

أخرج البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِاللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا".

وعكس الصدق كل خصلة ذميمة يعبر فيها الإنسان عما يخالف الحقيقة، في قوله وتصرفاته، وأسوء تلك الخصال الكذب، وهو الخلق الذميم الذي ينافي الإيمان وفق قوله تعالى: "إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون" النحل 105،  ووفق ما ورد في الحديث المرسل الذي رواه الإمام مالك في الموطأ: "أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جبانا؟ قال نعم! قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال نعم! قيل له: أيكون المؤمن كذابا! قال لا..".

من تحلى بالصدق ألبسه الله كل الحُلل الأخرى من مكارم الأخلاق كالإخلاص والأمانة والشهامة والشجاعة والمروءة والوفاء، مما سنتحدث عن بعضه لاحقا.
وهذا القرار النبوي المرعب من الحبيب المصطفى بشأن الكذب منطقي في الفهم والإدراك، إذ تُتحمّل الحياة بصحبة جبان وبخيل ولكنها لا تتحمل صحبة كذّاب. فبالكذب لا مجال لصاينة العهود والمواثيق الضرورية للتعامل بين الأفراد والجماعات، ولا اطمئنان لنقل الأخبار وتسجيل التاريخ، ولا يصلح نقلٌ للعلم، ولا تصلح تجارة ولا إدارة ولا سياسة ولا نهضة ولا عمران ولا حضارة ولا أي شيء مما يجتمع عليه الناس ويعلو فيه شأنهم. وللكذب أشقاء أسوء منه شنّعت النصوص بأصحابها أشد التشنيع كالقذف والبهتان والرياء ونقض العهود والخيانة، وهو السبيل لأسوء أصناف الناس، كذي الوجهين الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الذي يَأْتي هَؤُلَاءِ بوَجْهٍ، وهَؤُلَاءِ بوَجْهٍ"، والمنافقين الذين جعلهم الله تعالى في أسفل دركات جهنم في قوله عز وجل : "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا" النساء 145.

من تحلى بالصدق ألبسه الله كل الحُلل الأخرى من مكارم الأخلاق كالإخلاص والأمانة والشهامة والشجاعة والمروءة والوفاء، مما سنتحدث عن بعضه لاحقا.

ومن آثار الصدق الثبات والاطمئنان، والثقة في النفس، والعزيمة وقوة الشخصية، ووضوح البيان، والفاعلية، والهيبة والسمعة الطيبة وتقدير الآخرين، ومن علامات الكذب في القول والعمل الاضطراب والارتباك واللجلجة والتردد والشك في الذات والتناقض وضعف العزيمة والخيبة والسمعة السيئة وعدم ارتياح الآخرين لصاحبه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول في الحديث الصحيح: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة". 

ويُكسبُ الصدق بنعمة خالصة من الله تعالى يهبها الله لمن آمن من عباده وفق قوله تعالى: ".. وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ.." يونس 2، و يُتحصل ـ لصعوبته وعظمة ودقة أمره ـ  بالدعاء والتضرع إلى الله، كما جاء في قوله تعالى: ﴿(وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ﴾) الإسراء 80، وكما جاء في الحديث الشريف: ((اللهُمّ إنّا نعوذُ بك من أن نُشرك بكَ شيئا نعلمُه، ونستغفرُك لمَا لا نعلُمه))، ويتم تشرّبه في البيئة الصالحة، من الذوات أكارم القوم، والوالدين الصادقين، والأصحاب أصحاب المروءات، وفي المسجد والمدرسة والقدوات والجماعات الصالحة، ويُكسبُ بالتدرب إذ يأنف الصادق أن يقع في ما يريب من شبهة المقال والمظهر، أو أن يكذب ولو كان مازحا، أو أن يُحدّث بكل ما سمع كما ورد في الأحاديث الصحيحة.

والله نسأله الهداية والثبات وحسن الخاتمة.