قضايا وآراء

زلزال تركيا وسوريا.. هل يصح اعتباره غضبا إلهيا؟

الأناضول
يسيء بعض الإسلاميين للأسف الشديد لأنفسهم مرات متكررة، بل يتعمد بعضهم للتسرع وقراءة بعض النصوص الشريفة، سواء أكانت آيات من الذكر الحكيم أو أحاديث نبوية صحيحة بشكل متعسف، ويبدو الأمر أكثر إزعاجاً عندما يتصل بالأحداث المأساوية التي لا يملك كل صاحب ضمير حيالها إلا الحزن الشديد، فضلا عن محاولة مد يد العون للمتضررين، بدلاً من إظهار شيء من الشماتة عبر التسرع والرعونة ولي عنق نصوص حكيمة وإجرائها على غير معانيها وهديها.

ومع اعتراضنا على مصطلح "إسلاميين" وتسليمنا بأن الناس أحرار بمعتقداتهم، ومع تمنينا الهداية لهم جميعاً، إلا أنه يبقى واضحاً أنه لا يجوز بحال من الأحوال فصل جانب المعاملات عن تصرفات بعض المنتسبين للإسلام عن العبادات، بمعنى أنه لا يصح فضلاً عن أن يصلح أن يكون أحدهم عابداً ذاكراً لله ثم مسيئاً مُقنطاً لعباده من رحمته، فهذا أمر ربما كان أشد خطراً من محاولة آخرين فصل الإسلام كله عن الحياة!

هز الزلزالان اللذان ضربا تركيا قرب الحدود السورية ومناطق واسعة من شمال وغرب سوريا، في الساعات الأولى من صباح 6 شباط/ فبراير، ضمير كل إنسان حقيقي، وكانت قوة الأول 7.8 على مقياس ريختر، وكان كان مركزه قريباً من مدينة غازي عنتاب ومن سطح الأرض مما تسبب بأضرار جسيمة للمباني والنائمين من السكان، فضلا عن أنه أعقبه زلزال بنفس الدرجة تقريباً فيما كان مركزه شمال نفس المدينة، ليوقع أعدادا كبيرة من الضحايا في سوريا وتركيا (نسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء)، بالإضافة للمنكوبين من فاقدي بيوتهم وأهاليهم؛ ما جعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعلن أن هذه الكارثة لم تحدث لبلاده من الثلاثينيات من القرن الماضي، معلناً المناطق العشر المتضررة من الزلزال بجنوب البلاد "مناطق منكوبة". وقد حلت الكارثة بتركيا وسوريا في ظل أجواء بالغة البرودة، وموجة من صقيع شديد تنبهنا لحجم الكارثة، خاصة مع عدم تأهل النظام السوري أو حتى المعارضة لمواجهة مثل هذه المأساة.

خرج بعض المحسوبين على الإسلام في غمار هذا الحدث القاسي، وفيما الملايين يتخوفون من تكرار الزلازل بمناطق أخرى خاصة في تركيا وسوريا، ومع ترشيح الأولى لزلزال محتمل في عاصمتها التاريخية إسطنبول التي يقدر عدد سكانها بنحو 14 مليون نسمة، خرج أولاء معلنين أن الزلزال إنما حدث لخطأ وتقصير في جناب الله جرى على يدي المُتضررين، غير مراعين لحال الأخيرين وأنه ما نص ثابت الصحة في كامل الشريعة الغراء يفيد بهذا، إضافة إلى أن المنكوبين ما تزال قصصهم تثير الأسف والألم والمشاعر الإنسانية، خاصة أنه رغم التقدم العلمي الهائل في العالم فإنه ما من طريقة يقينية بعد لرصد قدوم الزلازل وبالتالي محاولة تجنبها.

وراح أولاء يتحججون بحديث شريف صحيح أخرجه الإمام البخاري عن أنه من علامات يوم القيامة حدوث الزلازل، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج، وهو القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض". والحديث كما هو واضح لكل ذي عينين يتحدث عن علامات للساعة منها الزلازل، ولكن الرسول الكريم لم يقل أن ذلك بتقصير من المصابين بها، وربما كان الأمر خاصاً بالعظة والعبرة للجميع وبالأخص الغافلين، لكن الأمر فيه متسع لطلب الرحمة وإلزام النفس البعد عن الفتن، وإلا فهل يضمن أولئك الذين يتحدثون ويفيضون في وصم الضحايا والمتضررين بما ليس فيهم؛ موتة لأنفسهم أكثر رحمة مما أصيب به أولاء؟

إن طائفة من المتدينين اليوم والأمس للأسف المرير يصدون الناس عن دين الله ويتقولون عليه بما لم ينزل بها تعالى سلطاناً، ويسيئون لنصوص شريفة من أجل أهواء خاصة بأنفسهم وكبر وحب علو، ويوم نتقبل أنفسنا؛ ونمد يد العون للمتضرر بدلاً من التزيد والتقول عليه، ويوم نستوعب أن ما لم نحط به علماً له حكمة علوية لا يجب علينا أن ندعي أننا ندركها أو أحطنا بها علماً، ويوم نتعلم معاني الرحمة الحقيقية ومعونة الغريب الأجنبي قبل القريب المماثل لنا في اللغة أو الدين وغيرهما؛ يومها نضع أقدامنا على أول خطوات استعادة روحنا الحضارية، تمهيداً لإشراقة تضم عودة روح الإنسانية واحتواء الجميع التي تعمدت وحاولت حضارتنا العربية الإسلامية التمايز بها!