قضايا وآراء

في الرد على "إنه مجرد كاريكاتير"

1300x600

1) يضيق بعض المحبين -بمن فيهم مسلمون كثر- بغضب عامة المسلمين من الرسوم المسيئة.. "هو مجرد كاريكاتير" كما يقولون. يشعر بعض المسلمين بحنق تجاه فكرة أن دائرتهم الخاصة من إخوة الدين تتمتع كما يبدو بأحاسيس هشة قابلة للكسر، وطيَارة قابلة للتثوير عند أدنى درجة من التوتر في الموضوع الديني.

2) أما من هم خارج دائرة المحبين أيضا يقولون "إنه مجرد كاريكاتير"، ولكن على طريقة: إذا كان الكاريكاتير إصبعا يفقأ عينك اليمنى فإليك موقفي هذا إصبعا آخر لفقء أختها.

3) حتى بعض من يعارضون نشر الرسوم المسيئة -من دوائر ليبرالية غير مسلمة في الغرب- فيبدون كما لو كانوا يقولون: "يجب منع هذه الرسوم لئلا يفلت وحش حرق الأعلام وغلق الشوارع من قمقمه. هم يحبذون منع الكاريكاتير لكن كإبرة مخدر للدب المشاكس، لئلا ينشط من عقاله مخربا، فهو بفطرته مضطرب وعالي التوتر.

4) وبعض الأصدقاء من خارج الدائرة الإسلامية لا يحبون التعدي على حقوق المسلمين، لكنهم لا يقبلون الحجر على نشر الرسم، بسبب اعتناقهم الصادق لحرية التعبير. فهل المسلمون ضد حرية التعبير؟

5) قبل الإجابة على سؤال موقف المسلمين من حرية التعبير، لنفصل في ما إذا كانت الغضبة من الكاريكاتير مستحقة أم لا.

6) تتعرض كل الأقليات في الدنيا -بما في ذلك تلك التي تعيش بين ظهراني المسلمين بكل أسف- إلى التبكيت والمقت والظلم والسخرية بين الفينة والأخرى. هذه حقيقة. في الغرب، لو سألت أي إنسان ينتمي لأقلية ما -عرقية أو دينية أو اجتماعية أو من عنصر ما- لسرد لك وحكى عن مواقف من التمييز تعرض لها، وتعرضت فيها رموز ثقافته للسخرية بشكل أو بآخر.

7) لكن وحدهم المسلمون في فرنسا -وفي كثير من الدول الغربية- يتم اعتبار السخرية من أهم رموز ثقافتهم شرط دخول نادي حرية التعبير، وعلامة ذلك الدالة. السخرية من أهم رموز الإسلام هي اختبار الطهر الحرياتي الأبرز، وهي في فرنسا مشروع وطني برعاية الدولة لتشجيع حرية التعبير تلك.

8) في فرنسا، لا يمكن للمحجبة دخول البرلمان أو المدرسة أو أماكن عامة أخرى. والشاب المسلم يجد صعوبة في العثور على العمل في كثير من الأحيان إن كان اسمه عربيا أو إسلاميا، أو لم يبد من سحنته أنه "فرنسي بما يكفي". لكن ليت الأمر وقف عند ذلك الحد، فالشتيمة كائن معنوي يسافر بلا حواجز لكافة أرجاء الأرض الفرنسية، وخارج الحدود، ويخترق آذان المسلمين رغم أنوفهم. وبالنسبة للمسلم الفرنسي فإنه لا محالة سيسمع الشتيمة هذه كثيرا، لأنها صارت مشروع البلاد القومي وبرعاية الدولة.

9) وعلى الشاب المسلم في فرنسا أن يقفز فوق وادي جهنم إلى ضفة التعايش مع شتم النبي العربي، حتى يتسنى له اكتساب المقبولية في فرنسا. وعندها، وعندها فقط، يمكنه التمتع بكامل عضوية المجتمع الفرنسي، مع ما يتيحه له ذلك من تركيز في تلقي شتائم أخرى، على أساس اللون وعلى أساس أصلة كلاجئ، أو كعربي، أو ككائن شَعُور، وما إلى ذلك من معين الشتائم العنصرية الذي لا ينضب.

10) وإذا اختار بعض أفراد الأسرة المسلمة التطبيع مع شتم النبي، فلا شك في أن هذا مبشر بانهيار تلك الأسرة. هل سيجتمعون مرة أخرى على مائدة إفطار رمضان أو العيد، للاحتفال بمناسبة لم تكتسب معناها إلا بظهور نبي الإسلام، والذي قرر بعض أفراد الأسرة القبول برسمه بطريقة مخزية؟

11) يقولون "كل الأقليات تشتم بين الفينة والأخرى". من قرر أصلا أن هذا شيء محتمل أو عزاء مقبول؟

12) كل الأقليات تشتم في رموزها بين الفينة والأخرى، نعم، لكن وحدها هذه الأقلية هي التي تشتم ضمن إطار مشروع قومي جامع، لا يشغل الحكومة ومؤسسات الأكثرية عنه جائحة وبائية، أو اقتصاد تواجهه التحديات.

13) لكن بعض أبناء الأكثرية العلمانية خطابا، الصليبية جذورا (نسبة للحملات الصليبية وليس لدين المسيح)، الرومانية ماضيا وتراثا، والعنصرية دائما وأبدا (نتحدث عن بعض مؤسسات المجتمع المنظم وليس عن كل فرد في هذا المجتمع بطبيعة الحال)؛ بعض هؤلاء يقولون بفهمٍ مستعلٍ: نحن نقبل شتم المسيح، فانظروا ما أحسننا طريقة، وما ألصقنا بالعدل والمساواة.

14) هذا يشبه أن تقول لسنجابك: إن تلفظت بكلمة نابية فسأمنعك من تسلق الشجرة لمدة يومين. ثم تلتفت لسمكتك فتقول لها: وأنتِ أيضا يا سمكة، إن تلفظت بكلمة نابية فسأمنعك من تسلق الشجرة لمدة يومين. هل رأيتم هبلا واستهبالا أكثر من الزعم بالعدل والمساواة في هذا الموقف؟

15) واضح تماما أن الدين يعني عندنا ما لا يعنيه لكم. امتحان المساواة والعدالة الحقيقي يقتضي أن نقول: تعالوا نستبدل الأدوار، لنبحث عن أكثر ما يسيء لثقافتكم ويجرحها، ولنحول إعلانه وتبنيه إلى مشروع قومي برعاية الدولة. ذات الدولة التي تمولونها بالجباية الضريبية، سنستعملها لإذكاء نار الإهانة والقهر المعنوي لثقافتكم. كل يوم، في كل مكان، على يافطات في الشوارع وعلى واجهات البنايات الحكومية.

16) لا أدري ما الذي يمكن أن يكون مستفزا للعقل الجمعي الفرنسي، لكن بعض ما يحضرني من مقترحات فورية دون تفكير عميق (كما سيظهر بوضوح) أن نكتب مثلا: "رغم كل الدعاية فإن الأكل الفرنسي في مجمله مقزز". "أردوغان". "الكرواسون أكثر من عادي". "أردوغان". "الشعر المنكوش مع السحنة المكتئبة لوجه غير حليق لا تصنع سينما جديرة بالمشاهدة". "أردوغان". "مياه إفيان والموناليزا مبالغ في قيمتها كثيرا".

17) لكن بعيدا عن المزاح: هناك الكثير من ضوابط افعل ولا تفعل في القانون الفرنسي، ولو لم يكن المجتمع المسلم هناك "حيطهم الواطي" -أو هكذا يريدونه- لسنوا قانونا يحمي قادة الأديان من عبث أولاد الفرنسيين والفرنسيات. أليست مقاطعة "إسرائيل" مجرَّمة في فرنسا، مع أنها شكل من أشكال حرية التعبير؟

18) لنعد الآن للسؤال في النقطة رقم (4): هل يكره المسلمون حرية التعبير؟ كثير من المسلمين يفعل ذلك نعم، بل معظم المسلمين يفعل ذلك بعض الأحيان. لدينا تراث حافل في الإسكات والتخجيل لا يبدأ من "أجمع العلماء على.." و"أجمع الجمهور على.." و"أما أهل العلم فقالوا" -على اعتبار أن "الثانيين" أهل جهل- ولا ينتهي بالنظر شزرا تجاه مرافقك في الزيارة العائلية لتسكيته، إن قال ما يشي بمخالفة ما أجمع عليه من في المجلس أو الديوان (مثل أحقية برشلونة بالفوز، أو غلاء سعر الكاز).

19) لكن الجائزة الكبرى تذهب طبعا لمن يستدعي مصطلح "لا ينتطح فيه عنزان". يحمِّل هذا التمثيل المخالف في الرأي، عبئا ضمنيا هائلا؛ إما أن تقبل أو أنت أغبى من "تيس" يا رعاك الله.

20) على الهامش: من يقولون "ما هكذا تورد الإبل". أشك أنهم يعرفون قصة المثل وبالتالي أشك في حسن تمثيلهم به.

21) لكن بعيدا عن المزاح (مرة أخرى): تظهر تحولات السياسة والاجتماع الغربي (بل لعلها تكشف ما لم يكن غير ذلك قط) أن كثيرا من الغربيين أيضا يكرهون حرية التعبير -وحريات وحقوق أخرى أكثر- حين تتعارض مع ما يعتنقون ويحبون، وحين تتعارض مع مصالحهم. المسلم والغربي والشرقي في ذلك سواء، لكن مستويات الانفعال ودرجات حرارة الغضب، محكومة بعوامل موضوعية يمكن فهمها ضمن سياقاتها.

22) تفرض كثير من ولايات أمريكا على المتعاقدين الحكوميين -بمن فيهم مدرسون- التبرؤ من مقاطعة "إسرائيل". وكثيرا ما يشعر الغربي أن من حقه أن يغضب حتى حين يكون هو الآثم، وحتى حين "يرضى القتيل". يظهر كثير من الأمريكيين البيض غضبا حانقا تجاه المكسيكيين لأنهم يسرقون وظائفهم (غير صحيح) ومن كائن ما اسمه إسلام (الإسلام عند هؤلاء شيء مجسد في شخص متجهم داكن البشرة ومعمم مثل السيخ...) لأنه يكرههم، والدليل هو في الغزوات المتكررة التي شنها العالم الإسلامي على الغرب في المئتي عام التي مضت (أو لعل الذي حدث هو عكس ذلك؟). كثير من الحريات الأساسية تصبح محل تحد وسؤال في الغرب حين تكون من العرق أو الدين أو اللون الخطأ. اسألوا السود في أمريكا لا عن التعدي على حرياتهم ليس من قبل الناس فحسب، بل من قبل الحكومة وبشكل منهجي ومخطط له.

23) ولا داعي للحديث عن التاريخ والحاضر الاستعماري، وما يمثله من محق لكل الحريات لأكثر سكان الكوكب لقرون عديدة. فكما هو معلوم فإن السيد الأبيض يقرر أجندة النقاش، وهو قد قرر أن هذا ليس موضوعنا..

24) لكن أكثر الغربيين -بين الأصدقاء والأعداء- يجمعون على أن المسلمين متحفزون للتوتر والصراخ دائما. ولا يتمتعون بروح دعابة كافية (يستفزهم كاريكاتير كما تقدم).

25) عندي عرض: ليتبادل مجتمع غربي أبيض راق ومتحضر مختار، مع أي مجتمع مسلم متوتر، الأدوار والمواقع. ليأخذ ذلك المجتمع الغربي الغارات بدون طيار وحروب الغزو -ضده هذه المرة- بحثا عن أسلحة الدمار الشامل غير الموجودة، وتشريد الملايين من الحفاة العراة وانهيار المجتمع. وسأعمل أنا وأصدقاء على إقناع المسلمين -في موقعهم الجديد- على التحلي بروح الدعابة أكثر، فيما هم يستمتعون بفائض القيمة المسروق من المجتمع الأبيض الذي تبادلوا المواقع معه.

26) وسنرحم المجتمع الغربي الأبيض من اغتصاب وعيه بشتيمة مقدساته، بعد أن خسر استقلاله ومقدراته وقراره، في لعبة تبادل الأدوار مع المسلمين سريعي الاستفزاز.

27) هو ليس مجرد كاريكاتير.. لكن حتى نكون واضحين: حتى لو كان مجرد كاريكاتير، فإنه رسول الله..

(أصل المثل معروف وبيت القصيد في القصة قول الشاعر "أوردها سعد وسعد مشتمل.. ما هكذا يا سعد تورد الإبل").