كتاب عربي 21

أجهل الناس بالرسول أتباعه

1300x600
بين سنة وأخرى، تزداد المسافة اتساعا بين الرسول محمد وبين المؤمنين به. هذا ما يكتشفه المراقب الموضوعي.

يزداد عدد المسلمين في العالم، حيث أصبحوا منافسين للمسيحيين الذين يعتبرون الأكثر أتباعا في عالم الأديان، لكن مع ذلك فإن عموم المؤمنين بخاتم الأنبياء والمرسلين يبدون في حالة قطيعة معه، رغم كثرة صلاتهم وسلامهم عليه، ورغم الأجواء الاحتفالية التي تقام له كل عام بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف في جميع أصقاع الأرض، باستثناء البلد الذي ولد فيه؛ بحجة أن الاحتفال بذكراه بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار!

كل يدعي أنه أقرب إلى الرسول وأكثر وفاء له ودفاعا عنه. في مقدمة هؤلاء من يعرفون بالسلفيين. وهؤلاء جماعات وتيارات، وتشقهم تناقضات ضخمة وحادة أحيانا. ويوصفون بالسلفية لاعتقادهم بأنهم الأكثر تمسكا بما كان عليه السلف الصالح والأوثق صلة بالنبي محمد )ص(. يقدمون أنفسهم باعتبارهم الواقفين في الصفوف الأمامية للذود عنه وعن سنته ورسالته، باعتبارهم الأكثر اطلاعا على تفاصيل سيرته الذاتية. ولا شك في أن بعض السلفيين قدموا خدمات لا يمكن إنكارها للثقافة الإسلامية. لكن عند إلقاء نظرة متفحصة، يكتشف المرء كثرة الاختلاف في صفوف هؤلاء، وانزلاقهم نحو تكفير عموم المسلمين لأسباب جزئية وشكلية، وهو أمر ناتج عن هيمنة القراءة الحرفية للنصوص، مما أدى إلى تجفيف الفضاء الديني عموما، والقرآني خصوصا، من أبعاده الرمزية ودلالته التأويلية والروحية.

 أما الذين وصفوا أنفسهم بالمجاهدين، وذهب بهم الظن إلى الاعتقاد بأن حياة المسلمين ليست سوى سلسلة من المعارك الحربية التي لن تتوقف إلا بانتصار الإسلام وتحكيم السيف في رقاب المخالفين له في المعتقد وفي الدين وحتى في السياسة.. فمن أفتى لهؤلاء بجواز قتل المصلين من أهل القبلة في مسجد دون حتى تمييز بين رجال ونساء، أو بين شيوخ وأطفال؟ هل يمكن أن يكون أن الرسول الكريم هو من برر لهم ما فعلوه في مسجد الروضة بسيناء المصرية؟ من يقول بذلك فإنه قد كفر بالله ورسوله؛ لأنه لو فعل ذلك محمد بن عبد الله لما نجح في رسالته، ولما انتشرت دعوته، ولما أحبه الناس قبل مماته وبعدها، وصولا إلى اليوم واستمرارا إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. ولهذا لا يمكن عدم التساؤل عن علاقة هؤلاء بالرسول الذي وحد ولم يفرق، والذي حرم التكفير وضيق من مجالاته، ودعا المؤمنين به إلى تجنب القتال إلا في حالة الدفاع الشرعي ضد مغتصب للأرض ومعتد على الأوطان.

أما المتصوفة فلهم شأن آخر. فباستثناء الدور الذي لعبه بعضهم خلال التاريخ في الدفاع عن ثغور المسلمين ضد الغزاة، فإنهم حافظوا على طابعهم السلمي، وفرارهم إلى الله هربا من مطبات الدنيا وآثامها وإغراءاتها وصراعاتها ومناوراتها. تكاد لا تتوقف ألسنتهم عن ذكر الله والتودد للحبيب محمد. لهم طقوس جميلة ومنعشة للروح، بعضها جاء متأثرا بتجارب روحية من ديانات ومذاهب أخرى غير إسلامية. ونادرا أن تجد من يضاهيهم في تطويع اللغة والإيقاع الموسيقي والقدرات الصوتية؛ من أجل تحويل الذكر الديني إلى أركسترا تتناغم فيها الكلمات والأحاسيس وحركات الجسد، حتى يكاد المريد يفارق الوعي وينقطع عن المكان والوجود، ليسبح في عالم بعيد يعتقد من خلاله أنه قد أصبح قريبا من الله، أو أنه قد حل فيه كما ظن بعض شيوخ الصوفية.

 لكن مع أهمية هذه التجربة الروحية الخاصة والمثيرة، إلا أن الصورة التي نحتها المتصوفة عن الرسول؛ جردته من إنسانيته، وأخرجته من سياقه التاريخي، وألبسته صفات لم يدعها، ونسبت إليه أقوالا وأفعالا خارقة؛ حولته إلى أسطورة غير قابل للتصديق أو الاقتداء، في حين أنه بعث ليكون قريبا من الناس، وساعيا إلى خدمتهم والارتقاء بهم، وتحقيق العدل لهم وتوفير الحرية لجميعهم.

أما الأحزاب الإسلامية، فقد صنعت من الرسول زعيما سياسيا ومؤسسا لدولة، ومقيما لخلافة. وبناء على ذلك، جعلوه قدوة لهم لتبرير مسعاهم للوصول إلى السلطة وممارسة الحكم باسمه وباسم الرسالة الإسلامية. وقدموا في سبيل ذلك تضحيات جساما، وأولوا الكثير من أفعاله وأقواله لكي تنسجم مع خططهم ومنظوماتهم الإيديولوجية، ولم يدركوا أن حشر التجربة النبوية داخل الدائرة السياسية الضيقة لن تكون فقط مكلفة على الأصعدة التنظيمة والسياسية، ولكن الأهم من ذلك هو بناء صورة وهمية للنبي، تجعل منه زعيما وتبعده عن حقيقته الفعلية وعن مهمته الروحية والأخلاقية، دون تجريده من بقية الأبعاد.؛ لأنه بمثل هذا الاختزال يزداد بعد المؤمنين عنه وتعميق الجهل به وبجوهر رسالته.

تتداعى هذه الأفكار عندما يتأمل المرء حوله؛ وهو يجلس بين قومه للاحتفال بذكرى المولد النبوي، ليتساءل، بعد أن ينفض الجمع ويعود كل فرد إلى حاله وسياقاته ورغباته وأحلامه الصغيرة: هل تم الاحتفال حقا بتلك الشخصية العظيمة التي غيرت حركة التاريخ وقلبت العالم رأسا على عقب؟ وهل هؤلاء الذي احتفلوا بذكرى مولده يعرفونه حقا؟ أم أنه بالنسبة لهم ليس سوى خيالا عابرا، لكل منهم صورة عنه مخالفة، وأحيانا متناقضة، مع بقية الصور الرائجة في المخيال الجماعي لهذه الأمة المضطربة؛ التي لم تنجح إلى حد الآن في التعامل مع واقعها أو في نقد تراثها الديني والثقافي. هناك الكثير من المخلصين في حبهم لنبيهم، لكن ينقصهم الوعي والمعرفة به، بعد أن حال بينهم وبينه ركام من الأوهام والمغالطات، ولهذا السبب افتقدوه في أيام المحن والتخلف الفكري والعلمي والسياسي والعسكري.