كتاب عربي 21

سُنة لبنان لا يريدون الحرب

1300x600

ثارت عاصفة، لم تهدأ بعد، ضد تصريحات رئيس الحكومة اللبنانية "المستقيل، المتريث بالاستقالة"، سعد الحريري، التي أدلى بها لصحيفة باري ماتش الفرنسية، وتحدث فيها عن وجهَين لحزب الله، الأول داخلي لبناني مُسالم لا يستعمل السلاح، والثاني مقاتل في الخارج تسبّب بمشكلة للبنان.

واضطر الحريري للرد على موجة الانتقادات، ومعظمها صدر عن حلفائه السابقين الذين يدورون في فلك حزب القوات اللبنانية، فأكد عبر تويتر أن علاقته الراهنة مع حزب الله تقوم على ربط نزاع حدث في الماضي، من أجل حماية الاستقرار في لبنان، في مقابل آخرين يعملون للفتنة، لم يسمِهم.. لكن كثيرين فهموا أنه يقصد القيادات المتشددة في فريق 14 آذار السابق.

من حق سعد الحريري أن يقيم هدنة مع حزب الله؛ تمهد لتفاهم دائم على عناوين أساسية من شأنها تجنيب البلاد ممر الفِيَلة العابر في المنطقة، حتى وإن كان يصدّق نتائج تحقيقات المحكمة الدولية التي اتهمت أعضاء من حزب الله باغتيال والده، الرئيس رفيق الحريري. وهذا لا يشكل تبرئة للحزب من تحوله من مقاومة عربية إسلامية شريفة؛ إلى مليشيا شيعية ملتزمة بالخط الإيراني الذي توجِب مبايعتُه ارتكاب أعمال "مُنافية للأخوّة" في أكثر من بلد عربي، بحجة الدفاع عن محور المقاومة والممانعة.

 

الناظر إلى أوضاع السُنة في الإقليم؛ يجد أنهم الأضعف رغم سوادهم الديمغرافي، بل هم الهدف في موجات القتل والتنكيل والتهجير وفق خطة

 

الناظر إلى أوضاع السُنة في الإقليم؛ يجد أنهم الأضعف رغم سوادهم الديمغرافي، بل هم الهدف في موجات القتل والتنكيل والتهجير وفق خطة بدأت بحروب الخليج الأولى والثانية والثالثة، ولا يبدو أنها ستنتهي بالرابعة التي يراهن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أنها لن تُبقي مكلفاً أمريكياً بدون عمل.

في الحروب الجديدة، عندما شارف الجيش السوري على الانكسار في دمشق أمام فصائل المعارضة المسلحة والتنظيمات المتشددة، تدخلت روسيا على عجل، وغيّرت مقاتلاتُها المعادلة؛ التي قال وزير الخارجية سيرغي لافروف إنها أوقفت سقوط القصر الرئاسي قبل أسبوعين من الانهيار.

وعندما عجزت المليشيات الحليفة لإيران عن تقديم الدعم الكافي للجيش السوري في حلب، كانت الطبخة قد استوت بين موسكو وأنقرة، فتولّى مطار حمَيميم الروسي في ريف اللاذقية تطبيق نسخة أخرى من لعبته الجوية الكلاسيكية التي تقوم على سياسة الأرض المحروقة، فأنهى وجود المعارضة وغيرها.

وعندما عجز الجيش العراقي ومليشيات الحشد الشعبي عن دخول الموصل، تدخلت المقاتلات الأمريكية وحليفاتها الجوية الغربية والعربية؛ فأنهت وجود "داعش"، وهو وجود لم يعرف أحد أصلاً كيف بدأ حتى يعرف كيف انتهى. كذلك شكلت ليبيا أيضاً مسرحاً لعمليات عسكرية أمريكية وفرنسية وبريطانية وإيطالية خاطفة، من أجل ملاحقة الإرهابيين و"المتمردين". لكن ليس لصالح قوى سياسية محلية واعدة، بل ربما لصالح الفراغ المقبل.

إلا في اليمن، تبدو سماؤها محرمة على الطيران الأمريكي والغربي عموماً، مع أن فيها رئيساً شرعياً باعتراف الأمم المتحد يقاتل متمردين وفق التصنيف القانوني، بمساعدة دول داعمة فشلت في إنهاء حالة التمرد، تماماً كما فشلت إيران في سوريا والعراق، ما استوجب دعماً وحسماً عسكرياً روسياً هنا وأمريكياً هناك. فلماذا لا تساعد القوات الجوية الأجنبية السعودية على إخماد انقلاب الحوثيين؟

أسئلة لا تلقى أجوبة مقنعة، بل تترك انطباعاً بأن العالم يعيش عصر استباحة أهل السُنة، من ميانمار إلى العراق وما بينهما، عبر تحالفات تبدو الجماعات التكفيرية في المحصلة جزءاً أساسياً من لُعبتها. ويبدو أن سُنة لبنان التقطوا الرسالة من مشاهد الدمار من حولهم. فالحواضر السُنية دون غيرها تسقط بنفس المعزوفة "البايخة": استبداد فإرهاب فإجرام فقصف وتهجير مدنيين.

في سوريا يترحمون على أمن ما قبل الثورة، وفي مصر يحنون إلى استقرار حكم حسني مبارك، وفي العراق يذكرون زمن صدام حسين بالخير، حتى في ليبيا يفضل كثيرون عودة الزمن إلى الوراء. هذا هو الواقع الذي فهمه سُنة لبنان. وهذا لا يعني أنهم سيقبلون بالذل، بل بتسوية مبكرة تحول دون تسوية حواضرهم بالأرض، وتضع أبناءهم في قوارب الموت، وفق المخطط الاستعماري الدولي الجديد الذي يستفيد من التنوع الطائفي والعرقي لإحداث التغيير الديمغرافي في المنطقة، بمساعدة أطراف إقليمية.

من يريد أن يقاتل حزب الله عليه أن يقاتله بنفسه وليس بنفوس اللبنانيين، وجُل القوة القتالية للحزب غارقة في الرمال السورية، ومواجهتها، هناك حيث لا تتمتع بحاضنة شعبية، أسهل من مواجهتها في لبنان. أما بالنسبة للقوى المسيحية الرافضة لتراجع الحريري عن نزاعه مع الحزب، فبإمكانها مواصلة نضالها السياسي، علماً أن معظم المسيحيين عبّروا في أكثر من انتخابات نيابية؛ عن انحياز أغلبية منهم إلى الأحزاب المؤمنة بحلف الأقليات في المنطقة، كالتيار الوطني الحر وتيار المردة واللقاء الأرثوذكسي وآخرين.

 

إن سلوك سعد الحريري الدربَ الذي خطه منافسه السني، نجيب ميقاتي، بتبنيه شعار النأي بالنفس عن أزمات المنطقة، يجعل الواجهة السياسية والنيابية السنية في لبنان خارج مشروع الحرب المذهبية

إن سلوك سعد الحريري الدربَ الذي خطه منافسه السني، نجيب ميقاتي، بتبنيه شعار النأي بالنفس عن أزمات المنطقة، وهو موقف ينطبق عملياً على كثير من الشخصيات السنية، يجعل الواجهة السياسية والنيابية السنية في لبنان خارج مشروع الحرب المذهبية التي بدأت في العراق ولا أحد يعلم أين ومتى ستنتهي. لكن هذا لا يعني عدم توجّه كثيرين من أبناء الطائفة للالتفاف حول قيادات سنية ومسيحية تحاول التعبير عن حالة مقاومة للمد الإيراني، إنما بدون غطاء سياسي وروحي داخلي.

قد يكون ما دفع الحريري إلى هذه الانعطافة الكبيرة، باتجاه حزب الله، مصالحه الشخصية بعد انهيار "مملكة أوجيه"، شركته العملاقة في السعودية، إلا أن تطابق مصلحته مع مصلحة الطائفة يجب أن لا يرفضه سنة لبنان الذين يرفضون الحرب.