كتاب عربي 21

منعرج حاسم في السعودية

1300x600
تشهد السعودية هذه الأيام موجة عاتية من التغيرات والتحولات التي تكشف بجلاء لا يداخله الشك أن البلاد تدشّن منعرجا جديدا في تاريخها الحديث.

ليس قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة إلا آخر القرارات التي تعلن عنها الدولة والتي تمثل في الحقيقة مقدمة لقرارات أخرى بنفس الحجم لن يطول انتظارها. هذه التحولات العميقة في الدولة والمجتمع تؤشر أيضا على خيارات لا تنفصل عن بقية الأزمات التي تعاني منها المنطقة وعلى رأسها تداعيات الثورات العربية بما فيها الحصار المضروب على دولة قطر منذ أكثر من مائة يوم. بمعنى أنه لا يمكن تحليليا فصل ما يجري داخل السعودية بما في ذلك السماح للمرأة بقيادة السيارة عن مجمل التداعيات التي تعرفها المنطقة وإقليمها المجاور.

التحولات السعودية موجة عالية وهي تحمل جملة من الخصائص الداخلية والخارجية التي تسمح بتحديد معالمها الكبرى وتحديد أسبابها وضبط جزء من الأهداف التي ترمي إليها ومن أهم هذه الخصائص: 

أولى خصائص التحولات السعودية أنها تحولات علويّة لا قاعدية أو وسطية، بمعنى أنها تصدر عن أعلى سلطة في الدولة في إطار مراسيم ملكية. فالقرارات التي تعرفها المملكة هي قرارات سياسية بامتياز إضافة إلى كونها تصدر عن جهة واحدة هي الجهة الماسكة بأدوات التنفيذ السياسي، وليست بقية الواجهات الأخرى إلا وسائل لإصباغ المسحة الشرعية على القرار السياسي بما في ذلك المباركة الصادرة عن المؤسسة الدينية والتي سريعا ما تعقب القرار السياسي لتضفي عليه شرعية وقداسة وحكمة.

بناء عليه فلا يمكن اعتبار التحولات الأخيرة والقرارات المصاحبة لها قرارات اجتماعية ناتجة عن حراك جماهيري أو سياسية تشاركية ساهمت في صياغاتها قوى المعارضة أو قوى المجتمع المدني أو تم عرضها على الاستفتاء الشعبي بل هي علوية مسقطة ومفروضة بقوة السلطة الحاكمة.

الخاصية الثانية لهذه التحولات هي أنها تعمل في اتجاهين متناقضين: ففي اتجاه أول تتميز القرارات السياسية بالانفتاح والتحرر مثل قيادة المرأة للسيارة وإنشاء لجنة الترفيه والسماح بإقامة الحفلات الوطنية في الفضاءات العامة وغيرها من القرارات الأخرى. لكن من جهة أخرى تصدر قرارات تعسفية وعدوانية صادمة مثل حملة الاعتقالات التي طالت مجموعة معينة من الشيوخ أو ذاك القرار الصادر بإعلان الحصار على دولة جارة مسلمة في الشهر الحرام وهي دولة قطر، يضاف إلى ذلك قمع كبير للحريات وصل إلى حدود المعاقبة على الصمت ومنع التعاطف مع قضايا المسلمين وضرورة الجهر بالعداء لكل من يعاديه النظام مهما كان موقعه. 

الخاصية الثالثة لهذه التحولات هو أنها تتناسب زمنيا مع انعطافة كبيرة للمواقف الدولية للمملكة، والتي تعبر عنها كثير من القرارات والتحركات. فالتقارب بين المملكة والكيان الصهيوني التي عبرت عنها الزيارات المتعاقبة لمسؤولين كبار للدولة تدل على تحول كبير في الموقف السعودي من القضية الفلسطينية خاصة مع تصريحات وزير الخارجية الأخير بعاصمة فلسطين التي تقتصر على القدس الشرقية.

التقارب السعودي الإيراني لا يخفى هو الآخر على عين الملاحظ حيث استقبلت السعودية خلال موسم الحج الماضي قيادات عراقية محسوبة على إيران كما صرح أكثر من مسؤول عراقي بطلب السعودية الوساطة مع طهران. 

مواقف المملكة الخارجية تتنزل كذلك ضمن الصبغة الجديدة لتحالفها الكلاسيكي مع الولايات المتحدة وهي صبغة اتسمت بسطوة منطق الابتزاز على القرار الأمريكي. فقانون "جاستا" المسلط على رقبة الدولة والتلميح بمعاقبة السعودية على عمليات إرهابية لا علاقة للنظام بها هي أبرز عناوين هذا الابتزاز. 

بهذه الخاصيات الأساسية الثلاثة تدشن الدولة العربية السنية المركزية حقبة جديدة في تاريخها المعاصر بعد تغيير كبير في هرم السلطة. لكن قراءة الخصائص الفارقة لهذه القرارات لا تخفي مدى قوة التأثير الخارجي سواء إقليميا أو دوليا على صاحب القرار.

فالبحث عن تجميل صورة المملكة في الخارج وخاصة لدى الغرب الأوروبي والأمريكي أساسا هي واحدة من أهم الأسباب التي تقف وراء هذه القرارات لأنها قد تسمح بدفع تهمة الإرهاب عن المملكة. كما أن المشاريع الكبيرة المتعلقة بمراجعة المناهج الدراسية وخاصة ما تعلق منها بالمواد الدينية والتربوية بما يتلاءم مع المطالب الغربية تمثل هي الأخرى شاهدا على الدور الخارجي في التحول السعودي. 

قد تكون الخيارات السعودية الأخيرة تحولات سياقية فرضتها ضغوط داخلية وخارجية وهي في نهاية الأمر تأقلم مع سياق عالمي ودولي بما تمليه ضرورات المرحلة. وقد تكون كذلك اجتهادات للنظام من أجل انتزاع فتيل أزمات مستقبلية قد تهدد الدولة والمجتمع وهي بذلك إجراءات استباقية ووقائية فرضتها مجموعة من الشروط والداوعي المحلية والإقليمية والدولية.

لكن لماذا حدثت هذه التحولات التي تصطبغ بصبغة التنازلات في هذا الظرف المختوم بانتصار كبير للثورات المضادة في المنطقة العربية على حساب موجات الربيع العربي؟

لماذا اتسم القرار السعودي بالعداء الكبير لكل مخالف في الرأي والتوجه سواء أكان جماعة مثل الإخوان المسلمين أو فردا مثل الداعية سلمان العودة أو دولة مثل دولة قطر؟ لماذا تهرول السعودية بهذه السرعة نحو العم سام الذي لا يخفي رغبة دامية في استنزاف المملكة حتى الرمق الأخير؟ لماذا ترفض السعودية أن تتحول إلى قطب قوي سياسيا وصناعيا وعربيا وإسلاميا لا عبر التحالفات الواهية بل عبر بعث إرادة حقيقية تحقق السلم الإقليمي وتفرض الاحترام الدولي الذي لا يعترف بغير القوي المهيب؟ لماذا اختارت المملكة الارتماء في الحضن الليبرالي المعادي لهوية الأمة والانقياد لمخطط الاماراتي الذي دفع المليارات من أجل اجهاض حلم الشعوب في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؟

إذا كان من الصعب الإجابة عن هذه الأسئلة اليوم، فإن قادم الأيام القريبة سيجيب عنها ليكشف عن طبيعة التحولات التي تشهدها المملكة والمنطقة ككل وأثرها على شعوب دول الخليج خاصة والدول العربية المسلمة عامة.

هذا الأثر مهما كانت طبيعته فإنه سيمثل مرحلة جديدة في وعي الشعوب العربية ستكون حاسمة في إعادة صياغة بنائها الحضاري بشكل يكون فيه الإنسان محددا لمصيره وفاعلا حضاريا لا مفعولا به.