قضايا وآراء

قراءة في الموقف الإسرائيلي من الاحتلال الإيراني لسورية

1300x600
كتب رئيس وكالة الفضاء الإسرائيلية الجنرال (المتقاعد) يتسحاك بن يسرائيل الحائز على جائزة إسرائيل للأمن، أنه استخلص بعد قراءته جيدًا أنّ الاتفاق يضمن لإسرائيل سنين عديدة من الهدوء النووي، ويزيل أحد أكبر التهديدات التي تستهدفها، إذ أنّ التهديد النووي الإيراني لم يعد قائماً. وأكّد بن يسرائيل أنّ الرئيس أوباما محق في قوله إنّ الاتفاق يعزّز أمن إسرائيل من هذه الجهة، لكنه أضاف أنّ الأخطار والتحديات التي تواجهها إسرائيل من هذا الاتفاق لا تكمن في إمكانية امتلاك إيران السلاح النووي، وإنما في قدرات إيران غير النووية والتي ستتعزز كثيراً بعد هذا الاتفاق. أما عامي أيلون الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العامة الإسرائيلية (الشاباك)، والذي كان قبل ذلك رئيسًا لسلاح البحرية الإسرائيلية، فقد أكد في تصريح له أنّ هذا الاتفاق هو الخيار الأفضل من أي بديل آخر، وأشار إلى أنّ وزراء أمن سابقين ورؤساء سابقين لأجهزة الأمن الإسرائيلي يشاطرونه هذا الرأي.

بدوره صرّح عوزي عيلام الذي شغل منصب رئيس لجنة الطاقة النووية الإسرائيلية في السنوات 1976 – 1985، وشغل بعد ذلك عدة مناصب أمنية مهمة، في مقابلة مع راديو إسرائيل، أنّ الاتفاق النووي جيّد لأنه يحكم إغلاق جميع الطرق أمام إيران للوصول إلى السلاح النووي. وبدوره انتقد أفنير كوهين، وهو أحد أهم الباحثين الإسرائيليين المختصين في السلاح النووي، موقف الحكومة وقادة الأحزاب السياسية الإسرائيلية بشأن الاتفاق النووي، ووصف موقفها بالسخف وبمحاولة لعب دور الضحية. ورأى كوهين أنّ الاتفاق يمثّل حلًا وسطًا معقولًا وواقعيًا، وهو وإن كان يمنح إيران شرعية لمكانة نووية خاصة، تختلف عن مكانة الدول غير النووية الموقعة لاتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، إلّا أنّ إيران، وبخلاف ما يدعيه الكثير من الإسرائيليين، يضيف كوهين، لن تكون دولة حافة نووية بالمعنى العلمي للكلمة قبل مرور عقدين.

الفقرة السابقة جزء من دراسة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حول الموقف الإسرائيلي من الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني، وهي تظهر حجم التناقض بين السخف السياسي للطبقة السياسية الصهيونية بكاملها، ومحاولة لعب دور الضحية والموقف الأمني المهني المؤيد والداعم للاتفاق.

أمر مماثل ولو بالإطار العام يمكن أن نجده في التعاطي الإسرائيلي مع الاحتلال - ليس الوجود - الإيراني لسوريا بما في ذلك الاتفاق الأمريكي الروسي حول منطقة خفض التصعيد، أو المنطقة الآمنة جنوب البلاد.

فيما يخص هذا الاتفاق فقد خاضت إسرائيل جولات حوارات ثنائية ومتعددة مع واشنطن موسكو وعمان، وأخذ الاتفاق بعين الاعتبار المصالح الأمنية الإسرائيلية والأمن القومي للدولة العبرية، ولحظ إبعاد الحشود الشعبية  الطائفية  على اختلاف مسمياتها وخلفياتها العرقية 40 كم عن الحدود السورية الفلسطينية، وللمفارقة فإن هذه هي نفس المسافة التي حددها مجلس الوزراء الإسرائيلي كهدف لغزو لبنان في حزيران/ يونيو 1982. 

الصخب الإسرائيلي السياسي والإعلامي ضد الاتفاق في جنوب سورية مماثل لما تم مع الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني، الذي تم إعطائه الإطار الدولي اللازم، فيما بعد والقيادة الإسرائيلية تسعى دائماً إلى لعب دور الضحية، تماماً مثلما قال الباحث أفنير كوهين. كما الى لفت الانتباه عن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وتكريس فكرة أن جذر عدم الاستقرار لا يأتي من هذا الاحتلال، وأنه غير مسؤول عن جرائم الأسد والحشود الشعبية الطائفية في سورية والعراق واليمن، وهذا صحيح شكلاً فقط كون الجرائم الإيرانية والأسدية على بشاعتها لا تخفى حقيقة مظلومية الشعب الفلسطيني، وعدالة قضيته، ولا تبرر بأي حال من الأحوال الممارسات الإسرائيلية ضد أو رفض إعطائه حقوقه المشروعة.

نفس القصة تكررت في الفترة الماضية مع الاحتلال - تسميه تل أبيب وجود -  الإيراني لسورية، وعن سبق إصرار، طبعاً. فإسرائيل الدولة المحتلة لفلسطين لا تريد استخدام المصطلح – الاحتلال - كي لا يتم تذكر أو طرح ما تفعله في فلسطين، ولأنها تعرف كذلك أن الاحتلال الإيراني يندرج تحت مظلة الاحتلال الروسي الذي لا تمانعه تل أبيب كونها استعدت دوماً للتعاطي الإيجابي معه بما ينسجم مع مصالحها الأمنية الحيوية.

في الجوهر وخارج السياق الدعائي تعرف تل أبيب أن الاحتلال الإيراني لسورية تم على أنقاض المدن والحواضر السورية الكبرى، بل الدولة نفسها وأن طهران كما النظام نفسه أسرى الإدارة الروسية، التي تصر على حفظ مصالح إسرائيل وأمنها، وهي تتفهم احتياجاتها حتى في أقصاها عنجهية غطرسة وفوقية وحسب إحصائيات إسرائيلية رسمية-الجنرال أمير ايشل قائد سلاح الجو السابق 16 آب/ أغسطس- فقد شنت تل أبيب 100 غارة جوية ضد قوافل سلاح للحشد الشعبي اللبناني خلال الخمس سنوات  الأخيرة، بما في ذلك السنتين الأخيرتين أي تحت سمع وبصر الاحتلال الروسي، وهي شنت الغارة الأخيرة في مصياف منذ أيام على بعد كيلومترات قليلة من القاعدة العسكرية الروسية وأمام عيون ورادارات منظومة أس أس 400، وأكثر من ذلك فإن موسكو طلبت –يديعوت احرونوت الثلاثاء 12 سبتمبر- من النظام وايران والحشد الشعبي اللبناني عدم الرد، هذا إذا افترضنا أنهم فكروا في ذلك أصلاً.

وبالعودة للاحتلال الإيراني فإن تل أبيب لا تخشى منه فعلاً، وهي رفعت سقفها حتى تجعل العالم بقوتيه العظميين في هاجس نيل رضاها، أو أخذ احتياجاتها بعين الاعتبار. وبدا بعد الغارة و ما نقله نتن ياهو لبوتين في لقائهم الأخير في سوتشي نهاية الشهر الماضي أن تل أبيب ترغب في فرض قواعد لعب جديدة، وطبعاً فرض نفسها كلاعب رئيسي. في الساحة السورية، ولا مانع لديها من الاحتلال الإيراني، لكن ضمن خطوطها ومحدداتها المتضمنة رفض إقامة قواعد أو مصانع وموانئ عسكرية، وإرسال مزيد من  قوافل السلاح  للحشد الشعبي اللبناني وإلا ستكون كل هذه وتلك معرضة للقصف والتدمير بموافقة روسية مع عدم امتلاك إمكانية الرد أو حتى التفكير به.

تل أبيب تعرف كذلك أن الاحتلال الإيراني يأتي برغبة وموافقة من واشنطن وموسكو، وهو تم مع واشنطن حتى زمن الرئيس السابق أوباما، وضمن الخطوط الحمر الثلاثة الملحقة أو المؤسسة للاتفاق النووي لا تهديد لأمن إسرائيل؛ لا تغيير للحدود؛ لا تهديد لحرية الملاحة. أما مع موسكو فثمة إقرار علنى مماثل بالحفاظ على مصالح تل أبيب الأمنية الحيوية وتفهم أفعالها وكيفية دفاعها عن تلك المصالح. 

ضمن المناورة الإعلامية الإسرائيلية السياسية والإعلامية جاء حديث وزيرة القضاء إيلي شاكيد -الاثنين 11 سبتمبر- عن القبول ببقاء النظام أو بقايا النظام بالأحرى، ولكن مع إخراج إيران وميليشياتها من سورية، وهذا أيضاً أمر دعائي ويأتي في سياق رفع السقف، وفرض قواعد اللعبة الجديدة المتمثلة ببقاء الحشود الشعبية الطائفية بعيدا عن الحدود، ودون قواعد أو موانئ ومصانع أسلحة مع الإشارة إلى مسألة بقاء النظام باعتبارها قضية مركزية لإيران ومليشياتها وحشودها الطائفية ما يقتضى منهم عدم التحرش بإسرائيل أو التفكير بالدخول في أي مواجهة معها خشية المجازفة بسقوطه وانهياره .

في السياق نفسه كان لافتا تصريح الجنرال هآرتس هليفي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية -يقال أنه سيكون رئيس أركان وربما رئيس وزراء ايضاً- عن أن ايران وحلفائها يشكلون خطراً لا يصل إلى حد التهديد الوجودي على الدولة العبرية وأعتقد ان مصطلح خطر هنا نسيى ودعائي ويشبه ما يقال عن الاسلحة المتواضعة لدى المقاومة الفلسطينية في غزة المدمرة والمنهارة، والتي تصورها الآلة السياسية والإعلامية الإسرائيلية وكأنها تمثل تهديدا أو خطرا جديا على جيش الاحتلال المدجج بترسانة هائلة من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية .

عموما في الأخير وباختصار تعايشت إسرائيل لسنوات مع الاحتلال الإيراني للبنان بعدما سيطر الحشد الشعبي اللبناني -حزب الله سابقا- على الدولة وقرارها السياسي والأمني، وهي نفسها السنوات الأكثر هدوءًا في تاريخ الجبهة الشمالية أقله في نصف القرن الأخير، وهي ستتعايش مع الاحتلال الإيراني الذي دمر سورية وشرد أهلها وناسها، كونها تعي أن هذا التواجد يندرج في سياق القواعد والمحددات الأمريكية والروسية التي تعتبر أمن الدولة العبرية من الثوابت والمرتكزات الأساسية غير المسموح بتجاوزها أو التذاكي والتحايل تجاهها، أما الصخب والصراخ الإسرائيلي الحالي تجاه الأمر فيعيدنا إلى جوهر الموقف من الاتفاق النووي الإيراني حيث السخف ولعب دور الضحية تماماً مثلما قال الباحث النووي أفنير كوهين.