صحافة دولية

نيويورك تايمز: كيف ظهرت قوات العمليات الأمريكية الخاصة؟

نيويورك تايمز: عملية عنتيبي ومحاولة إنقاذ الرهائن في طهران وراء ظهور قوات العمليات الخاصة- أرشيفية
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا للصحافي المخضرم كلايد هابرمان، يتحدث فيه عن كيفية ظهور قوات العمليات الأمريكية الخاصة، وكيف أصبحت هذه القوات جزءا رئيسيا من الحرب على الإرهاب.
 
ويقول هابرمان: "عندما يتعلق الأمر بكل سياسة وضعها باراك أوباما، فإن الرئيس دونالد ترامب أثبت أنه ماركسي ملتزم، وكما في فيلم غروتشو ماركس عام 1932 (ريش الحصان)، غنى ماركس (أي شيء كان فأنا ضده)، والأمر ذاته يقال عن ترامب، الذي جعل هدفه تفكيك إرث أوباما، برنامج واحد كل وقت". 

ويستدرك الكاتب قائلا إن "هناك استثناء وحيدا، فمثل سلفه فضل هذا الرئيس، بل دعم العمل العسكري، الذي يعتمد على قوات العمليات الخاصة، لكن المتشككين يرون أن هذه السياسة باقية، وعلى الرئيس ترامب إعادة النظر فيها، ومظهر قلقهم هي أن قوات النخبة هذه -من قوات الفقمة (نيفي سيلز) والقبعات الخضر (غرين بيريه) ورينجرز ودلتا فورس- تعمل فوق طاقتهاـ حيث يقوم 8 آلاف من هذه القوات بتنفيذ عمليات يومية تمتد على 80 دولة".

وينقل التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، عن المستشار السابق لوزارة الدفاع ويد إيشميتو، قوله حول العمليات الخاصة: "لقد توسعت القوات إلى حدها الأقصى"، ويضيف أن "العمليات الخاصة يجب ألا تكون حلا لكل معضلة نجد أنفسنا نواجهها حول العالم، بما في ذلك الإرهاب"، حيث تحدث إيشميتو إلى "ريتروريبورت"، وهي سلسلة من أفلام الفيديو تبحث عن قصص جديدة من الماضي، ولا تزال تشكل التطورات اليوم. 

وتشير الصحيفة إلى أنه بالنظر للوراء، فإن الفيلم يكشف عن تطورين مهمين؛ أحدهما قصة نجاح مثيرة، والآخر قصة فشل ذريع، كانتا وراء إنشاء قيادة قوات العمليات الخاصة، التي أصبحت مركزية لحملة الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب والمهام الأخرى.

ويكشف هابرمان عن أن قصة النجاح الأولى كانت مهاجمة الكوماندوز الإسرائيلي مطار عنتيبي في أوغندا، حيث اختطف مسلحون فلسطينيون متحالفون مع راديكاليين ألمان طائرة ركاب فرنسية، وقدم لهم الدعم حاكم يوغندا المتقلب عيدي أمين، وكان معظم الركاب عليها إسرائيليون، وهدد الخاطفون بقتلهم إلا في حال قامت إسرائيل ودول أخرى متحالفة معها بالإفراج عن سجناء فلسطينيين، وكانوا يواجهون مصير الموت، خاصة أن إسرائيل ترفض الاستجابة لمطالبهم، ولكون يوغندا بعيدة عن منال الجيش الإسرائيلي، لكن عملية مدهشة بدأت في 3 تموز/ يوليو 1973، قام فيها الكوماندوز الإسرائيلي بمهاجمة الطائرة وقتل الخاطفين وعدد من الجنود اليوغنديين، وجمعوا الرهائن، ونقلوهم إلى إسرائيل. 

ويلفت التقرير إلى أن العملية كانت ناجحة مع أنها أدت إلى مقتل أربع رهائن وقائد المجموعة الإسرائيلية العقيد يوناتان نتنياهو، الشقيق الأكبر لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو. 

وتورد الصحيفة نقلا عن الجنرال الإسرائيلي المتقاعد جوشوا شاني، الذي قاد الطائرة "سي-130 هيركليز"، التي حطت في مطار عنتيبي، قوله إن عصرا جديدا في مكافحة الإرهاب قد بدأ، حيث كان الكوماندوز الإسرائيلي جيدا لدرجة أن الولايات المتحدة أرادت تقليد المحاولة عام 1980، عندما حاولت تخليص الرهائن الأمريكيين الذين احتجزوا في السفارة الأمريكية في طهران، مشيرة إلى أن 52 مواطنا ودبلوماسيا أمريكيا احتجزوا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ولمدة خمسة أشهر. 

ويبين الكاتب أن عملية الإنقاذ، التي أطلق عليها "مخلب النسر"، لم تكن سهلة لـ"دلتا فورس"، التي كانت في بدايتها، حيث حدث كل شيء خطأ فيها، وتعطلت مروحيتان بسبب عاصفة رملية فوق إيران، وتحطمت ثالثة بشكل منفصل، واصطدمت أخرى  في طائرة أخرى، وقتل 8 جنود، وكانت كارثة بكل ما تعنيه الكلمة، واعتبرت مهينة لأمريكا، وظل الرهائن بعدها محتجزين لتسعة أشهر أخرى.

ويستدرك التقرير بأن الفشل قد يكون المعلم الأكبر، حيث كانت عملية مخلب النسر مكونة من جنود تلقوا تدريبا لسنوات، وتعلموا الانضباط، وجهزوا لمكافحة الإرهاب، لافتا إلى أن عدد هؤلاء تضاعف اليوم لعشرة أضعاف، حيث يقول إيشميتو، الذي كان مستشارا في ذلك الوقت، إن العدد اليوم ما بين 6 إلى 8 آلاف، وبالنسبة للنجاحات فإن عملية قتل زعيم تنظيم القاعدة في عرينه في أبوت أباد عام 2011 دليل واضح. 

وتذهب الصحيفة إلى أن "الرئيس أوباما، الذي كان يعرف تعب الأمريكيين من الحرب في العراق وأفغانستان، قام بسحب القوات التقليدية كلها، وحول القوات الخاصة إلى حصان نقل، ويوجد عناصرها اليوم في كل مكان من العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان، وأثرهم قد يكون قاتلا، لكنهم لا يتركون خلفهم سوى آثار خفيفة، وبكلفة أقل".

ويعلق هابرمان قائلا إن "هذه القوة لا تجذب ترامب، الذي لا يؤمن بالقوة الناعمة أو الدبلوماسية لكسب الأصدقاء والتأثير في الدول، فميزانيته تحتوي على مليارات الدولار للدفاع، ومليارات أقل للخارجية أو وكالة التنمية الدولية، وفي نصف العام له في المنصب أرسل القوات الخاصة في خمس مهام قتالية لدول لا تعد ساحة قتال، وهي اليمن وباكستان والصومال". 

ويجد التقرير أن "الاعتماد على هذه القوات بشكل كبير له ثمنه، فمع أنها لا تشكل سوى 5% من القوات المسلحة، إلا أنها تكبدت نصف عدد القتلى منذ عام 2015، وبدت المخاطر واضحة بعد تولي ترامب بأيام المنصب، عندما قتل عنصر من قوات الفقمة في غارة على تنظيم القاعدة في اليمن، وقتل فيها مدنيون".

وتقول الصحيفة إنه "من السهل بناء رؤية رومانسية عن الكوماندوز، كما يفعل مخرجو الأفلام في هوليوود، لكن عناصرها ليسوا بشرا خارقين، وحتى القوات الإسرائيلية فقدت وهجهها في مرحلة ما بعد عنتيبي، حيث قادت عمليات مشوهة تركت عناصر يقتلون مع المدنيين في لبنان وغزة".

وينوه الكاتب إلى أن عددا من الخبراء العسكريين يخشون من إثقال القوات الخاصة بمهام كثيرة، فهي وإن كانت جيدة وقوية، إلا أن مراكمة المطالب عليها ستفقدها فاعليتها، حيث يقول الجنرال المتقاعد من القوات هاوارد راسل: "هؤلاء الرجال محاربون مدهشون، وهم أكثر من هذا، فهم أذكياء ومرنون وقادرون على التكيف، ولا يخافون"، ويضيف: "المشكلة هي أنه يطلب منهم القتال طوال الوقت". 

وتختم "نيويورك تايمز" تقريرها بالإشارة إلى قول راسل: "هؤلاء هم رصيد وطني، وفي أيامي كانت كلفة تدريب جندي من القوات الخاصة مليون دولار، واليوم تصل إلى خمسة ملايين دولار، ولا يمكن إضاعة هذا الرصيد، بل يستخدم بشكل مقتصد وعندما تحتاجه".