قضايا وآراء

العبث بالدين

1300x600
لم يكن الانقلاب على السلطة السياسية في مصر سوى حلقة من حلقات الانقلاب على الدين والملة هذا ما توصلت إليه بعد تحليل دقيق لمفردات الخطاب الإعلامي في الدول التي اندلعت فيها الثورات المضادة، سواء في مصر أو تونس أو في بعض الدول الممولة للانقلابات، مثل الإمارات والسعودية.
 
لا يخلو حديث عن الربيع العربي من حديث عن الدين وضرورة إصلاحه، كما لا يخلو هجوم على الربيع العربي من تهكم على السنة والخلفاء والتابعين ولا أعرف لماذا هذا الربط، أو لم أكن أعرف حتى وقت قريب. 

ومع مراجعة مبدئية، اكتشفت أن دول الثورة المضادة أدركت أن الربيع العربي مرتبط بالدين ارتباط الجنين بأمه عبر الحبل السري، بالتالي، فالمتوقع أن تكون الحرب على الاثنين لأنه ومن وجهة نظر مدبري الهجوم ومموليه ليس هناك فائدة من ضرب الربيع العربي، وترك الدين وهو المادة الخام الأساسية للثورة دون تغيير أو تغييب أو تبديل، كلها جميعا أو بعضها. 

منذ انقلاب تموز/ يوليو 2013 في مصر، والحرب على الدين متلازمة صعودا وهبوطا مع الحرب على الثورة والثوار، وعلى الإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان. 

هذه ملاحظة مهمة يمكن أن تسجلها بنفسك حين تقرأ صحف الانقلاب، أو تشاهد إحدى قنواته، فكما تم تجييش القادة العسكريين السابقين وجيوش المحللين السياسيين الفشلة ومليشيات التغريدات التابعة للسلطة، تم أيضا تجييش فرق وليس فريقا من المعممين أو الأزهريين الذين لم يتخلفوا لحظة عن التواجد عبر الوسائل المختلفة، ليلبسوا على الناس دينهم تحت شعار إصلاح الدين أو تجديد الخطاب الديني كما جاء على لسان قائد الانقلاب. 

وتم إطلاق أكابر المجرمين تحت مسمى الإعلاميين، وإطلاق أكابر المفتين عبر الشاشات، وباتت الشاشات الانقلابية مقسومة وقتا وجهدا بين مذيعين جهلة، وساسة خونة، وعلماء لا يجيدون سوى العبث بالدين، وتطويعه لخدمة الانقلاب.
 
ثم اتسع نطاق العبث بالدين ليشمل كل عابر سبيل يريد أن يثبت أنه فقيه في الدين، فرأينا فنانة تدعى إلهام شاهين تفتي في الدين، وراقصة اسمها سما المصري تدلي بدلوها في أصول الدين، ودخل على الخط ساسة ناشئون تركوا أحوال الناس وشؤونهم المعيشية ليفتوا في الدين بجرأة يحسدون عليها.
 
بات العبث بالدين أيضا منطقة تستهوي المسؤولين، بل كبار المسؤولين، فقاد السيسي حملة تجديد الخطاب الديني في مصر، وقاد محمد بن زايد حملة علمنة النظام السياسي في الخليج العربي، وقاد السبسي رئيس تونس حملة تجديد هو الآخر، ولم لا وتونس معروف عنها أنها متقدمة في مسألة الفتاوى الشاذة والغريبة منذ الحبيب بورقيبة. 

تجديد الخطاب الديني أمر مطلوب في كل وقت وحين، وله أدواته وله رجاله، وهذا ليس مطلوبا حرفيا، ولكن المطلوب فعليا هو العبث بالدين، وفتن الناس عن دينهم وتشكيكهم في ثوابت العقيدة وأصول الشريعة. 

أتعجب وأنا أتابع ما يجري في تونس من جدل حول فتوى السماح للمرأة المسلمة بالزواج من غير المسلم، وهل انتهت مشكلات تونس المتراكمة والمتراكبة لكي يكون زواج المسلمة من غير المسلم هو قضية الساعة وكل ساعة، وما علاقة السبسي بالموضوع، ولماذا يتحمس له ويتصدى له؟ 

أمور تثير الغثيان، ولكنها تفسر لي ما أشكل علي من قبل، وهو أن الانقلابات ناعمة كانت أم خشنة لم تأت لتزيل إرادة الشعب فقط، ولكنها جاءت لتحارب شريعة الرب وإرادته سبحانه وتعالى، وتستبدلها إن استطاعت بإرادة الغرب والمستغربين. 

في زمن المخلوع مبارك، أثيرت قضية حجاب المرأة، ولا أعرف ما علاقة حجاب المرأة بالتخلف والفساد وانهيار مقومات الدولة؟ 

لم أعرف ولا زلت لا أعرف هل فعلا لو خلعت نساء المسلمين الحجاب ولبسن الموضة سوف تتقدم مصر والدول العربية، وسنصبح مثلا دولا تتمتع بالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة؟
 
هل مثلا سنصعد إلى القمر ونمتلك إرادتنا ولا تتدخل الدول الغربية في شؤوننا وسنختار حكامنا بحرية؟
 
هل لو تزوجت المسلمة بغير المسلم سنحل مشكلة العزوبة مثلا؟ وهل ستتقدم تونس لتصبح فرنسا الثانية مثلا؟
 
هل سيتم سداد ديون تونس ويصبح لديها فائض من الاحتياطي الأجنبي يجعلها في حالة استقرار واستقلال؟
 
لماذا يصرون على العبث بالدين وطرح قضايا لا تهم الناس ولا تلمس احتياجاتهم اليومية؟ 

الإجابة هي أن هؤلاء الانقلابيين إنما جاؤوا لضرب الدين تحت غطاء تدمير الربيع العربي، وأثبتت الأيام أن الدين هو الهدف، وإلا فلماذا الحرب لا تزال مستمرة على الدين بعد أن استتب الأمر للثورة المضادة؟

لماذا يصر البعض على ضرب الدين في دولة معروف عنها أنها تتمسك بالشريعة أو تتبنى الشريعة كما يروج لها مثل السعودية؟ 

لماذا تقبل بتصريحات يوسف العتيبة سفير الإمارات في أمريكا، الذي يبشر الغرب بأن السعودية الجديدة ستكون علمانية؟
 
المعادلة المعروضة اليوم على الزعماء العرب كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم هي: 

الدين مقابل الحكم، أي أن بقاء الإسلام دينا يتحكم في حياة الناس ويؤثر على قراراتهم أمر لم يعد مقبولا، والمطلوب تفريغ الدين من محتواه، حتى نسمح لكم بالبقاء في الحكم، ولو على جثث شعوبكم.
 
أي: 

افعلوا ما شئتم بشعوبكم وبالدين أيضا، وإلا فليس لكم من ظهر ولا ظهير يحميكم، إن غضبت عليكم الشعوب.