قضايا وآراء

بداية النصر دخول الباب

1300x600
يقول أهل العلم إن الله لا يجمع بين مخافتين في قلب واحد "مخافته سبحانه، ومخافة الناس" فالذي يخاف الله وحده لا يخاف مطلقا أحدا سواه.

إن مخافة الله وحده يظهر أثرها في مواطن الخوف من الناس وهذا دليل على قوة الإيمان في مواطن الشدة، وقياسا على ذلك يتجلى لنا الفرق بين شعوب قوية الإيمان، متمسكة بالحق وأخرى ضعف إيمانها فتملكها الخوف من الآخرين فطغوا عليها وتجبروا.

يقول الله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) المائدة 23.

فالخوف من الله يكسر حالة الذل والهوان، التي استسلم لها كثير من الناس والشعوب، حتى تسلل في النفوس يقين بأنه لا خلاص من تسلط الطغاة والجبارين والأمم المستبدة.

إن الآية السابقة أراها تمثل القاعدة الأساس والركن الأهم في علم القلوب بل وعلم الحروب ومواجهة الطغيان والاستبداد (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون).

فالخوف من الله وحده يُنهي حالة الخوف من الطغاة والجبارين والمستبدين لينشأ محلها الاستهانة بهم والشجاعة وقتل أوهام المخاطر التي سكنت النفوس.

إن الطغاة والجبارين وقوى الاستبداد تنكسر قلوبهم ويشعرون بالهزيمة بقدر انكسار الخوف والذل في نفوس الشعوب والأمم؛ فكسر الحواجز النفسية والثورة على تلك النفس الخانعة والراضية بالذل والهوان هو السبيل للخلاص من كل طغيان وتجبر واستبداد.

لقد بينت الآية حالة الضعف والهوان التي تعتري نفوس الذين رضوا الذل في قولهم كما ذكر تعالى (إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون) المائدة 22.

ويقول الله تعالى في الآية 24 من سورة المائدة (إنَّا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا هاهنا قاعدون).

إن الطغاة ونظم الحكم المستبدة وقوى التجبر حريصون كل الحرص على خلق حواجز الخوف والذل والهوان في نفوس الشعوب والأمم، لأن هزيمتهم تأتي من دخول باب كسر تلك الحواجز.

فعلى مستوى صراع الأمم نجد القوى الكبرى تعمل على تأصيل حواجز الخوف، والشعور بالنقص والدونية في نفوس شعوب دول أخرى وهذا أمر واقع في عالمنا العربي والإسلامي، وعمل  عليه الاحتلال القديم "المسمى بالاستعمار" بل إن الاحتلال الجديد وريث الاحتلال القديم كان أكثر إدراكا لأهمية وجود حواجز الخوف، وتعميقها، فعملت  تلك القوى الكبرى لعقود طويلة على دعم الاستبداد المحلي و الإقليمي والذي  يمثل وكيلا لها، وعملوا معا  بوسائل عدة لهزيمة  شعوب المنطقة والعالم الإسلامي معنويا وفكريا لتكريس الاحتلال المعنوي والفكري والذي يُعد أشدُ فتكا.

لقد كانت القوى الكبرى عبر أذرعها ووكلائها من النظم حريصة كذلك على استهداف أولئك الذين يدعون إلى كسر حواجز الخوف والانعتاق من قيود التبعية سواء كانوا أفرادا أم جماعات أو أحزاب أو نظم حكم، ووأد كل دعوة نحو هذا الباب في المهد.

لقد كانت ثورات الربيع العربي مثالا لمحاولةٍ نحو دخول الباب الذي أرادت بعض شعوب المنطقة بدخوله أن تكسر حاجز الخوف والهيمنة والذل والتبعية لكن سرعان ما تداركت قوى الاستبداد محليا وإقليميا ودوليا أن ولوج الباب يعني إيذانا بانفكاك الشعوب من القيود، وزوالا للكيان المحتل المزروع في المنطقة، لذلك كان العمل بقوة لإعادة بناء حواجز الخوف والانكسار أكبر مما كانت.

لم تكن دعوة الرجلين من الذين يخافون الله لقومهما بمواجهة الجبارين ولكن كانت دعوتهما بدخول الباب عليهم والاقتحام إلى عقر دارهم، والذي يمثل كسرا لحاجز الخوف وخلعًا لرداء الذل والجبن والهوان، وهذا هو السبيل للنصر على أعدائنا.

إن الانتصار على النفس وكسر حواجز الخوف لدي الشعوب باب النصر الذي يحرص الطغاة والجبارون ومن ورائهم قوى الاستبداد العالمي أن يظل مغلقا.

إن مثالا رائعا لدخول الباب وكسر حواجز الخوف يصنعه الآن أولئك المرابطون والصامدون في القدس وغزة وعموم فلسطين، وغيرهم، ويحفظون بأرواحهم ودمائهم ماء وجه هذه الأمة، والذي يريده آخرون أن يُراق، لتبقى الشعوب في قيود الذل والانكسار، ولكن هيهات هيهات فبداية النصر يمهد لها هؤلاء الذين يدخلون الباب، ويقتحمون ولا يخافون إلا الله.