قضايا وآراء

لماذا تكره جماعة "النمط المجتمعي التونسي" قطر؟

1300x600

تصدير : 
1-" طفح الكيل، وعلى قطر وقف دعم  جماعات مثل حماس والإخوان المسلمين".
عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي.
2- "مدار الصراع ومحوره هو المقابلة بين أشواقنا في أنسنة النظام السياسي العربي وبين رغبة فجة أو مخاتلة في تأبيد وتعميم توحّشه".
نور الدين الختروشي، سياسي ومثقف تونسي.
3- خط جديد رُسم في الرمال الشرق أوسطية. لم يعد (الوضع) إسرائيل ضد العرب، وإنما إسرائيل والعرب ضد الإرهاب الممول من قطر".
مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن.


 لنتركْ قليلا التصعيد السعودي-الإماراتي ضد قطر، ولننس قليلا الموقف المتوازن للخارجية التونسية من الأزمة الخليجية ومواقف بعض "المحميات" الخليجية خاصةً منها مصر، ولنعرض صفحا عن الابتهاج الإسرائيلي بالموقف السعودي-الإماراتي، ولنحاولْ التفكير في الفرضية التالية: هل كان موقف النخب "الحداثية" في تونس سيتغير لو كانت العقوبات الخليجية (أو حتى الدولية)  موجّهة ضد تركيا أو المغرب أو حركتي حماس والجهاد مثلا؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستساعدنا على فهم المحددات الحقيقية للموقف المعادي لقطر عند أغلب النخب العلمانية في تونس.

 بصرف النظر على عشرات الحجج السفسطائية التي تروّج لها وسائل الدعاية المرتبطة بنيويا ووظيفيا بالمنظومة الحاكمة قبل 14 جانفي 2011، من المؤكد أنّ جماعة "النمط المجتمعي التونسي" يكرهون قطر لسببين لا ثالث لهما ، وهما سببان يعكسان البنية العميقة للتفكير ويجعلان الأسباب المعلنة مجرد بدائل أو أسباب مشتقة لا تبلغ قيمة الأسباب الأصلية. ويمكننا أن نجزم -رغم كل التمويهات والتلبيسات- أنّ هذين السببين مرتبطان أساسا بالداخل التونسي وبعلاقات القوة التي انبثقت بعد انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبر من سنة 2011. 


 أمّا سائر الأسباب الأخرى فهي في حكم الأسباب المشتقة أو المساعدة على بناء النسق الحجاجي المعادي لقطر، ولا تعكس قناعات فكرية ولا حقائق موضوعية بقدر ما تعكس نوعا من الانفصام والازدواجية بحكم عجز نخب "النمط المجتمعي" عن تبرير الاصطفاف مع الامارات والسعودية إلا بالذهول عن تناقضاتها الذاتية: 
- السبب الأول هو موقف قطر من النظام التونسي قبل الثورة: يمكن أن نقول إن هذا السبب يحكم أغلب من انتمى إلى النظام السابق أو كان على هوامشه أو من ملحقاته الوظيفية (في المجتمع المدني والإعلام والثقافة وغيرها)، فهؤلاء يكرهون قطر أساسا من منطلق انتقامي لذواتهم التي عرفت الذل والرعب خلال الأيام الأولى للثورة، وهم لم يغفروا للجزيرة كل تلك الإحراجات التي سببتها للنظام قبل ذلك عندما فضحت الخطاب الرسمي للمخلوع ولأجهزته الدعائية في الداخل والخارج، ولم يغفروا لها خاصةً انفتاح منابرها على المعارضين لنظام بن علي من النهضويين، مما أبقى على قضيتهم و"مظلوميتهم" لدى شريحة كبيرة من التونسيين، وهو أمر سيكون له تأثير كبير في تحديد التوجهات الانتخابية العامة خلال أول انتخابات نزيهة عرفتها تونس (انتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر 2011).

- السبب الثاني هو موقف قطر من الإسلام السياسي (الإخواني تحديدا): وهو يحكم جماعة التناقض الرئيس والتناقص الثانوي (في اليسار الثقافي أو يسار النظام كما يسميه البعض)، وهؤلاء يكرهون قطر ليس لأنها ساهمت في التعجيل برحيل المخلوع، بل لأنها دعّمت الإسلام السياسي وخلخلت بنية الحقل السياسي في تونس. فبعد أن كان هذا الحقل زمن المخلوع يشتغل بمنطق نبذ الإسلاميين أصبح يشتغل بمنطق دمجهم، وبعد أن كان الحقل السياسي لا يشمل إلا العلمانيين أصبح يشمل النهضويين مما أدخل بعض التعديل في منطق توزيع السلطة والثروة بطريقة لا تخدم القوى "العلمانية".
 
 إنّ يسار النمط (خاصة في الجبهة الشعبية) لم يخف يوما كرهه لقطر. فهي بدعمها للنهضة وبوقوفها ضد العودة إلى مربع 13 جانفي 2011 النهضة (بل بوقوفها ضد النزعات الانقلابية)، قد فرضت على ذلك اليسار أن يقبل -على كُره منه- الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في ديمقراطية هشة ولكنها حقيقية، وهو ما يعني خسارة اليسار الثقافي لجزء غير بسيط من امتيازاته المادية والرمزية التي كانت مرتبطة بشبكات النفوذ أو بمنطق "القوة النوعية" أو "الجماعات الوظيفية" الموضوعة في خدمة النظام الاستبدادي (ولذلك كانت الجبهة الشعبية وورثة التجمع في النداء أوّل من ساند انقلاب السيسي وأوّل من هدّد صراحة أو ضمنا بتَونسة ذلك الانقلاب).

 بعيدا عن القصف الإعلامي المركز وسياسات التعمية والتلهية المهيمنة على المشهد الإعلامي التونسي، يمكن أن نقول إنّ  المحدد الأخير للمواقف المعادية  لقطر عند نخبة"النمط المجتمعي التونسي" هما سببان لا ثالث لهما: أولا موقف قطر من المنظومة القديمة قبل الثورة ومساهمة قناة الجزيرة بشكل كبير في التعجيل بإسقاط  نظام بن علي، ثانيا موقفها من الاسلام السياسي-الاخواني أساسا- بعد الثورة، وثبات قطر في موقفها الداعم للانتقال الديمقراطي -بمشاركة الإسلاميين لا بإقصائهم-  حتى بعد نجاح الموجات الثورية المضادة في مصر وليبيا. 

 أما باقي الأسباب التي تحضر في السجال العام الموجه ضد قطر (وضد حلفائها في تونس) من مثل رعاية قطر للارهاب، كونها إمارة رجعبة ووهاببة، علاقتها بإسرائيل، تدخلها في الشأن التونسي الداخلي، تمويلها لجمعيات مشبوهة، دعمها للمعارضة المسلحة في سوريا، وجود أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الخليج بقطر، انعدام الديمقراطية فيها الخ الخ... أما كل هذه الأسباب فإنّه لا يمكن أخذها مأخذ الجد لسبب بسيط وهي أنها لا تصلح معيارا للفرز بين السعودية والإمارات من جهة وبين قطر من جهة ثانية. 

فلو كان لهذه الأسباب أي تأثير حقيقي في موقف سدنة "النمط المجتمعي التونسي"، لكان عداؤهم للمحور السعودي-الإماراتي أكبر من عدائهم لقطر (فالسعودية هي حاضنة الوهابية والممول الأساسي للإرهاب التكفيري تبعا لعدة شهادات دولية متطابقة، وهي أكثر الأنظمة الاجتماعية اعتداء على حقوق الإنسان الأساسية، خاصة حقوق المرأة). إنّ هذا الواقع  يجعلنا نذهب مطمئنين إلى أنّ استعمال تلك الحجج المشتقة  ضد قطر "فقط" واستثناء السعودية والامارات منها هو في الحد الأدنى من أعراض انفصام الشخصية وازدواجية المعايير والنفاق السياسي...ويمكن أن  يكون-في الحد الأقصى- من "بركات البترودولار" أو من إملاءات "الأصدقاء" الصهاينة الناطقين بالعبرية وإلا بالعربية، أولئك الأصدقاء الذين تلتقي مصالحهم مع مصالح نخبة "النمط المجتمعي التونسي" في إقصاء الإسلام السياسي الإخواني تحديدا.

 لو أردنا استعمال مصطلحات نفسية تساعدنا على فهم أفضل لنخبة النمط المجتمعي، لقلنا إنّ قطر لا تُمثل عند النخبة العلمانية التونسية إلا "الموضوع المتاح" لا "الموضوع المقصود". فالموضوع المقصود من كل هذه العدائية ليس هو دولة قطر بل هو حركة النهضة وحلفاؤها من القوى العلمانية التي تحالفت معها بعد انتخابات التأسيسي أو دافعت عنها ضد نوزاع الاستئصال(خاصة بعد الانقلاب المصري وموجاته الارتدادية). 

 هنا،- أي عند مستوى الموقف العدائي من الإسلام السياسي الإخواني- يجب أن نبحث عمّا يُفسر الالتقاء الموضوعي بين طرفين يبدو من الغريب التقاؤهما: المحور "الرجعي"  مُمثلا في التحالف الإماراتي السعودي المعادي للثورات العربية والرافض لانبثاق انتظام سياسي جديد يقوم على ديمقراطية حقيقية وعلى المبادئ الكونية لحقوق الانسان ، والمحور" التقدمي" و"الديمقراطي" التونسي الذي يقوم خطابه السياسي-صوريا- على كل ما يناقض الواقع/الخطاب السعودي-الإماراتي، ولكنه واقعيا يلتقي مع سدنة الثورات المضادة على أكثر من واجهة لعل آخرها واجهة العداء لدولة قطر.

 لا شك في أنّ الحملة على قطر تخدم "العائلة الديمقراطية" في تونس وذلك  بإضعاف حركة النهضة وجعلها أكثر قابلية للابتزاز (سواء داخل التحالف الحاكم أو خارجه)،كما أن تلك الحملة تخدم الدولة العميقة لأنها تجعلها أكثر قدرة على الانقلاب على الانتقال الديمقراطي وتعميق الصراع الثقافوي الهووي وإبعاده عن كل المدارات التي قد تمس من مصالحها وامتيازاتها المادية والرمزية.  

 ولا يخفى أنّ إضعاف قطر وشيطنتها  يؤدي للمحور المقابل(خاصة السعودية) وظائف حيوية كبيرة. فاتهام  قطر بالإرهاب يساعد أولا في التخفيف من ضغط "قانون جاستا" الأمريكي  وانعكاساته الكارثية على صورة السعودية وموقعها التفاوضي مع الغرب(لانّ الارهاب التكفيري المرتبط بالأدبيات/الأموال الوهابية سيُغيّب ولو الى حين بسبب  التركيز على "الارهاب" المعادي لاسرائل، أي شيطنة حركات التحرر الوطني التي لها خلفية إسلامية مثل حماس والجهاد)،  ثانيا سيساعد اتهام قطر بالإرهاب على إضعاف دعمها للشرعية في مصر، وبالتالي دعم الواقع"الانقلابي" هناك. 

 لم يكن وصول النهضة أو الإخوان إلى الحكم مشكلة للنخب "العلمانية" فقط،  بل كان  أيضا خطرا"وجوديا" على الأسرة الحاكمة السعودية وعلى أساس شرعيتها ذاتها، أي الإيدلولوجيا الوهابية.

 ذلك أنّ دخول الحركات ذات الخلفية الإخوانية إلى معترك الحياة السياسية "القانونية" وخروجها من منطق "البديل" عن النخبة العلمانية إلى منطق "الشريك" لها،  يُمثل خيارا استراتيجيا خطيرا على القيادة السعودية-الوهابية للعالم الاسلامي(السني).

فهو  يُقدم  نموذجا مختلفا للاسلام  قد يرفع التناقض بينه وبين الدولة الحديثة وفلسفتها السياسية. إننا أمام صيغة للإسلام السياسي تُهدد النفوذ السعودي بمؤسستيه السياسية والدينية، وتهدد أيضا المزاعم العلمانية حول"الاستثناء الإسلامي" واستحالة التوفيق بينه وبين الدولة الانتظام السياسي الحديث.

ولعل ذلك هو ما يفسّر سر التحالف أو الالتقاء الموضوعي بين السعودية-الوهابية وبين "العقول" العلمانية التي تريد الانقلاب على مخرجات الثورات العربية ولو كان ثمن ذلك الارتداد إلى الدولة الاستبدادية. 


 بعد الثورة التونسية، كان من الواضح أن السعودية والإمارات  لم تكونا تدعمان "النخب العلمانية" خوفا على "النمط المجتمعي التونسي " أو حُبا في أساطيره التأسيسية أو مساهمة في الانتقال الديمقراطي، بل كانتا تدعمان تلك القوى "العلمانية" باعتبارها حصنا متقدما للدفاع عن أنظمتها السياسية (تماما مثل نقيضها المفهومي والموضوعي، أي الحركات الوهابية الجهادية والعلمية على حد سواء). وإذا ما كانت السعودية والإمارات تشتركان مع نخب "النمط المجتمعي" في العداء للإسلام السياسي(الإخواني)، فإن مصالحهم ليست واحدة.

فالسعودية تسعى أساسا إلى ضمان قيادتها الدينية والسياسية للعالم الإسلامي السني، وهو ما لا يكون إلا بتأبيد التناقض بين الاسلام (بالفهم الوهابي) وبين الديمقراطية(على عكس ما ذهبت إليه الحركات الإخوانية). أما النخب العلمانية فإنها مازلت تعتبر أن تناقضها الأساسي هو مع "الرجعية الدينية"،  ليس لأنها دينية بل لأنها تهدد بتغيير بنية الحقل السياسي تغييرا جذريا سيدفع بالقوى "الديمقراطية" إلى الهامش بحكم ضعف عمقها الشعبي وبحكم انحسار قوتها في مستوى "القوة النوعية" التي تبقى ذات قيمة محدودة في صناديق الاقتراع. 

 بعيدا عن الحجج السفسطائية التي لا تثبت عند النقد الجاد، تعكس اصطفافات التونسيين في الأزمة القطرية موقفين مختلفين من الواقع السياسي الذي أنتجته الثورة. فالأغلب الأعم من المعادين لقطر هم من ضحايا الثورة أو من ضحايا انفتاح الحقل السياسي على الإسلاميين.

وينتمي هؤلاء إلى عائلات إيديولوجية مختلفة ولكنها تشترك رغم اختلافها المرجعي في العداء للإسلام السياسي (وإن لم يكن بعضها مواليا بالضرورة للمنظومة القديمة أو مستفيدا منها).

 أما الداعمون لقطر في تونس فإن أغلبهم من ضحايا المنظومة الدستورية-التجمعية  خاصةً منهم النهضويين الذين وجدوا في الحكومة القطرية وفي قناة الجزيرة  دعما كبيرا سواء قبل الثورة أو بعدها، كما إنّ من بين المنحازين لقطر بعض القوى العلمانية التي انعتقت من منطق التناقض الرئيس والتناقض الثانوي ومن نوازع الاستئصال، تلك القوى التي اعتبرت النهضويين شريكا في بناء الانتقال الديمقراطي وفي بناء الجمهورية الثانية، لا أضحية مقدسة وعدوّا مطلقا يجب شيطنته للدفاع عن أساطير "النمط المجتمعي التونسي" وما يتخفّى وراءها من مصالح وسياسات ومراكز نفوذ مالية-جهوية-أمنية لم تعد خافية على أحد.