كتاب عربي 21

آمال مضخمة في إدارة لم تطور سياسات واضحة بعد

1300x600
يقوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع المقبل بزيارة للمملكة العربية السعودية. كان المتوقع أن تكون بريطانيا المحطة الأولى على جدول أعمال ترامب الخارجي، التي دعي للقيام بزيارة رسمية لها من قبل رئيسة الحكومة تيريزا ماي. ولكن بريطانيا تعيش أجواء انتخابية ستستمر حتى يونيو/ حزيران، كما أنها ليست المكان الذي يتوقع أن توفر أجواء ترحيبية بالرئيس الأمريكي. 

ولد انتخاب ترامب رئيساً استهجاناً واسعاً في أوساط الرأي العام البريطاني، عمل نمط الحكم وعدد من قرارات الإدارة الأمريكية الجديدة على تفاقمه. وبالرغم من أن بريطانيا الرسمية حريصة على تعزيز ما يعرف بـ "العلاقة الخاصة" مع الولايات المتحدة، فإن وصول ترامب لبريطانيا، إن قرر بالفعل تلبية الدعوة، لن يمر بدون تظاهرات وحركات احتجاجية. بهذا المعنى، تبدو السعودية أكثر أماناً وضماناً للترحيب، وأكثر اطمئناناً للظهور في صورة رئيس الدولة الأهم في العالم.

عموماً، ومهما كانت تقديرات ترامب ودوافعه، فمن حق السعودية أن تحتفل بالزيارة. فأن تكون المملكة مقصده الأول لا يؤكد أهمية العلاقات الأمريكية – السعودية وحسب، بل ويشير أيضاً إلى الموقع المتقدم الذي يحتله الشرق الأوسط في جدول أولويات إدارته. 

خلال سنوات إدارة أوباما، الذي قام بعدة زيارات مجاملة للسعودية، تراجعت قضايا الشرق الأوسط إلى موقع متدن من جدول أعمال واشنطن، وليس حتى سيطرت داعش على أكثر من ربع العراق وقطاع كبير من سوريا أن اضطر الرئيس الأمريكي السابق إيلاء بعض الاهتمام للمنطقة. ما تقوله زيارة ترامب أن إدارته تعمل على إعادة تريب جدول أولويات الولايات المتحدة، وأن السعودية ستكون بوابة السياسة الأمريكية إلى المنطقة. أو هذا، على الأقل، ما يبدو للوهلة الأولى.

استعداداً للزيارة، أعلن عن عزم السعودية عقد صفقة سلاح ضخمة مع الولايات المتحدة، تصل إلى 100 مليار من الدولارات؛ وعن توجه المملكة لاستثمار عشرات المليارات الأخرى من الدولارات في مشاريع بنى تحتية أمريكية. 

كلا الخطوتين يعبر عن قرار سعودي بالمساهمة في إنجاح إدارة ترامب، ومساعدته على الوفاء بوعوده للناخبين فيما يتعلق بإعادة الاعتبار للاقتصاد الأمريكي وتعهد برنامج واسع النطاق لتجديد مقدرات الولايات المتحدة الداخلية. كما قامت الرياض بدعوة عدد كبير من الزعماء العرب والمسلمين، المعروفين بعلاقاتهم الجيدة مع السعودية والولايات المتحدة، للالتحاق بلقاء قمة مع ترامب، في إشارة أخرى للآمال المعلقة على الإدارة الأمريكية وما يمكن أن تقوم به على صعيد قضايا الشرق الأوسط وأزماته المحتدمة.

وربما من العدل القول إن هذه الآمال لم تولد من فراغ ولا مجرد أوهام. من وجهة نظر الرياض، وعدد آخر من الدول العربية والإسلامية، أظهر ترامب خلال شهور ثلاثة فقط من ولايته الأولى الكثير مما يبعث على الاطمئنان.

صحيح أن القرارات المتعلقة بسياساته الداخلية تنم عن نزق واضطراب، ولكن مؤشرات سياسة ترامب الخارجية تبدو أكثر استقراراً ومدعاة للثقة. اختار ترامب لإدارة مواقع الأمن القومي والسياسة الخارجية عدداً من المعروفين بعدائهم لنزعات إيران التوسعية، والذين قضوا سنوات من حياتهم الوظيفية في الشرق الأوسط. وإلى جانب معارضة ترامب المتكررة للاتفاق النووي الإيراني، أعلن الرئيس بوضوح أنه سيعمل على دفع عجلة التوسع الإيراني إلى الخلف.

وبالرغم من الشائعات التي قالت بأن ترامب سيكون أكثر استعداداً للتعايش مع نظام الأسد، لم يتردد الرئيس في توجيه ضربة عسكرية مؤلمة لقاعدة الأسد الجوية التي انطلقت منها طائرات الهجوم الكيماوي الأخير على شعبه. وحتى فيما يتعلق بعقدة عقد الشرق الأوسط، أكد الرئيس الأمريكي تكريسه جهداً خاصاً للتوصل إلى تسوية للمسألة الفلسطينية.

هذه هي الخلفية التفاؤلية التي تحيط برؤية السعودية وحلفائها لإدارة ترامب، والتي ترسم استعدادات الترحيب الاحتفالي بزيارته. المشكلة، أن نظرة أكثر تفحصاً للسياسة ترامب الخارجية، أو ما بدا منها حتى الآن، لابد أن تدفع نحو المزيد من التحفظ في تقدير حجم التغيير في مقاربة الشرق الأوسط، مقارنة بأوباما، ونحو الحذر من المبالغة في التفاؤل.

هناك قليل مما اتضح حتى الآن حول رؤية ترامب الإستراتيجية للعالم، تصوره للعلاقات مع روسيا والصين، العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين ومع حلف الناتو، وموقفه من المؤسسات الدولية الرئيسية، من الأمم المتحدة إلى منظمة التجارة العالمية، والمهمات الرئيسية التي سيعمل على إنجازها في الساحة الدولية. ما اتضح ليس أكثر من عدد من التراجعات عن وعود شعبوية سابقة، وغموض في الوسائل والأهداف. 

بدلاً من شعارات الحرب الاقتصادية على الصين، هناك توجه إلى بناء علاقة تفاوضية، وما يشبه الصفقة حول كوريا الشمالية. وبدلاً من سياسة التفاهم والتعاون مع روسيا، هناك شيء من التراجع إلى مواقع النزاع السابقة في السنوات منذ 2012. أما السخرية من الناتو والحلفاء الأوروبيين، فتحولت إلى ما يشبه إعادة التوكيد على الالتزام بالحلف والأمن الأوروبي.

في الشرق الأوسط، ليس ثمة ما يشير إلى متغيرات جوهرية في السياسة التي تبناها أوباما في ولايته الثانية. لا تبدي إدارة ترامب أي اكتراث بمسألة التحول الديمقراطي، ولا بالأسباب الحقيقة للاضطراب وعدم الاستقرار في المنطقة. ولم تحدد بعد ما إن كانت ملتزمة بحل الدولتين في تصورها لحل المسألة الفلسطينية.

لم تزل الحرب على داعش، والإرهاب، هي أولوية السياسة الأمريكية، مشروطة بعدم تورط أمريكي مكلف على الأرض. تغيرت لغة واشنطن قليلاً تجاه نظام الأسد، ولكن بدون أية تغيير ملموس في الوقائع المادية على الأرض. 

تنتشر الميليشيات الطائفية في أنحاء سوريا، ويمارس النظام سياسة التهجير والهندسة السكانية الطائفية في مختلف أنحاء البلاد، بدون تعليق من الإدارة الأمريكية. وإن أظهرت واشنطن رد فعل على استخدام السلاح الكيميائي، فليس هناك من حدود على استخدام النظام كل الأسلحة بخلاف ذلك لإبادة شعبه وقهر معارضيه.

 بكلمة أخرى، إن كانت إدارة ترامب أصبحت أكثر تصميماً على ذهاب الأسد ونظامه، فليس هناك من دليل على عملها من أجل تحقيق هذا الهدف. 

ولا يقل الموقف من التوسع الإيراني غموضاً عن الموقف من نظام الأسد. فالولايات المتحدة لم تزل منخرطة في المعركة ضد داعش، وفي تحالف مع الحشد الشعبي، الموالي لإيران، بدون أن تبذل أية جهود لإحداث تغيير جوهري في بنية النظام العراقي الطائفية، أو في تعامل النظام مع مناطق الأغلبية السنية. 

ولم تظهر واشنطن حتى الآن ما يوحي بتبني سياسة تدعو إلى انسحاب إيران وأدواتها من الميليشيات الشيعية من سوريا، بالرغم من حجم الجرائم التي ترتكبها ضد السوريين، والتي تضعها على قدم المساواة مع داعش. في اليمن، صحيح أن هناك تراجعاً في التصريحات التي تنتقد السعودية وحلفاءها، ولكن أحداً لم يعرف حتى الآن ما لذي ستقدمه إدارة ترامب للمساعدة في هزيمة الانقلابيين ووضع نهاية للحرب. 

ربما ستكشف الشهور القليلة المقبلة عن إجابة لهذه الأسئلة. ولكن ما وجدته تركيا من وضوح في موقف إدارة ترامب من امتدادات حزب العمال الكردستاني في سوريا، واستمرار دعم التنظيمات الكردية بالسلاح، لا يبعث على الاطمئنان. 

المبالغة في تقدير نوايا ووعود ترامب، أو في توقعات اختلاف جوهري عن سياسات أوباما، قد لا تنتهي نهاية سعيدة. لم يكن لدى أوباما مشكلة مع تحمل العرب مسؤوليات الدفاع عن أنفسهم. والأرجح، أن ترامب سيتبنى السياسة نفسها، مع رفع وتيرة التأييد البلاغي لحلفائه في الخليج.