قضايا وآراء

الرئيس الإيراني القادم: حدود التفاؤل والتغيير

1300x600
لماذا لا يحمل انتخاب الرئيس الإيراني القادم أي جديد لسياسة ايران الخارجية تجاه المنطقة؟ لماذا علينا ألا نكون متفائلين كثيرا؟ تحلُّ على إيران في التاسع عشر من مايو أيار الانتخابات الرئاسية.

ويبدو أن سباق الانتخابات سوف يكون محصوراً بين رجل الدين الرئيس الحالي حسن روحاني، ورجل الدين الآخر إبراهيم رئيسي، قيم المرقد المقدس للامام الثامن علي بن موسى الرضى في مدينة مشهد والذي يعتبر من أغنى وأكثر المؤسسات نفوذا داخل إيران.
 
وتكتسب هذه الانتخابات أهميتها من الظرف الخاص الذي تعيشه إيران سواء على المستوى الخارجي، وذلك في ظل انخراطها المكلف في صراعات المنطقة، أو في ظل وجود إدارة أمريكية معادية للنظام في طهران، أو على المستوى الداخلي وذلك بسبب الحالة الصحية المتدهورة للمرشد الأعلى علي خامنئي، وهو ما يعني أن الفترة الرئاسية المقبلة ربما تشهد استحقاقاً مفصلياً يتمثل باختيار المرشد الجديد للبلاد خلفاً لخامنئي. 

بعيدا عن تداعيات الانتخابات المقبلة على التجاذبات الداخلية لإيران (وهو ربما ما سوف أتناوله في مقال لاحق)، فإنها – أي الانتخابات –لن تحمل الكثير فيما يتعلق بسياسة إيران الخارجية خصوصاً فيما يتعلق بتهدئة البؤر المتوترة في المنطقة، بل على العكس، فمن المحتمل أن تعمد إيران إلى تبني سياسة إقليمية أكثر تشدداً في ظل ارتفاع حال التوتر بينها وبين واشنطن وهو ما يجعلها مضطرة إلى تعزيز أوراقها الإقليمية سواء للمساوة أو للردع. 

وقد بنيت استنتاجي هذا في الأساس اعتمادا على مستويات التحليل الثلاثة لنظرية البنائية الواقعية التي أوجد أسسها النظرية عالم السياسية الأمريكي كينيث والتز في كتابة الشهير (Man, the State and War). 

وتتخذ مستويات التحليل ثلاثة أبعاد هي البعد الأول والمتعلق بالنظام، والبعد الثاني والمتعلق بالوحدة (الدولة) والبعد الثالث والمتعلق بالفرد.

 سيبدو تحليلي في هذا المقال وفق محددين، الأول بتعلق باعتماد البعد الأول في التحليل الذي يقوم على شكل النظام، والمحدد الثاني له علاقة بالحدود الجغرافية للإقليم الذي تتواجد فيه إيران. 

تقبع إيران جغرافياً في منطقة الخليج والتي تشكل الإقليم الأمني الثالث في منطقة الشرق الأوسط جنباً بجنت مع كل من إقليم الشام وإقليم المغرب العربي وذلك حسب التقسيم الذي اعتمده "باري بوزان" في نظرية المجمع الأمني الإقليمي (Regional Security Complex).

ويحتوي إقليم الخليج على كل من إيران، ودول الخليج العربية، واليمن، والعراق.وقد كانت منطقة الخليج العربي تقليدياً خاضعة في تاريخها المعاصر لحماية واحدة من الدول العظمى.

وقد بسطت الإمبراطورية البريطانية هيمتها على مياه الخليج لمدة القرنين من زمان، غير أنها قررت الانسحاب بشكل مفاجئ في عام 1970، مخلفاً وراءها فراغاً استراتيجياً لم تستطع أن تملأه بشكل مباشر الولايات المتحدة بسبب انشغالها في حربها المدمرة في فيتنام. ومن أجل إبقاء الاتحاد السوفيتي بعيدا عن المنطقة اعتمدت واشنطن سياسة الدعامة المزدوجة من خلال الاتكاء على الدول الاقليمية الحليفة (إيران والسعودية) للحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.

أخذت سريعا تظهر معالم القطبية الإقليمية، حيث برز على السطح نظام توازن القوة  بين الثلاثة الكبار: إيران، والعراق، والسعودية. وقد دخلت سريعا كل من إيران والسعودية تحت العباءة الأمريكية ضمن السياسة الكبرى في احتواء الشيوعية، بينما انزاح العراق للاتحاد السوفيتي. تمثل الهدف الرئيس للدول الاقليمية الكبيرة الثلاثة في منع أي واحدة منها من الوصول إلى الهيمنة المنطلقة. 

وقد بقي نظام تعدد القطبية محافظاً على استقراره رغم التحولات الكبيرة التي حدثت بداية الثمانينيات. 
فمع الثورة الإسلامية في إيران، كان الإقليم مقبلا على واقع جديد. شكلت الحماسة الثورية لإيران بعيد الثورة، وعقيدتها في تصدير الثورة خطراً محاقاً على أمن دول الخليج الأخرى واستقرارها. 

لم تعد إيران تسعى للمحافظة على الأمر الواقع بل سعت إلى محاولة قلب الأنظمة السياسية. ولذلك تغيرت فلسفة التحالفات. فمن أجل احتواء إيران، تحالفت كل من دول الخليج مع العراق، ومع اندلاع شرارة الحرب العراقية الايرانية تعزز هذا التحالف خصوصاً مع الدعم الذي تلقته دول هذا التحالف من الولايات المتحدة، وإلى حد ما من الاتحاد السوفيني الذي كان قد بدأ اجتياحه لافغانستان. 

على أن الحرب لم تُحْدِثْ بالرغم من بشاعتها أي تغيير على شكل النظام الاقليمي، حيث بقي تعدد القطبية هو السمة البارزة، فقد خرجت إيران منهكة اقتصادياً وعسكريا ولكنها حافظت على نظامها السياسي متماسكاً قوياً، أما العراق فقد خرج قوة عسكرية لا يستهان بها، في حين استطاعت السعودية أن تطوي تحت جناحها باقي دول الخليج الصغيرة من خلال مجلس التعاون الخليجي. 

يكتنف نظام تعدد القطبية مستويات عالية من عدم اليقين، ولذلك تشعر الدول أن أمنها القومي تحت تهديد مستمر ولذلك تسعى بشكل دائم إلى تعظيم قوتها الذاتية. مع بداية الألفية الجديدة لم يصمد نظام تعدد القطبية الإقلمي في الخليج، فمع الغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين، تحول النظام الإقليمي تحولا جذريا وانتقل لأول مرة في تاريخه الحديث من نظام متعدد القطبية إلى نظام ثنائي القطبية، فبعد أن أصبح العراق خاضعا للنفوذ الايراني، أصبح القطبين الكبيرين الوحيدين هما إيران والسعودية، وانخرطا سريعا في صراع على النفوذ والقوة. 

يعتبر علماء السياسة المنتمين لمدرسة الواقعية البنائية أن نظام ثنائي القطبية أكثر استقرارا مقارنة بنظام تعدد القطبية. بالرغم من أن الهاجس الأمني يبقى حاضراً بغض النظر عن نوعية النظام، وبالرغم من أن التهديد لا يمكن أن يزول بتغير شكل النظام، إلا أن النظام ثنائي القطبية يجعل من القلق الأمني عنصراً قابلا للسيطرة عليه في ظل سهولة التنبؤ بتصرفات كل قطب بنوايا القطب الآخر.

بالنسبة لإيران فإن نظام ثنائي القطبية الإقليمي  يلعب لصالحها (في الوقت الراهن على أقل تقدير)، ليس فقط من باب أن تصرفات خصمها، السعودية، يمكن التنبؤ بها بسهولة، بل لأنها تبسط نفوذها على بلد كان يشكل الضلع الثالث في نظام تعدد القطبية السابق.

فإن السيطرة على بلد مثل العراق لا شك تمثل قيمة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها سواء ضمن حسابات السعي للهيمنة أو حتى الحسابات الدفاعية الخاصة بالردع تجاه أي عدوان خارجي. 

لم يكن تحول النظام الإقليمي من متعدد الأقطاب إلى ثنائي القطبية بفعل القوة الإيرانية، بل كان نتيجة مباشرة للاحتلال الأمريكي للعراق. فإيران لا تمتلك من القوة ما يخولها من تغيير النظام الإقليمي، فضلا عن الهيمنة المطلقة، ولكنها تمتلك من القوة ما يجعلها قادرة على المحافظة على الوضع الراهن من خلال إبقاء العراق تحت نفوذها المباشر. يشكل العراق ضمن هذه النظرة رصيداً استراتيجياً لا يمكن التفريط به على عكس اليمن والذي تعتبره إيران مجرد ورقة قابلة للمساومة.

وضمن هذه الاعتبارات فإن الرئيس الإيراني القادم سواء أكان من المحافظين أو من المتشددين لا يملك إلا العمل ضمن هذه السياسية التي يؤمن الإيرانيون بأنها السياسة الكفيلة بحفظ أمنهم القومي.

إن الرئيس الإيراني بغض النظر عن انتماءاته أو توجهاته لا يمكن أن يجازف باعتماد سياسة تحمل في طياتها مخاطرة التفريط بالنفوذ على العراق، فالكابوس الإيراني على الدوام كان يتمثل في أن يتواجد في بغداد نظام يعادي طهران أو ينافسها حتى على النفوذ الإقليمي.