سياسة عربية

"عربي 21" تنشر الجزء الثاني من تقييمات "شبابية الإخوان"

المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين (أرشيف) - أ ف ب
أعلن المكتب العام لجماعة الإخوان المسلمين المصرية (مكتب الإرشاد المؤقت)، المعبّر عما يُعرف إعلاميا بـ"تيار التغيير" أو "القيادة الشبابية"، اليوم السبت، عن الجزء الثاني من التقييمات لأداء جماعة الإخوان خلال السنوات الست الماضية (من كانون الثاني/ يناير 2011 إلى كانون الثاني/ يناير 2017)، والتي حملت عنوان (إطلالة على الماضي-  ملفات ما قبل الرؤية).

وقال المنسق الإعلامي لملف التقييمات بجماعة الإخوان المسلمين، عباس قباري: "جهدٌ، نرجو من الله أن يتقبله وأن ييسر لنا أمر البناء عليه، وأن يعود بالنفع على جماعتنا ووطننا وأمتنا"، لافتا إلى أن هذا الجزء يتناول مقدمة عامة وملفين؛ الأول: الإطار التنظيمي الداخلي، والثاني: وقفات هامة.. ما بعد الانقلاب.

وأضاف – في تصريح صحفي-: "نؤكد أن الجماعة ستظل دائما حريصة على السماع والنقاش للوصول للصواب، ورائدنا في ذلك الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا".

وأشار "قباري" إلى أن الجماعة ستصدر ملف التوصيات النهائية للتقييمات بعد إتاحة مساحة للحديث حول هذين الملفين والنصائح والملاحظات المنتظر وصولها إليهم من نقاشات أصحاب الفكر والرأي والباحثين والعلماء، ومن ثم تضمينها في ملف التوصيات.

وأشار تيار التغيير بالإخوان إلى أن الانطلاق سيكون من السياق المبدئي الموضوعي، وليس الموقفي الشخصي، وأن التناول سيكون من بوابة الشأن العام المرتبط بالموضوع، وليس الشأن الشخصي المرتبط بالأشخاص، وأن الحديث سيدور عن مواقف التفاعل الإخواني مع القضايا المختلفة. 

وقال: "لن نحكم من قريب أو بعيد في أمور تخرج عن هذه الدائرة بطبيعة الحال، ولا سيما المؤسسات الخارجة عن هذا الإطار كقرارات الرئاسة والوزارة والبرلمان وما شابه، وسنترك الأمور التي تحتاج في الطرح العلمي إلى تقييم جماعي شامل ليقوم بها الجميع وليس فصيلا واحدا؛ لكون ذلك تعسفا في الطرح".

وأردف: "المدة الزمنية محل المرحلة الأولى للتقييم ستكون السنوات الستة الأخيرة، بدءا من الثورة وما يتعلق بها ويحتاجه البحث في الفترة السابقة عليها، والطرح سيكون علميا مُتقيدا بقيود الصّنعة في التقييم؛ حتى يسهل التناول ونستفيد من الحالة النّقديّة التي ستتبع ذلك الطرح".

وتابع: "لا يجب أن يُنظر إلى هذا الجهد بكونه تصفية حسابات على أرضية خلاف أو ما شابه، كما أنه من جانب آخر ليس نقدا شخصيا لأحد أيا كان، فمن اجتهد في السابق فأصاب فله أجران ومَن أخطأ فله أجر، بلا إفراط في نَسْف كافة المواقف، ولا تفريط في جانب الاعتبار والنظر والتقييم".

وفيما يلي نص الجزء الثاني من التقييمات:

وقفات هامة.. ما بعد الانقلاب
 
الإطار التنظيمي الداخلي

كانت منطلقات الجماعة التي رسّخها الإمام البنا - رحمه الله - وإخوانه الأوائل والتي اعتمد عليها في تأسيس جماعته منطلقات فكرية لحق بها جانب التنظيم لخدمتها وحراستها، فكان التنظيم حينها خادماً للفكرة، والنَّسَق الإداري الوظيفي تابعاً للمهمة وحارساً لها وأميناً عليها.

وعلى الرغم من أن البنية التنظيمية للجماعة حقَّقتْ نجاحات هي الأكبر في العصر الحديث فحافظت عليها وعصمتها من التفكُّك رغم التضييق والحصار والقبضة الأمنية الشديدة؛ بل وحقَّقت انتشارا وتوسعا لم تُدانيه حركة أخرى، إلا أن هناك العديد من الملاحظات التي تستوجب التقييم ضمن هذه المنظومة، والتي انعكست بشكل سلبي على الأداء العام؛ بل على الفكرة ذاتها، نُوجز أهمها في الآتي:

أولا: عدم التجانس الداخلي:

نستطيع القول بأن عدم التجانس الداخلي يرجع إلى وجود مجموعات متمايزة (فكرا وسنا وأداء وظروفَ تنشئة) داخل نفس التنظيم، زاد من عدم تجانسها غياب الرغبة في حسم العديد من التناقضات الفكرية والتنظيمية بينهم، إما خوفا من تفجير التنظيم أو تعطيله عن الحركة الفعّالة في أوقات حرجة، مع عدم تطوير الماكينة الفكرية والشرعية، أو توجيه الأولوية إلى الانتشار وتنمية جسم التنظيم.

فكانت بنية التنظيم تتكوّن من فريقين أساسسين غير متجانسينإلي حدٍ بعيد، يتَّسم أحدهما بالمرونة السياسية مع قابلية للتعايش مع بنية النظام (كمعارضة) تعمل تحت سقف النظام وفق الأدوات الدستورية الطبيعية ولا تسعى لتعلية هذا السقف.

وفريق آخر أكثر تشدّدا من الناحية التنظيمية، يتوجّس طوال الوقت من أصحاب التوجهات (غير الإسلامية)، وبالرغم من كونه أكثر تشدّداً في الموقف المبدئي من النظام إلا أنه أقلّ رغبة في معارضته، ويجنح دوماً إلى الرغبة في تأجيلالمعارك

فكانت الجماعة طوال الوقت في سجال (تنظيمي وليس فكري بين هذين الفريقين).

وقد بَدَا هذا واضحاً في أزمة حزب "الوسط" في التسعينيات عندما أراد الفريق الأول (الذي كان جُلّه من جيل السبعينات) تأسيس الحزب فرفض الفريق الآخر (الذي يصطلح البعض على تسميته بالقيادة التاريخية أو جيل 65)؛ وكان لذلك عدة أسباب يسوقها فريق الرفض ولا يرغب في مناقشتها، وقد حوّلها بالفعل إلى تدابير وقرارات حاسمة حينها.

وهكذا ظلّت هناك حالة من الضبابية وعدم الحسم في كثير من المواقف؛ نتيجة لوجود هذا التمايز بين هذه المجموعات، والميل دائماً لعدم حسم هذه القضايا الخلافية لصالح استقرار الجماعة ونموها، ولعلّ هذا يُفسّر عدم الإجابة على السؤال الأهم: ما هي خطة الجماعة ورؤيتها للتعامل الجاد مع النظام في عهد مبارك؟

لذلك وبالتبعية لم تكن الإنتخابات حينها وسيلة للتغير بقدر ما هي وسيلة لنشر الدعوة وإيصال صوت الجماعة للمجتمع

وعلى نفس المنوال تباينت ردود الأفعال وقت الثورة وما بعدها من تفاعلات بعدما لحق بهذين الفريقين فريق ثالث وهو جيل أواسط التسعينيات وما بعدها، والذين عاشوا عصر الانفتاح المعرفي والإنترنت، وكوّنوا بنية فكرية ثقافية بعيدة إلى حدٍّ كبير عن مسارات التنظيم التقليدية.

وعليه، كان التنظيم يسير بثلاثيته تلك ليصنع حالة شديدة التعقيد في عدم تجانسها الفكري الداخلي، والذي تتحكّم فيه كما أوردنا عوامل عدة أبرزها المنطلقات والأعمار والبيئة المحيطة وضوابط الزمن.

وكان واجب الجماعة الأبرز هنا هو صناعة أُطُر فكرية جامعة تصهر الجميع في بوتقة واحدة، وتكسر كافة القيود التي تمنع من سير التنظيم وفق تلك الأطر الفكرية المتجانسة.

ثانيا: ممارسات العملية الشورية داخل الجماعة:

على الرغم من أن الجماعة أكّدت في أدبياتها التمسك بالشورى، والتزمت بكون الشورى مُلزمة وليست مُعلمة، وكان تشكيل كل الهياكل الإدارية بالانتخابات خصوصاً بعد 2005، وهذا بالفعل ما مَيَّز تنظيم الإخوان عن باقي الكيانات سواء الإسلامية أو غير الإسلامية.

إلا أن هناك بعض الملاحظات على ممارسة العملية الشورية داخل الجماعة والتي نالت منها وانعكست بشكل سلبي على قرارات الجماعة التي اتُّخذت علي أساسها، ومن أهم هذه الملاحظات ما يلي:

1. عدم الفصل بين الشُّوري والتنفيذي، فظلَّ الرئيس التنفيذي هو نفسه رئيس الشورى في لوائح الجماعة، بدءا من أعلى سلطة وهي مكتب الإرشاد إلى أصغر وحدة (الشعبة)، وبهذا اهتزَّ الدور الرقابي والمحاسبي داخل الجماعة.

2. وفق نظرية الضرورة انتقلت كل صلاحيات مجلس الشورى العام للجماعة إلى مكتب الإرشاد، بما فيها اختيار أعضاء المكتب، وأبرز فترات ذلك بين عامي 1995 و2010، فلم ينعقد مجلس الشورى العام ولو حتى بشكل جزئي طوال هذه الفترة، برغم اعتبارها من أهم مراحل الجماعة.

أدَّى هذا إلى أن الدور الوحيد لمجلس الشورى من حيث الممارسة الفعلية هو اختيار أعضاء مكتب الإرشاد ليقوم بعدها مكتب الإرشاد بكافة الوظائف، وكان الرد الطبيعي (الذي ربما يكون صحيحاً إلى حد ما) تجاه المحاولات التي أرادت عقد مجلس الشورى هو عدم إمكانية ذلك لعوامل أهمها الحالة الأمنية، إلا أنه كان من الممكن التغلب عليها بطرق كثيرة أثبتت التجربة إمكانيتها فيما بعد.

3. حرصت الجماعة على ترسيخ مفهوم انتخابي مفاده (لا يجوز الترشح للمناصب الإدارية داخل الجماعة)؛ وبالتالي فكل الأعضاء ناخبون، وكلهم أيضا مُرشَّحُون، وإنْ كان هذا محمودا من جانب عدم تزكية النفس والتورُّع عن طلب الولاية، إلا أنه من جانب آخر لم يتمكّن معظم الأعضاء (وفق الحالة الأمنية الضاغطة) من معرفة بعضهم المعرفة التي تُمكّنهم من الاختيار، وفي نفس الوقت لا تسمح الظروف بالأعمال المُجمّعة والعامة المكثفة التي تُتيح لهم ذلك؛ مما أدى في أغلب الأحيان إلى كثير من السلبيات، أهمها انحسار الاختيار في الأسماء الأكثر شهرة في التنظيم، والتي قد تكون في أغلب الحالات بعيدة عن الكفاءة أو الخبرة.

ثالثا: ضعف البنية المؤسسية للجماعة:

على الرغم من تماسك مؤسسات الجماعة إلا أن مفاهيم العمل المؤسسي غابت في كثير من الأحيان؛ نظرا للأسباب الآتية:

• غياب الدور الرقابي والمُحاسبي وضعفه كلما اتجهنا إلى الهياكل الأعلى في التنظيم؛ لكونها تجمع بين الوظيفتين كما قدَّمنا.
• تداخل المهمتين الإدارية والتربوية لكون مَن يقوم بهما (لأسباب عدة) واحد في أغلب الأحيان؛ وكان لذلك آثار سلبية على العمليتين معا (الإدارية والتربوية)، وفي الاغلب كانت القرارات الإدارية تتأثر بوجهات نظر القائمين علي العملية التربوية .

• ضعف الاستفادة من الأقسام الفنية، والتعامل وفق كونها مجرد لجان فنية لها آراء غير ملزمة للخط الإداري، ويتسبَّب ذلك في تهميش دورها رغم كونها تتحمّل القسط الأكبر من دولاب العمل ومهامه.

• عدم وجود مؤسسات فنية متخصصة دائمة تتراكم لديها الخبرات لتكون قادرة على دعم قرارات وأنشطة الجماعة في المجالات المختلفة سواء سياسية أو اقتصادية أو إعلامية وغيرها.

• استغلال المواقع التنظيمية والرمزية (للبعض) لدى الصف في الانتخابات داخل الجماعة.

• انصراف أغلب جهد أعضاء الجماعة للداخل التنظيمي في (الاجتماعات التربوية والإدارية)؛ فأنتج نوعا من العزلة بين كثير من أفراد الجماعة ومجتمعهم المحيط.

رابعا: القصور اللائحي:

لعل أبرز ما يُمكن الحديث عنه في تقييم الإطار التنظيمي للجماعة هو القصور اللائحي عن تغطية بعض المسائل الهامة داخل التنظيم، والتي من الممكن أن نُبرز أهمها فيما يلي:

1- القصور في معالجة تمثيل بعض الفئات داخل الجماعة:

أ- الأخوات؛ وعدم تمثيلهنّ العادل داخل مستويات التنظيم المختلفة، وعدم ضبط ذلك لائحيا، وإن كانت هناك محاولات فهي محاولات مبتورة قد تخضع لقيود عدة، منها التقاليد الحاكمة في بعض الأماكن والقناعات الشخصية لبعض المسئولين، لكنها بأي حال لم يتم ضبطها أو النص عليها في اللوائح المنظمة لعمل الجماعة حتى تأخذ الحصانة اللازمة لتنفيذها وفق قواعد العمومية والتجريد التي تُميّز القوانين الحاكمة.

ب- الشباب؛ (وفق أُطر السن) وغياب التمثيل الذي يضمن (تشبيب) الجماعة وزيادة حيويتها؛ لأن الاكتفاء بقواعد التصعيد الطبيعية في الإطار التربوي غير كافية لتمثيل الشباب، وكثيراً ما تجعل عتبة التمثيل داخل الهياكل التنظيمية تبدأ في سن ما بعد الشباب في الأربعينات وربما الخمسينات، وإن كانت هناك محاولات لعلاج ذلك فإنها أيضاً لم تُضمَّن في اللوائح حتى تضمن ديمومتها وعدم خضوعها للظروف والأحوال.

2- عدم تضمين اللائحة لنظام التقاضي والتظلّم من بعض القرارات التنظيمية والإدارية في حق الأفراد، والاكتفاء بشكل أولي مبدئي يقتصر على طريقة إجراء التحقيق وتشكيل اللجان التي تقوم عليه، بلا تنظيم متكامل لدرجات التقاضي وفق المتعارف عليه في النظم القضائية.

3- تركيز كافة الصلاحيات في جانب التنفيذيين وقصورها عن تنظيم دور الرقابيين، أو بالأحرى تهميش ذلك الدور الرقابي وضبابيته في بعض الجوانب بحيث يقتصر في بعض الأحيان على مجرد انتخاب الهياكل التنفيذية.

4- ترسيخ آلية الهرمية التنظيمية، والتي لم تَدَعْ فرصة للتفكير المفتوح في شئون الجماعة لكل أفراد التنظيم؛ فأصبح التنظيم الهرمي الذي وُضع كآلية لحماية التنظيم قيداً على الأفكار التي من المفترض أن يحميها ويخدمها التنظيم.

كان من الواجب على الجماعة القيام بتصويبات جذرية لطبيعة "التنظيم" وطرق إدارته، بدءا من صلاحية الهياكل الهرمية، مرورا باستراتيجيات تنفيذ المهام، وانتهاءً بخطط تحقيق الأهداف الكبرى للجماعة، فليس عيبا أن نُراجع ونطوّر ونتلافى الأخطار، فمَن نجح في الحفاظ على الإطار التنظيمي طوال فترة التنكيل الأمني كان يستطيع بنفس الدرجة إنجاز الكثير من عمليات التطوير والتنقيح والمراجعة، إنْ توفَّرت لديه الرغبة والإرادة لعمل ذلك.

ولن يتمّ ذلك إلا إذا استبعدنا ابتداء فزَّاعات قدسية التنظيم والوصاية عليه من بعض شخصيات مُنتسبيه.
 
مقدمة:

بوقوع الانقلاب العسكري تبدّلت الأحوال في مصر من التحليق في آفاق الثورة ورحابة الأمنيات وصعود مؤشرات النمو الإقتصادي على وقع انضباط الحياة السياسية واحترام أصوات الناس والزهو بنجاح الاستحقاقات الانتخابية برغم ما صاحبها من مناوشات لا يخلو منها حال التجارب الديمقراطية الناشئة.

تبدّلت الأحوال لعودة حكم الدبابة بشكل دموي أعاد للناس ذكريات أليمة كانوا قد تجاوزوها، بل عاد في صورة أبشع مئات المرات من الصورة التي ثار الناس عليها في حكم مبارك، وللأسف كان بعض منتسبي الثورة مرحبين بالانقلاب العسكري الذي يقضي على حكم (الإخوان)، وهم لا يدرون أن في ذلك قضاء على الثورة المصرية ذاتها بل علي ذواتهم أيضا.

استفاقت الجموع التي كان أقصى ما تُطالب به - رغم غرابته - انتخابات رئاسية مبكرة، إلا أن تحركها انقلب واستغِل للمناداة بإسقاط حكم (الإخوان)، بل وعودة الحكم العسكري المباشر، بل والترحيب ببيان الانقلاب فيما بعد صدوره.

تحوُّل درامي غريب أعاد مصر لعصور الظلام ودولة القمع الدموي، والتي أخرجتها من دولة تسعى إلى تَبوُّء مكانتها المستحقة في عالم اليوم إلى مجرد دويلة تلاحقها الدّيون، وتُصارع فشلا سياسيا وإفلاسا اقتصاديا وتفكّكا اجتماعيا، ووصل بها الحال إلى أن يصفها قائد الانقلاب بـ "وطن ضائع" و"شبه دولة" و"شعب فقير".

بعد ما يقارب الأربعة أعوام من الانقلاب العسكري بمصر، يستطيع المراقب للمشهد العام أن يُدرك أن ثمَّة فجوة كبيرة بين الواقع والمأمول المنتظر من سياسيي الثورة وكياناتها ونخبها.. فالأداء السياسي للإخوان وشركاء الثورة ما زال لم يلبِّ طموح الثائرين، رغم وفرة المجهود المبذول من الأفراد والكيانات.

ولعل من أسباب هذه الفجوة؛ كثرة التحديات وتعدّد التقلبات السياسية الحادثة خلال الأعوام الماضية، فمركز ثقل القرار السياسي تأرجح من الشارع الملتهب إلى طاولة السياسيين عدة مرات، ولعل آخرها كان مع الموجة الثورية القوية في 25 يناير 2015.

كما أن أبرز أسبابها هو تأخر حسم وتسويق الإطار التنظيري حول توصيف المرحلة، وما يتبعه بالضرورة من صياغة "رؤية سياسية" جديدة تُناسب الواقع المتقلب وتتناسب مع التغيرات الجديدة في المشهد. فقد انتقلنا في سلّم التوصيف السياسي (بعد تثبيت وضعية ووصف الانقلاب) من توصيف "الأزمة" الذي ظل توصيفا مناسبا حتى عملية فض اعتصام رابعة، إلى توصيف "الصراع" وهو مفهوم أكثر ملائمة لحالة الصراع الطويل الممتد الذي يستوعب كل المسارات والطرق، ويعتمد على تحصيل النقاط عبر الجولات.

وطالما هناك صوتٌ ثوريٌّ ما زال يصدح في الميادين – بغض النظر عن درجة قوته - وهناك إرادة ثورية لمُتصدّري الصراع "جماعة الإخوان"، فإنهما مظهرَيْن كافيين للغطاء الذي يتحرّك به سياسيي الثورة، فضلا عن الثورة الكامنة التي يصعب قياس مظاهرها حاليا.

إنَّ فقْد أحد هذه العوامل أو كلها يعني أننا انتقلنا لمسار "إصلاحي"، وسوف ينبني عليه تغيير في الوسائل والمسارات وكثير من التنازلات.. وهو أمر وارد لا ينبغي تغافله في ظل اشتعال أزمة داخلية بجماعة الإخوان، وملف الثورة ليس بعيدا عن هذه الأزمة بطبيعة الحال.

ما بعد الانقلاب حتى الآن عدة أمور يجب تقييمها لننطلق من وراء التقييم إلى علاج ما يستدعي العلاج والامتناع عن تكرار ما يستوجب الاستبعاد وهذه الأمور في العناصر التالية:

أولا: طول مرحلة الصدمة

بلا شك سبَّبَ الانقلاب صدمة في أوساط الجميع، سواء الإخوان الذين جاء الانقلاب بتدافعاته وتفاعلاته لإقصائهم عن دائرة الحكم في أقرب أهدافه، وإنهاء وجودهم تماماً في أقصى غاياته، وكذلك سَبَّبَ صدمة في أوساط من مَهّدوا الأرض لبيان الانقلاب بقصد أو بدون قصد، وهم معظم جمهور 30 حزيران/ يونيو.

قترة الصدمة تلك طبيعية في الصنفين، لكنها طالت كثيرا، ولم يلتفت الجميع لضرورة الفكاك منها سريعاً؛ لضرورة العمل على محاصرة الانقلاب والعمل على إزالته.

فمن ناحية مقاومو الانقلاب - وفي القلب منهم "الإخوان" - تأخّروا كثيراً في الأخذ بأسباب العمل التي أُتيحتْ في أيديهم حينها، مُتمثّلة في السَّيل الجارف من المتظاهرين في كافة المحافظات في الأيام الأولى للانقلاب، وما بعد مذبحة رابعة العدوية والنهضة، وما سبقها وتلاها من مذابح مصاحبة للانقلاب، واستسلم الجميع لأُمنيات عودة الرئيس مرسي (السريعة ) لقصره، ومؤشرات انحياز الجيش الثاني لمقاومي الانقلاب، وغيرها من الإشاعات المُثبّطة أحيانا، والرَّاغِبة في تثبيت الأوضاع عند حدٍّ مُعيّن أحياناً أخرى.

ومن ناحية مَن تظاهروا في 30 حزيران/ يونيو أيضا تأخَّرُوا في الخروج من مرحلة الصدمة بعدما انكشفت لهم الأمور من كونها انقلابا عسكريا استغل مليونيتهم، وعليه فقد تأخّر كثيرا مَن رغب في العودة لمربع مناهضة الحكم العسكري تحت ضغوط (عدم شماتة الإخوان فينا )، ومحاولة تصحيح الأوضاع للوصول مرة أخرى لصندوق الانتخاب، واستسلموا لإشاعات موازية (تخدر ضمائرهم) من قبيل استخدام السلاح في اعتصام رابعة والجثث المخفاة تحت المنصة ونكاح الجهاد، وغيرها من الأمور التي أبقتهم على عداء مع مَن كانوا يوما رُفقاء ميدان.

المُحصّلة النهائية إذا أن الجميع بقي في مرحلة الصدمة، ولم يخرُج منها سريعاً ليستجمع قواه، وتصحيح أوضاعه نحو تكرار حالة الثورة على النظام العسكري ورفع شعار الثورة الواضح: يسقط يسقط حكم العسكر، وهذا البقاء في مرحلة الصدمة حسًن من وضعية الانقلاب العسكري، وأبقاه وحده في مربع المبادر والفاعل - ربما الوحيد - في رقعة الحدث.

ثانيا: مصطلحات عزَّزت الأزمة (فقه المحنة – فقه الفتنة)

في أزمات الإنسان (الشخصية) يستطيع المرء أن يُضفي على أزمته وصفاً مريحاً يصنع له حالة من حالات الرغبة في تجاوز الأزمة يُعالج بها ما انكسر في نفسه أو يترك بموجبها حال الانهزام لمساحة يبدأ فيها من جديد.

لكن هذا في شأن (الأمم والجماعات والتنظيمات) يُعدُّ أمرا مُجحفاً، فإننا إنْ كنا ننتقد ما صنعه رواد الهزيمة في 1967 بوصفهم الهزيمة بـ (النكسة) فإننا ننتقد بنفس الدرجة إسباغ وصف (المحنة) على الانقلاب الدموي وتفاعلاته.

لأن من شأن الاستسلام لفقه المحنة (فقط) دون السعي نحو التصحيح بدراسة الأسباب ومعاينة الظواهر عن قرب أو استدراك ما يجب استدراكه واستبعاد (ما - ومَن) ينبغي استبعاده سيجعلنا أمام حالة من حالات الغياب عن الواقع والتحليق في عالم غيبيّ مربوط بانتظار الفرج دون أي فعل في تعجيله وبانتظار النصر دون أي حراك في تنزيله، وهذا مما قد يُستخدم في تخدير رغبات الشعوب في النهضة ابتداء، فمَعَانٍ مثل: "من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران" إنما جعلها الله تعالى لسعيك لإدراك الصواب لا لقصد الخطأ في كل مرة بالطبع.

وآياتٌ جعلها الله نواميس تحكم الكون تتصادم مع نظرية الاستسلام لفقه المحنة الذي يجعلنا بلا حراك: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..)، (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، فقد ربط الله تعالى تغير الأحوال بتغيير الأعمال سلباً وإيجاباً، وعلينا هنا أن نعلم وندرس ونتعمّق فيما تغيّر من حالنا وما قصّرنا فيه حتى ننطلق من جديد.

وعليه، فإنه يكون من الجائر استدعاء فقه وحالة وبيئة المحنة بغرض تجاوز أعراض وأمراض المرحلة، والوقوف حائلا بين الرغبة الزائفة في الخروج من المحنة وبين معرفة حقيقية لأسبابها لعلاجها.

المصطلح الآخر الذي يتردّد في حالة مصر من بعد الانقلاب هو مصطلح (الفتنة)، والذي يتم استخدامه أيضا في مثل هذه اللحظات من الزمن ليستدعي وضعيه الانزواء واعتزال الفتنة واتخاذ أشكال الانطواء، وهو ما يُسبّب البعد عن مواطن التصحيح والهروب لمساحات الاقتناع بالأمر الواقع شيئا فشيئا، وهو لفظٌ يكثُر استخدامه بين أوساط الإسلاميين ودوائرهم، وله مرادفات وحالات موازية فيهم وفي غيرهم، مثل مصطلحات الفوضى والخوف منها وضياع الدولة وهدمها وسيولة المؤسسات.

كل تلك المصطلحات تُستخدَم كفزَّاعات يُرَاد منها تجاوز حالة التصحيح والتصويب للوصول لحالة رضا بالأمر الواقع ولو بالتدريج.

هذه المصطلحات أمثلة واضحة لما سيطر علينا بعد الانقلاب، واقتطع منا أوقاتاً غالية كان من الواجب استغلالها في العمل علي أسقاط الانقلاب أو تقليل فرصه في البقاء، لا نستبعد أن ما نحن فيه محنة لكن ننتقد حالة الاستسلام للوصف والعمل على أرضيته والتقيُّد في ذلك باستدعاء حلول نابعة من (تجارب) في مِحَن سابقة.

ثالثا: عدم استثمار النجاح في ترسيخ وصف الانقلاب على إجراءات ما بعد تموز/ يوليو

نجحت الثورة ضد الانقلاب العسكري وفاعليات الإخوان وحلفائهم ومَن انتبهوا وعادوا لمربع الثورة بعد خروج سريع من مرحلة الصدمة سواء من تفاعلوا في داخل أو خارج مصر، فقد نجحت تلك الجهود نجاحاً ملحوظا في تثبيت وصف الانقلاب العسكري على إجراءات 3 تموز/ يوليو وما بعدها، وأجبر هذا النجاح كثيرا من المُنصفين إلى تبنّي هذا الوصف، وسحبه على وضعية مصر في هذا التوقيت، إلا أن هذا النجاح لم يُستغلّ، ولم يستطيع أصحابه البناء عليه، بل جاءت محاولات البناء عليه باهتة تتلاشي مع الوقت برغم توفر عوامل نجاحها، فالعالم به الكثير من المفردات الدولية غير المنحازة أو في أضعف التقديرات غير الراغبة في الرضا بهذا الانقلاب الدموي سواء كانت هذه المفردات دولاً أو منظمات أو مؤسسات حقوقية.

إلا أن مقاومي الانقلاب لم يستغلُّوا كل المساحة المتاحة وتأخّروا في التّعاطي معها حتى أصبحت الأخبار القادمة من مصر رتيبة ومُتكرّرة تضيع في خضم الأحداث اليومية.

فكان الواجب وفق هذه الحالة البناء على حالة النجاح في توصيف الانقلاب وحصاره بها قبل أن يتمكّن من توفيق أوضاعه والذهاب لصندوق الانتخابات المزيف، وهذا ما نستطيع استدراكه الآن.

رابعا: عدم استغلال الحشود

بعد المظهر الصادم الذي شهدته مصر في صبيحة الانقلاب وإلغاء كل مكتسبات الثورة في سطور قليلة ألقاها جنرال يرتدي البزّة العسكرية بعد أن عزل الرئيس واحتجزه وعطّل الدستور ونشر الجيش بالطرقات وحل مجلس الشورى وسرَّح الحكومة...

كل هذه المظاهر استفزَّت كثيرين فتنادوا للتظاهر والثورة العارمة سواء انضماما لميادين الاعتصام الرئيسية في رابعة والنهضة أو في مسيرات وتظاهرات كبيرة في المحافظات.

لم تُستغلّ حركة الحشود وتوزيعها في تغيير أرض الواقع، بل قد يجعلنا ذلك إلى تفنيد جدوى الاعتصام في مكان واحد (برغم صنعه حالة رائعة من الاطلاع على أوضاع الانقلاب في مصر لا سيما بعد النجاح في بثّ فاعلياته بثّا مباشرا للعالم أجمع، ولعل ذلك ما ثبَّت وصف الانقلاب العسكري كما قلنا في العنصر السابق) إلا أن البقاء في مكان واحد والحشد عليه واهتزاز فاعليات المحافظات قد يكون ضمِن للعسكر وضعية أحسن مما لو استغلّت الحشود في حصاره وتشتيت جهده على كافة المدن والمحافظات وتوسيع رقعة الاحتجاج وتشجيع الذين ما زالوا في حيز (الصدمة) من الخروج السريع والانضمام لقوافل الثائرين ضد الانقلاب العسكري. 

وهذا ما يوجب على الثوار إعادة رسم الصورة الذهنية لديهم وضبط حركة الحشود والتفكير فيها ولو نظرياً حتى إذا عاد الأمر لاقى تفكيرا سديدا وحسن إدارة.

خامسا: الاستسلام لوضعية (ثنائية العسكر والإخوان)

كانت الوضعية المُريحة لقادة الانقلاب العسكري والتي عملوا على بنائها طوال مدة رئاسة الدكتور مرسي وما قبلها هي استراتيجية التفريق بين مفردات الثورة والتعامل مع كل منها منفردة في ظل غياب باقي المفردات وصنع تناقضات تنافسية مفتعلة بين هذه القوى حتى تتفتّت وتتمايز انحيازاتها، وربما كانت ذروة نجاحه في هذه الاستراتيجية هي لحظة الانقلاب التي جعلت المواجهة ثنائية بين (دولة العسكر) التي تُمثّل طوق النجاة من (دولة الإخوان).

فأضحَت المواجهة إذا بين العسكر والإخوان، وصار كثير من القوى التي كانت محسوبة على الثورة تتعامل مع هذه الوضعية وفق أبجديات غريبة على بيئة الثورة التي كانت رافضة لأي وجود عسكري في السلطة، فصرنا نسمع مصطلحت من قبيل: (نار العسكر ولا جنّة الإخوان) و(ميدان التحرير موجود) و(الدولة العسكرية أقل خطراً من الدولة الثيوقراطية أو الدينية) و(البلد عاوزة عسكري)، وما إلى ذلك من عبارات مُنسحقة منهزمة رسَّخت تلك الثنائية.

وما نُريد إثباته هنا هو عدم نجاح "الإخوان" أو "تحالف دعم الشرعية" أو أي من المفردات التي ظهرت فيما بعد من تصحيح الصورة ونقلها من تلك الثنائية لثنائية أوقع وأصدق وهي انقلاب في مواجهة ثورة أو انقلاب على الثورة.

وأصبح الجميع يُرسّخ تلك الثنائية حتى استطاع الانقلاب تعميقَ جذوره والبدء في حملة تجريف لبيئة الثورة تماما في ظل استهداف حلفائه قبل أعدائه.

ويُعدُّ غياب الوضعية الصحيحة لهذه الثنائية (انقلاب من جهة وثورة ومكتسباتها من جهة أخرى) هو أبرز عوامل استمرار الانقلاب في الحكم حتى الآن.

سادسا: تأخر المشروع السياسي

طول أمد الانقلاب وتأخر الإخوان (واجهة الصراع) ومَن معهم في حسم المعركة سريعاً واستعادة الشرعية المغتصبة، كان يستلزم طرح مشروع سياسي جديد، يجمع ولا يُفرّق، ويُعيد شرائح معارضة انزوتْ إلى الأركان إلى المشهد مرة أخرى؛ سعياً لتكثير الكتلة الصلبة المضادة للانقلاب والتأثير على شعبية النظام.

إنّ تأخُّر الإخوان في صياغة المشروع والتركيز فقط على جزئية استعادة الشرعية (على أهميتها ومحوريتها بالطبع)، وانتظار مشاريع الآخرين يزيد من ضعف البنية السياسية للإخوان ويجعلهم في خانة رد الفعل دائما.

سابعا: ضعف القدرة على المناورة السياسية

المناورة السياسية هي التلاعب بكل من "أوراق الضغط" لتحقيق أقصى فائدة للثورة بهدف إرباك صانعي القرار بمعسكر الانقلاب وداعميه، سواء أكانت فائدة تكتيكية أو استراتيجية، واستخدام كافة الوسائل والطرق العلمية لذلك.

والواضح طوال فترة الانقلاب.. لم يتمكَّن معسكر مناهضي الانقلاب (وفي القلب منه الإخوان باعتبارهم الفصيل السياسي الرئيسي) من استخدام كافة أدوات المناورة السياسية، وقد يرجع ذلك لغياب أوراق الضغط أحياناً أو حضورها والتفريط في استخدامها أحياناً أخرى (يُستثنى من ذلك بعض فترات النجاح الخاطفة في عمر الانقلاب) التي تمكَّن فيها الإخوان من إحراز وضعية المناورة وفق تغيرات على الأرض.

إلا أن المستفاد من هذا هو نتيجة مفادها أن أبسط مظاهر المناورة أن يكون لمواقفنا السياسية ثمنٌ (عاجلٌ أو آجلٌ)، ولتنازلاتنا التكتيكية ما يُوازيها من مكاسب استراتيجية، ولعل الساحة السياسية العالمية مليئة بالتجارب والدروس المستفادة في هذا الشأن.

عدم تطوير الكيانات السياسية

منذ انقلاب تموز/ يوليو 2013 تعدَّدَت المبادرات لحل الأزمة وتزايدت الكيانات السياسية المناوئة للانقلاب، فعلى سبيل المحاولة لحصر مبادرات وكيانات الفترة الماضية، كانت كالتالي وفق التسلسل الزمني:

• منذ بداية الانقلاب 2013: "التحالف الوطني لدعم الشرعية".

• 7 أيار/ مايو 2014: بيان "بروكسل" للمبادئ العشرة للثورة، بمشاركة د. حشمت ود. يحيى حامد.

• 24 أيار/ مايو 2014: بيان القاهرة الثلاثي (سيف عبد الفتاح - إبراهيم يسري – عبد الرحمن يوسف) على نفس خط بيان "بروكسل".

• 8 آب/ أغسطس 2014: إنشاء "المجلس الثوري المصري"؛ لتجميع جهود الخارج في خدمة الثورة.
• 31 آب/ أغسطس  2014: مبادرة النائب "محمد العمدة" للمصالحة الوطنية.

• 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2014: إطلاق جبهة التحرير "باسم خفاجي"، وسوَّقت نفسها على أنها لقيادة الحراك على الأرض.

• 19 كانون الأول/ ديسمبر 2014: إطلاق برلمان المنفى برئاسة د. ثروت نافع.

• 17 كانون الثاني/ يناير 2015: مبادرة "إحنا الحل" (عمرو عبد الهادي - سامي كمال - وآخرين) عن مرحلة "ما بعد السيسي".

• 18 حزيران/ يونيو 2015: مبادرة "مصر القوية" "أبو الفتوح" لحل الأزمة (تفويض السيسي لصلاحياته لرئيس وزراء توافقيّ).

• 31 تموز/ يوليو 2015: مبادرة إعلامية لـ "الاشتراكيين الثوريين"؛ لإنشاء جبهة ثورية لإسقاط حكم العسكر.

• تشرين الثاني/ نوفمبر 2016: الإعلان عن الهيئة التحضيرية للجمعية الوطنية للتغيير.

شاركت "الإخوان" مباشرة في بعض الكيانات ودعَّمت أخرى من بعيد، لكن كون هذه الكيانات ضعيفة إلى حد كبير من ناحية المردود كان من الواجب إعادة النظر في كافة المحاولات والسعي نحو إنجاز ملموس بمعنى أن يُوازِي تعدُّد الكيانات مكاسب ملموسة، وهو أمرٌ غير محسوس إلى الآن، خاصة مع غياب انتصارات حقيقية – ولو جزئية - تُخفّف وطأة القمع الشديد أو تُظهر نظام الانقلاب بمظهر الضعف، ولعلّ السلبية الأبرز هنا كون الإخوان كفصيل كبير لم يستطع زيادة الفاعلية، إلا أن هذا لا ينفي أيضاً مسئولية كل القوى الأخرى المشاركة في هذه الكيانات في ذات الخلل.

أخيرا

هذه ليست كل القضايا التي طرأت في فترة ما بعد الانقلاب، ولعل الوقت القادم يجعلنا ندخل في مساحة قضايا أخرى للاستفادة من تقييمها ومعالجة أسبابها والخروج بخلاصات ودراسات تستطيع أن تخرج مصر من دوّامة الحكم العسكري الذي كلما مَرَّ يوم إضافي له في سدّة السلطة كلما غرَس أقدام مصر والمصريين في وحل الديون والإفلاس والتفكُّك، فلعلّ تقييم ما فات يجعلنا نتخفّف من بعض أسباب التراجع والمُضيّ قدماً نحو إنجاز المطلوب.

بالفعل جدَّت قضايا في الفترة الأخيرة بشكل يحرص فيه الانقلاب على إغراق الوطن ومواطنيه في دوامة لا تنتهي من الفشل.. من إرهاب استدعاه الانقلاب على عجل منذ اليوم الأول والذي عبَّر عنه قائد الانقلاب بقوله: (انزلوا ادوني تفويض وأمر بمكافحة الإرهاب المحتمل)، وهيَّأ له كافة الظروف ليعمل أو تغاضَى عن تحركاته ومن ثَمَّ اتخاذ وضعية السعي نحو محاربته.

ومن بيع للأراضي والجزر وثروات الوطن بلا رقيب، ومن استيلاء على مقدرات البلاد وضمّها للملكية الخاصة بالجيش، بل وتغيير العقيدة القتالية للجيش ذاته.

كل هذه الأمور تحتاج من كافة المُخلصين الوقوف أمامها تفنيدا وتوصيفا وابتكارا للوسائل والآليات التي تُوقف هذا السَّيْل الجارف الذي يفتعله نظام الانقلاب غير عابئ بوطن ولا مواطنين ولا تاريخ ولا وضع إقليمي أو دولي.

وفي 20 آذار/ مارس الماضي، انفردت "عربي21"، بنشر تفاصيل ملف نتائج مراجعة وتقييم أداء جماعة الإخوان المسلمين بمصر خلال السنوات الست الماضية (من كانون الثاني/ يناير 2011 إلى كانون الثاني/ يناير 2017). وأثارت تلك التقييمات ردود فعل متباينة سواء بالنقد أو الترحيب أو التحفظ.

اقرأ أيضا: "عربي21" تنفرد بنشر تفاصيل نتائج تقييم أداء "شبابية الإخوان"

يذكر أن المتحدث الإعلامي باسم جماعة الإخوان، طلعت فهمي، المُعبّر عما يُعرف إعلاميا بجبهة القيادة التاريخية، أكد أنه لم يصدر عن أي من مؤسسات الجماعة أي أوراق بشأن مراجعات أو تقييم لأحداث، مشدّدا على "عدم صلة الجماعة بالبيان الصادر، الأحد الماضي، عن البعض، الذي تناولته بعض وسائل الإعلام بهذا الخصوص".

اقرأ أيضا: الجبهة التاريخية بالإخوان: لم نصدر أي أوراق بشأن المراجعات