كتاب عربي 21

تسريب جيش السيسي.. تاريخية طغيان الدولة

1300x600
كان دائمًا ثمة أصرار على تمييز الدولة في جرائمها، عن الخارجين عليها، أو عن الفاعلين من خارج هذه الوحدة السياسية التي يتشكّل منها النظام العالمي، فهي المرجعية الأخلاقية النافية لأي مرجعية أخرى، أو المتعالية على أي مرجعية أخرى، منها وحدها تحظى الأفعال بالمشروعية، وهي بذلك لا تُسأل عمّا تفعل، ومن هنا، ورغم ما يمكن أن تتعرض له أفعالها من نقد، فإنها تبقى مقبولة ضمنًا، حتى لو فاقت في طبيعتها الجرمية أفعال الفاعلين من خارجها.

فأكثر الأبرياء العُزّل الذين قُتلوا في هذا العالم، إنما قتلتهم الدولة، والبقية القليلة قتلهم الفاعلون من خارج الدولة، والذين بعضهم أدوات للدولة، حتى إذا استثنينا ضحايا الحروب، فإن أعداد العزّل من غير المقاتلين من ضحايا "العمليات الجراحية"، كما في عمليات الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان واليمن والعراق وسوريا، وعمليات غيرهم طبعًا، وقتلى العمليات الغامضة، أو الأحداث التي تفتعلها أجهزة الاستخبارات؛ تظل كبيرة.

على الأرجح فإن الأفعال الشائنة والمرعبة في الأزمنة الحديثة والمعاصرة؛ من اختراع الدولة، مثل أفعال التعذيب الوحشية التي تقترفها أجهزة مخابراتها، والاختطاف والإخفاء القسري، والقتل خارج أطر العدالة، حتى خارج الأطر التي تبتدعها الدولة، فإن الذي يضع القانون يملك حقّ تجاوزه، وما آليات وضعه إلا مجرد تنظيم داخلي خاص بالدولة تقتضيه ضرورات "الحكمة والشرعية".

من هذه الدولة، تعلم الفاعلون من خارجها أفعالها واستنسخوها، وأما حرب الدولة عليهم، فكثيرًا ما تكون حربًا لأنهم ينازعونها أدواتها، لا رفضًا لطبيعة أفعالهم، فالفعل لدى الدولة تتحدد قيمته الأخلاقية من فاعله لا من طبيعته، فالجريمة لا تعود جريمة إذا اقترفتها الدولة.

تتحول الدولة في هذه الحالة إلى إله، بل هذا جوهر طبيعتها الحديثة، وهذا التحول يشرعن انتهاك آدمية الإنسان، ويخلق أنماطًا فاحشة من التمييز والقهر والاستعباد، ولكن دون أن تحظى بالاستنكار أو الرفض اللازم، لأن الوعي قد استقرّ فيه أن ما تفعله الدولة يظلّ مقبولاً مهما كان شنيعًا، وأن رفضه واستنكاره جريمة من صنف "الكفر بالدولة"!

سمعة الدولة العربية كانت دائمًا سيئة في هذا المجال، فالفعل الشنيع يظل شنيعًا، حتى لو اقترفته الدولة، ولكنّه يصير مقبولاً على نحو ما، أو يقتضي السكوت والتسليم، لا خوفًا فحسب، ولكن رضى بسيادة الدولة وإيمانًا بمصدريتها لمشروعية الأفعال وقانونيتها.

التعذيب والإخفاء القسري والقتل خارج قوانين الدولة نفسها، كانت دائمًا سمات لازمة لأجهزة استخبارات الدولة العربية، بلا استثناء تقريبًا، وأما استخدام الجيوش لدكّ المدن، واجتياح عشرات آلاف البشر، فلم يكن وليد لحظة الثورات العربية، ولا من اختراع بشار الأسد وعبد الفتاح السيسي ومعمر القذافي!

لا جديد إذن يستدعي الدهشة من أفعال جيش عبد الفتاح السيسي التي وثقها تصوير مسرّب، بثّته أخيرًا قناة مكملين المعارضة، يوثّق قتل الجيش المصري لمدنيين عزل، منهم أطفال، ويفبرك بعد ذلك صورًا لهم يدّعي فيها أنهم إرهابيون قتلوا أثناء الاشتباكات معهم.

إنه ليس أكثر من توثيق لأفعال الدولة المزمنة، لجرائمها الملازمة، مجرد صفعة صغيرة لأصحاب الذاكرة القصيرة والبصر المهترئ، الحمقى الذين ينسبون قتل الأبرياء والإعدام الميداني وإهانة الجثث إلى "بدعة داعشية"، الحمقى الذين يفتعلون الحرب على التاريخ ويفتشون في التراث عن أسس مرجعية لذلك، الحمقى الذين يميزون بين الجرائم على أساس المرجعيات لا على أساس الفعل ذاته، فتصير أفعال "داعش" مقبولة إن مارستها دولتهم، ومع ذلك يظلّون يبحثون في الجذور الفكريّة المؤسسة بزعمهم للعنف والتطرف!

إنها مجرد صفعة عابرة لبصيرة عمياء، وكأن جيش السيسي وشرطته لم يستبيحوا الآلاف في الشوارع والميادين من قبل في ضحوة النهار وأمام العالم كله، ولم يخفوا المئات قسرًا، ولم يقتلوا المساجين خنقًا، ولم يزوّروا الوقائع والحوادث إلا للتو، إلا إذا كانت الخصومة السياسية تبيح للدولة ما يحرم على غيرها.

ليس ثمة أهمية لإقناع الموتى، أو لاستثارة البصائر المطموسة، ولكن ثمة ضرورة، والحال هذه، أولاً لاستكمال مسار الثورة مهما كانت الانتكاسة التي تتخبط فيها، وثانيًا لإعادة صياغة اجتماعنا السياسي على أسس جديدة تُنحّى فيها الدولة عن المركز، وتجرّد بها من إهابها الطغياني.