كتاب عربي 21

التفاهم بين حزب الله والعونيين يحتاج طبعة منقّحة

1300x600
يميل اللبناني عادة إلى إضفاء طابع المؤامرة والألغاز البوليسية على كل ما يهب ويدب على أرضه. فانتشار القمامة مثلا مؤامرة لإلهاء الشعب عن أحداث كبيرة تجري تحت الأرض بسرية تامة لا يطلع عليها إلا "آلفرد هيتشكوك". والفوز بالانتخابات مؤامرة على الفائزين لكشفهم، والسقوط فيها أيضا مؤامرة وخديعة للناس للإيهام بضعف الأقوياء تمهيدا لحدث عظيم. 

كذلك تشمل نظرية المؤامرة أن قتال حزب الله "إسرائيل" في السابق ليس إلا لتلميعه، والقوات اللبنانية حالفت إسرائيل في الماضي أيضا بمؤامرة عليها لتشريدها، ورفيق الحريري اغتيل في مؤامرة على سوريا لإحراجها وإخراجها من لبنان... وهكذا يزخر صندوق المؤامرات بمئات القصص اللبنانية العجيبة التي لا يعرفها إلا عتات القصّاصين في المقاهي الشعبية والصفحات الإلكترونية. 

آخر "المؤامرات" المتداولة أن حزب الله يضع أوراق قوته الداخلية بتصرف رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، من أجل تمكين باسيل من فرض رؤيته على قانون الانتخابات النيابية العتيد لتلميعه عند المسيحيين في مواجهة خصومه تحضيراً لانتقاله إلى نادي المرشحين الجديين لرئاسة الجمهورية.

قد يستطيع جبران باسيل تحقيق ما يصبو إليه هو وغيره من القيادات المسيحية على صعيد إقرار قانون انتخابي يضمن للمسيحيين إيصال نوابهم إلى البرلمان بأنفسهم دون تأثير أصوات الطوائف الأخرى. لكن ذلك إن تحقق فبفعل تضامن المسيحيين فيما بينهم والذي يتأكد بالتحالف المستجد للعونيين مع القوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع الذي يخطط بأسلوب مؤسساتي ليس مقطوعا من شجرة. كذلك إن تحقق القانون "المسيحي" الأمثل فليس بمؤامرة من صنع حزب الله الذي يتضح يوماً بعد يوم أن تحالفاته الداخلية ينسجها بمقياس أوحد وهو مدى تقبل الحلفاء لأدواره العسكرية والأمنية في الداخل والخارج بعيداً عن تفاصيل الحكم اللبناني ومنافعه القليلة.

بل أكثر من ذلك، فإن البيئة الحاضنة لحزب الله بدأت تضيق ذرعا بتنازلاته لصالح حليفه المسيحي الحالم باستعادة امتيازات الحكم للموارنة في زمن توليد الشرق الأوسط الجديد. وليس أوضح للإشارة على ذلك من رسالتين وجههما رئيس تحرير جريدة الأخبار المقربة من حزب الله الصحافي إبراهيم الأمين إلى العماد ميشال عون والسيد حسن نصرالله.

للأول غمز إبراهيم من قناة الصهر باسيل وقال في رسالة وصفها بالأخيرة: "بالقرب منك، ترتكب اليوم جريمة لا قيامة من بعدها، إلا بالحديد والنار. وباسم صليبك، يبتدع أهل الأقنعة إنجيلا زائفا لتمييز الناس كأننا في زمن الرق والعبيد. ويتكاثر بائعو الأوهام، والآخذون للناس إلى حفلة انتحار جماعية باسم الخوف". فيما وجّه رئيس تحرير ما يُتعارف على أنها صحيفة حزب الله النداء الأخير إلى نصر الله، وفيه انتقاد لاذع للفريق السياسي المسيحي، "كيف لنا أن نقبل بعقل يقابل التكفير بتكفير، ويرى أنه لا يقدر على العيش مع الآخرين، فقط لأنهم ولدوا من أهل لهم ديانات أخرى؟ وكيف لنا أن نغطي المجانين الجدد الذين لم يفهموا بعد أنّ القهر لا يولّد سوى القهر، وأنّ الفوضى قبل الثورة هي الملاذ الأخير للمظلومين؟".

وختم إبراهيم الأمين بالتهديد بـ"مواجهة فاصلة معكم، لا شفقة فيها ولا رحمة، إذ لا يبدو أنّ درس الحرب الأهلية قد أفادكم، وبينكم من يمنح نفسه صفات الأنبياء والقديسين". ورغم كل هذه اللغة النارية بين حلفاء الأمس يأتي من يكتب أو يروي لك تفاصيل مؤامرة الذئب على ليلى وجدتها التي لم تؤتى الحكمة، برغم شيبتها.

إن التحالف القائم بين التيار العوني والقوات اللبنانية "مقدس" وممنوع عليه التعرض لأي انتكاسة. أما وثيقة التفاهم بين حزب الله والتيار العوني فهي "محترمة" لدى الطرفين. لكن البرامج الطائفية التي أعدتها القوى العظمى للمنطقة، تجعل الفريقين الأخيرَين، الحزب والتيار، مضطرين لاستحداث طبعة جديدة ومرنة من تفاهمهما، تحررهما من ثنائية الضرورة التي جمعتهما على مدى أكثر من عشر سنوات، وتجعل توجّه كل منهما منكباً على جمع طائفته في زمن الفرقة بين الطوائف.