اقتصاد عربي

اقتصاد مصر في عهد السيسي.. أرقام وأزمات طاحنة (تحليل)

تشهد مصر بعد الانقلاب العسكري أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية- أرشيفية
تشهد مصر بعد الانقلاب العسكري أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية- أرشيفية
شهد الاقتصاد المصري تحت حكم رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، الذي أتم العامين في 8 حزيران/ يونيو الجاري، بعد انقلابه العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي، أزمات طاحنة تكاد تقسم ظهر بعض المواطنين المصريين الكادحين، في ظل عدم وجود دخل مناسب لهم لمواجهة غلاء الأسعار التي وصلت لدرجة غير مسبوقة في تاريخ مصر.
 
ارتفاع الأسعار

اتجهت حكومة السيسي إلى تقليص دعم الوقود وبعض السلع بهدف محاولة الحد من عجز الموازنة الذي تجاوز 218 مليار جنيه، خلال الشهور التسعة الأولى من العام المالي السابق (من تموز/ يوليو 2014 إلى آذار/ مارس 2015).

ورفعت حكومة السيسي خلال عام 2014 أسعار الوقود بنسبة وصلت إلى 78 في المئة، ورفعت أسعار الغاز المنزلي والكهرباء أكثر من مرة.

وأوضح تقرير للغرفة التجارية عن شهر نيسان/ إبريل 2015، أن جميع أسعار السلع الغذائية وغير الغذائية ارتفعت نتيجة لذلك بنسب وصلت إلى 50 في المئة في بعض السلع، مقارنة بالشهر ذاته من عام 2014.

وارتفعت أسعار السلع غير الغذائية بنسب مختلفة، ومنها زيادة سعر الملابس 25 في المئة. ذلك بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط رغم انخفاضها في العالم.

فرضت حكومة السيسي في 2014 ضريبة دخل استثنائية مؤقتة على الثروة بواقع 5 في المئة سنويا، ومع نهاية عام 2014، تم إعلان مشروع قانون الضريبة على القيمة المضافة وزيادة الجمارك.

أصدر السيسي قرارا جمهوريا بتاريخ 26 كانون الثاني/ يناير 2016 برفع الرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من الواردات تشمل مجموعة كبيرة من السلع الغذائية، والأجهزة الكهربائية، والملابس، والأرضيات وتبدأ نسبة ارتفاع الرسوم من 5 في المئة وحتى 40 في المئة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع بالتبعية.
 
انهيار قيمة الجنيه

بدأ حكم الانقلاب وسعر صرف الدولار (7.18)، وخلال العام الأول لحكم السيسي خسر الجنيه المصري 9 في المئة من قيمته من حزيران/ يونيو 2014 حتى حزيران/ يونيو 2015، ليصل سعر الدولار لـ 7.83 جنيها مصريا.

ثم توالت مراحل هبوط الجنيه التاريخية حتى وصلت قيمته أمام الدولار إلى ثمانية جنيهات في نهاية عام 2015.

ومع بداية 2016، حاول البنك المركزي تثبيت سعر صرف الدولار عند حد 7.83، لكنه فشل في ذلك بعد أن تجاوز سعر الصرف في السوق السوداء التسعة جنيهات لأول مرة في التاريخ.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل سجل الدولار قفزات غير مسبوقة في مدة زمنية لم تتجاوز الشهرين، حيث سجل سعر الصرف في السوق الموازي بلغ عشرة جنيهات ثم عشرة جنيهات ونصف ثم أحد عشر جنيها، ما اضطر البنك المركزي إلى تخفيض قيمة الجنيه 14 في المئة ليصبح سعر صرف الدولار الرسمي في البنوك 8.78 جنيها، أي بزيادة 75 قرشا عن بداية عام 2016.
 
الاحتياطي النقدي وجفاف مصادر العملة الصعبة

بسبب جفاف موارد مصر من العملة الصعبة المتمثلة في خمسة مصادر أساسية، وهي: (السياحة، وقناة السويس، وتحويلات المصريين في الخارج، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية)، بالإضافة إلى تراجع حجم المنح والمعونات التي كانت تأتي من دول عربية وإقليمية لدعم السيسي ومنع انهيار الاقتصاد، انخفض الاحتياطي النقدي من 20 مليار دولار في حزيران/ يونيو 2015 إلى 16.3 نهاية عام 2015، ثم سجل ارتفاعا طفيفا في بداية العام 2016، حيث بلغ 17.01 في نهاية نيسان/ أبريل الماضي.
 
مشروع قناة السويس

في 16 آب/ أغسطس 2015، أكد السيسي أن دخل القناة يزداد يوما بعد يوم، وقال: "القناة دي اتكلفت 20 مليار جنيه، وإذا كان على العشرين مليار فأنا بأقولكم إن دخل القناة اللي زاد من مرور السفن من 45 إلى 47 سفينة في اليوم وصل 60 إلى 63 سفينة في اليوم، إذا كان على العشرين مليار اللي احنا دفعناهم احنا جبناهم".

ورغم ذلك، أعلنت هيئة قناة السويس رسميا في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2015 أن إيرادات القناة في شهر آب/ أغسطس انخفضت بنسبة 4.6 في المئة، إذ حققت القناة في هذا الشهر 448.8 مليون دولار مقارنة بـ469.7 مليون دولار من الشهر ذاته في العام السابق وعبر القناة 1577 سفينة بمعدل 50.8 سفينة يوميا، وليس كما ادعى السيسي بأن العدد زاد ليصل إلى 60 إلى 63 سفينة.

ومن ناحية أخرى، فإن السيسي أكد، كما أشرنا سلفا، أن التفريعة الجديدة ستساعد على مرور من 60- 63 سفينة يوميا بدلا من 45- 47 سفينة.

الجدير بالذكر هنا، أن إجمالي عدد السفن التي عبر القناة في عام 2008 أي قبل حفر التفريعة الجديدة بلغت 21415 سفينة أي بمعدل 59.4 سفينة في اليوم، وهو ما يعني أن قدرة القناة بوضعها السابق كانت تتحمل مرور 59.4 سفينة على الأقل، وهو ما يعني أن توسعة القناة لم تكن حاجة ملحة مطلقا في الفترة الحالية.

والغريب في الأمر بحسب خبراء الاقتصاد، أن السيسي طلب تخفيض مدة المشروع من ثلاث سنين لسنة واحدة فقط، وكأن الأمر متطلب في غاية السرعة حتى ينفق عليها مليارات -تخطت تكلفة المشروع العادية نتيجة تقليص الزمن- في وقت تعاني فيه البلاد من عجز شديد في موازنتها العامة.
 
فنكوش مؤتمر شرم الشيخ

حمل المؤتمر اسم "دعم وتنمية الاقتصاد المصري، مصر المستقبل"، وجرت فعالياته على مدى ثلاثة أيام متواصلة في مدينة شرم الشيخ خلال الفترة من 13 إلى 15 آذار/ مارس 2015، وقد شارك فيه أكثر من 2.000 مندوب من 90 دولة مختلفة، وأُعلن في المؤتمر عن مشروعات ضخمة مستقبلية عدة لم يتحقق منها شيء، رغم أن تكلفة تجهيزه تخطت الـ100 مليار جنيه.

وكان واضحا أن سبب المؤتمر الحقيقي هو السعي نحو كسب شرعية دولية للانقلاب العسكري، وظهر من خلال عدم اقتصار الدعوة على المستثمرين، أو الدول صاحبة رؤوس الأموال، بل إن هناك دولا أشد فقرا من مصر وتمت دعوتها، وهو ما سيتضح لاحقا، فضلا عن أن دعوة كل الوزارات لعرض ما لديها كأنهم جزر منفصلة وفي وضع تنافس للحصول على أموال المدعوين، دون وجود نظرة استراتيجية لما تحتاجه البلاد.

وحول نتائج المؤتمر وانعكاسه على الاقتصاد المصري، نشرت صحيفة الوطن -الموالية للانقلاب- تقريرا في حزيران/ يونيو الماضي، تضمن متابعة أداء الحكومة في تنفيذ تلك المشروعات، وذلك عقب انتهاء المهلة التي حددتها مذكرات التفاهم الخاصة بها، التي أشارت إلى أن يتم تحويلها خلال 90 يوما إلى اتفاقيات نهائية.

وأكد التقرير الذي حمل اسم "سرى" أن المؤتمر الاقتصادي أسفر عن 55 مشروعا لم يتم توقيع سوى سبعة منها فقط، تركز معظمها في قطاعي الإسكان والكهرباء.
 
غلق المصانع وتوقفها عن الإنتاج

وخفضت حكومة إبراهيم محلب بعد تولي السيسي الحكم مباشرة دعم الغاز الطبيعي في موازنة العام المالي 2014/ 2015 لترفع سعره للسيارات بنسبة 175 في المئة، ولمصانع الإسمنت والحديد والصلب بنسب تتراوح بين 30 و75 في المئة. ما أدى إلى تعثر المزيد من المصانع إلى جانب تلك التي توقفت، بسبب عدم استقرار البلاد منذ ثورة يناير.

وقد عانت مصانع الطوب في حلوان من مأساة نقص الغاز وتوقفه لأسابيع عدة، ما أضر كثيرا بمصالح العمل والعمال نظرا لربط رواتبهم بحجم الإنتاج، وأدى نقص المازوت من بعده إلى أزمة طاحنة لمصانع الطوب بالغربية.

وشهد شهر آب/ أغسطس 2014، أي بعد مرور شهرين فقط من وصول السيسي إلى الحكم، إغلاق ثلاثة آلاف مصنع بمدينة المحلة الكبرى، بسبب تفاقم أزمة الكهرباء بشكل غير مسبوق، وتعرض عدد من المصانع بعد ذلك للإغلاق أيضا في المحافظات الأخرى، بسبب الأزمة ذاتها ونتاج الاستمرار في سياسة رفع أسعار الوقود.

تفاقمت أزمة نقص الدولار في السوق، وأدت إلى تراجع إنتاج المصانع وتوقف مصانع أخرى عن العمل بشكل كامل، وتضرر صناعة الدواء والملابس والسيارات والمواد الغذائية والطوب الأحمر، الذي توقفت 80 في المئة من مصانعه في أكبر معقل له، وهو محافظة الجيزة.

أغلقت قوات الأمن في آذار/ مارس الماضي أكبر مصنع تجفيف للبصل في سوهاج -الذي يعد من أكبر المصانع التي تقوم بتجفيف البصل في الشرق الأوسط، بل وفي إفريقيا- دون إبداء أي أسباب لهذا القرار.

وكان الأمين العام لجمعية مستثمري 6 أكتوبر محمود برعي ذكر -في تصريح صحفي له- أن هناك مصانع على وشك أن تغلق هي الأخرى، بخلاف المصانع المغلقة، وذلك بسبب تفاقم الديون عليها، ما يهدد بكارثة حقيقية في الصناعة المصرية، موضحا أنه لا يصح أن تتحدث الدولة عن جذب الاستثمارات في الوقت الذي نغلق فيه المصانع على مواطنيها.

وقد استمر وضع المصانع المتعثرة في مصر حتى الآن على ما هو عليه سواء في شركات الغزل والنسيج -التي وصلت مديونياتها إلى أربعة مليارات جنيه-، التي تعد أكثر الشركات احتياجا للهيكلة، أو في الشركات الأخرى التي تواجه شبح الإفلاس والتصفية، حتى بلغ عدد المصانع التي أُغلقت عقب الانقلاب العسكري فقط  855 مصنعا، وذلك وفقا للخطابات المقدمة من أصحاب تلك المصانع لمركز تحديث الصناعات.

الجدير بالذكر، أن صندوق المصانع المتعثرة -الذي أعلنت حكومة إسماعيل اعتزامها إطلاقه برأسمال 500 مليون جنيه لتشغيل المصانع المتوقفة- لم ير النور حتى الآن.

كل ذلك رغم تصريحات السيسي منذ ما يزيد عن 22 شهرا، الذي وجه فيها الحكومة بسرعة اتخاذ قرار بشأن تلك المصانع، ولكن يبدو أن الوقت لم يحن بعد أو أن مدة الـ23 شهرا لا تتعارض مع لفظ "السرعة" في قاموس الحكومات التي تُعيّن في عهد السيسي.
 
تغوّل الاقتصاد العسكري

يمتلك الجيش المصري القدرة على استخدام المجندين كأيدي عاملة رخيصة، كما أن أرباحه معفاة من الضرائب ومتطلّبات الترخيص التجاري، وذلك وفقا للمادة 47 من قانون ضريبة الدخل لعام 2005 فضلا عن ذلك، تنُصّ المادة الأولى من قانون الإعفاءات الجمركية لعام 1986 على إعفاء واردات وزارة الدفاع ووزارة الدولة للإنتاج الحربي من أي ضريبة، وهو ما يعطي الجيش مزايا كبيرة وقوة اقتصادية ضحمة لتُصبح سيطرته على الاقتصاد المصري فيما بعد أمرا طبيعيا وغير مستغرب.

ويزاحم الجيش الاقتصاد المصري في كل شيء بدءا من إنشاء المصانع -إلكترونية كانت أم مواد غذائية- والزراعة حتى بناء الطرق والكباري والاستثمار العقاري وامتلاك محطات الوقود ومنشآت سياحية ونواد رياضية ومدارس، إلى جانب مجالي الصناعات الثقيلة والمقاولات. وبذلك يُصبح للجيش إمبراطورتيه الخاصة، تجني مليارات الدولار، وهو ما يُلقي بظلال خطيرة حول مدى اهتمام الجيش بالتسليح والتدريب في ظل اهتمامه ببناء هذه الامبراطورية.

في أيلول/ سبتمبر 2013، صدر مرسوم تعديل قانون المناقصات والمزايدات العامة ليسمح للمسؤولين الحكوميين بتخطي إجراءات المناقصات العامة في الحالات العاجلة، إلا أنه لم يُحدد هذه الحالات، وبهذه التعديلات أصبح الجيش مسيطرا على الجزء البسيط الذي لم يكن مسيطرا عليه، وهو ما له فادح الأثر على الاستثمارات الأجنبية، وذلك لأن الدولة لم تعد تضمن حق المنافسة العادلة وفتح السوق بشكل متساو أمام الجميع.
التعليقات (1)
مدحت الخضرى
الجمعة، 10-03-2017 07:58 م
بعد القراءة السابقة .... بصراحة لا تـــــعـــلـــيـق ااااااااااااســـف

خبر عاجل