قضايا وآراء

الشارع الثوري يتجاوز سفسطات رموزه

قطب العربي
1300x600
1300x600
من أعظم نتائج جمعة الأرض يوم 15 أبريل الماضي أنها أثبتت أن الشارع الثوري في مصر بجميع تنويعاته تجاوز الكثير من الرموز والنخب التي تكلست في الفترة الماضية، وتمترست حول مواقف جامدة، واصطنعت بنفسها جدرا شاهقة من الشكوك والاتهامات المتبادلة، أو على الأقل ابتعلت الطعم الذي قدمته لها أجهزة صناعة الفتن في المخابرات الحربية والعامة والأمن الوطني.

تجاوز الجماهير لمشاكل القادة وخلافاتهم يبشر بيوم أكثر حشدا غدا الاثنين، بعد أن أسقط الكثيرون حواجز الخوف التي منعتهم عن الحركة طيلة الشهور الماضية، فقد كانت العصا الأمنية بالفعل غليظة، لا تعرف الرحمة، وكانت الرؤوس المتطايرة هنا وهناك إنذارات صادمة لمن يفكر في معارضة حقيقية لسلطة الانقلاب، نجحت محاولات التخويف والإرهاب هذه في دفع البعض لإيثار السلامة أو البحث عن طرق أقل كلفة في المعارضة، بينما لم تفلح في ثني آخرين ظلوا يجوبون الشوارع  في مظاهرات لم تنقطع حتى وإن قلت أعدادها أو ابتعدت عن مواطن الصدام المباشر مع الشرطة، أو انفضت سريعا قبل وصولها.

أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا، وهذا ما ينطبق على القوى التي استكانت للخوف من قبل، لكنها نفضت اليوم غبار الخوف والكسل، وعادت تزأر بهتافات الثورة، وتواجه بصدورها العارية رصاصات تصوب إليها حتى وإن لم تنطلق بعد، لم يكن لهذه الجماهير أن تصبر أكثر مما صبرت على ذلك النظام بعد أن وصلت خيانته لبيع أرض الوطن مقابل البقاء في السلطة، لقد صبر الناس على بطونهم واحتملوا غلاء الأسعار حتى هذه اللحظة لكنهم لم يصبروا على اقتطاع أجزاء من وطنهم، لأن من يفرط اليوم في جزيرة أو جزيرتين سيفرط غدا في الوطن كله، وقد انعكس ذلك في هتافات المتظاهرين "اللي يبيع صنافير وتيران بكرة يبيع شبرا وحلوان"، كما انعكس ذلك في دعابات المصريين وسخريتهم، مع زيارات الرئيس الفرنسي هولاند، ومن بعده ولي عهد أبو ظبي، حيث حذر الكثيرون السيسي من الاقتراب من قراهم أو مدنهم أو محافظاتهم  (من باب السخرية السياسية التي تعكس اقتناعا بأن السيسي جاهز لبيع أي شيء).

التاريخ يعيد نفسه، فقد اقتنعت سلطة مبارك أن الإخوان هم الذين سينزلون في مظاهرات جمعة الغضب 28 يناير 2011، رغم أن الدعوات للنزول صدرت من قوى كثيرة فعمدت إلى اعتقال 34 عضوا بمكتب الإرشاد والمكاتب الإدارية بالمحافظات كان على رأسهم الدكتور محمد مرسي، وعشية مظاهرات الأرض في 25 أبريل 2016، اقتنعت سلطة السيسي أن من يتزعمون دعوات النزول هم قادة القوى المدنية فعمدت لاعتقالهم مثل هيثم محمدين (الاشتراكيين الثوريين) وشريف الروبي (6 أبريل)، والعديد من الكتاب والصحفيين والقيادات الشبابية والطلابية، وإذا كان التاريخ قد سجل في المرة الأولى خروج مرسي ومن معه من السجن مرفوعي الرأس بعد انتصار الثورة، فمن المؤكد أن الأمر ذاته سيتكرر مع قادة القوى المدنية المعتقلين أو المختفين حاليا.

للتنبيه فقط لم تقتصر حملات الدهم والاعتقال على رموز وكوادر القوى المدنية بل إنها طالت أعدادا كبيرة من منتسبي التيار الإسلامي وخاصة الإخوان، الذين لم ينشغل الإعلام داخل مصر بهم كثيرا باعتبار أن ذلك شيء روتيني!!!

لقد جمعت سجون السيسي من قبل رموزا من القوى الليبرالية واليسارية إلى جانب آلاف المعتقلين من القوى الإسلامية والوطنية المستقلة، وكان ذلك كافيا لجسر الهوة بين شركاء الثورة، وكان مشهد تناول الغذاء المشترك بين محمد البلتاجي وعصام سلطان وعلاء عبد الفتاح كافيا لإيصال رسالة اصطفاف بين شركاء الثورة لكن جهود التفرقة والفتنة بدت هي الأعلى صوتا، وتشاء الأقدار أن تسوق فوجا جديدا من قادة وكوادر القوى المدنية والإسلامية إلى السجون لتعيد التذكير بأن النظام لم ولن يفرق بين مدني أو إسلامي يستهدف إسقاطه، ولعل من كان يجهد نفسه من هؤلاء في التأسيس للقطيعة مع التيار الإسلامي، أو التيار المدني يرى الحقيقة أمامه عارية أنه لا انتصار للثورة بفريق دون فريق، ولا نهاية لحكم العسكر دون توافق على رؤية وطنية جامعة يشارك فيها الجميع، ولا استقرار في مصر دون حصول كل صاحب حق على حقه.

لا وقت للعتاب أو التلاوم، فاللحظة فارقة، والعض عليها بالنواجد من شعب الإيمان والتفريط فيها من شعب الخيانة، وأرواح الشهداء ترفرف الآن في مواطن الثورة تستصرخ الأحرار، وتذكرهم بما ماتوا من أجله، وأفئدة المصريين الذين اكتووا بنار هذا الانقلاب جحيما في الأسعار، وتدنيا في الخدمات، وانهيارا للجنيه، وفقدا للوظائف تهفو إلى التخلص من هذه الحالة التي لم يعد بمقدورهم الصبر عليها، وعشرات الآلاف من السجناء والمختفين ومثلهم من المشردين تنتظر ساعة الخلاص من هذا الكابوس الرهيب.

لقد أثبت المشاركون في مظاهرات جمعة الأرض وعيا عاليا باللحظة ومتطلباتها، فوحدوا هتافاتهم وشعاراتهم، ولم يشد عن ذلك أحد، وهو ما سيتكرر في مليونية الغد، ولكن المخاوف من مثيري الفتن تظل قائمة، بل إن النظام الذي فوجئ بحجم مظاهرات جمعة الأرض سيعمد إلى دس رجاله ونسائه وسط المظاهرات غدا لإفسادها بهتافات أو شعارات غير متفق عليها، هم العدو فاحذروهم، وطهروا صفوفكم منهم، واحرصوا على وأد أي فتنة في مهدها، ولا تقفوا طويلا أمامها، بل امضوا في طريقكم نحو هدفكم الأسمى وهو الخلاص التام من حكم العسكر، وما ساعة الخلاص عنكم ببعيد.
التعليقات (0)