كتاب عربي 21

تهاوي "نداء تونس": حدود الهستيريا والتحيّل!

طارق الكحلاوي
1300x600
1300x600
التشقق يتمدد في الأيام الأخيرة خاصة بعد تهاوي ترتيبات "مؤتمر سوسة" للحزب الأغلبي في تونس "حركة نداء تونس". استقالة وزير من الحزب وتجميد آخر عضويته، وبالمناسبة هذان الوزيران انتظرا اكتمال التحوير الوزاري والاطمئنان على منصبيهما للقيام بذلك. وانشقاق أحد ممولي الحزب تحت عنوان "الأمل". وكتلة أخرى باسم "الحرية". ولا أحد يعرف تدقيقا من بقي ومن خرج ومن استقال ومن جمد. 

لا يعتقدن أحد أننا كجزء من المعارضة سنكون شامتين في التهاوي الحالي للحزب الأغلبي في تونس. أعلنا مبكرا انهم دعاة هستيريا وترويج الخوف والرجعية نحو الاستبداد وشبكاته وفساده. مشروع لوبيات قديمة وعملية تحيل واسعة. انتهوا إلى التحيل المتبادل على أنفسهم. والتآكل من الداخل.

لا يفاجئنا تهاويهم المدوي. لكن هاجسنا أن لا يفقد التونسيون إرادة الحلم بوضع أفضل وأن لا يعتقدوا أن البديل الركون إلى الصمت واليأس. 

أخطأت الطبقة السياسية بعد الثورة خاصة التي ناضلت ضد بن علي بتفاعلها الضعيف مع الانتظارات الكبرى للتونسيين. لم يبق لها إلا المراجعة والتوحد وإنقاذ تونس من تداعيات الاندثار الجاري للحزب الأغلبي الذي حاول دغدغة الماضي فسقط في أوهامه وفخاخ الحاضر. 

قبل حوالي العام بداية شهر فيفري 2015 ومباشرة بعد تشكيل حكومة الحبيب الصيد الأولى كتبت عن الازدواجيات الضخمة المنبثقة عن مسار هذا الحزب قبل الانتخابات وبعدها. إذ اعتبروا تحالفنا مع النهضة تحالفا مع الإرهاب ثم تحالفوا معها. واعتبروا "الترويكا" محاصصة ثم قاموا بتشكيل حكومة يتصارع أعضاؤها علنا في التلفزات ويتبادلون الشتائم قبل أن تبدأ في العمل. إذ الشيء الوحيد الذين يجتمعون عليه الكراسي لا غير. اتهمونا بالتعيين بعيدا عن الكفاءة وبناء على المحاباة ثم عينوا وزير شؤون دينية من منظومة بن علي افتى بعدم جواز صلاة الجنازة على الشهيد البوعزيزي. وكاتب دولة للتجهيز لديه شركة هندسة وبناء. ووزير رياضة في حزب رئيسه يرأس جمعية كرة قدم. وأخيرا يخترع السبسي موقعا جديدا في الدولة من باب الاستفادة من الكفاءات لا غير لزهر القروي الشابي وزيرا مكلفا بتمثيله في أوقات الفراغ. وأعلنته حينها اكبر عملية تحيل في تاريخ تونس.

هذه الازدواجيات متواصلة بل وصلت إلى حدود غير معقولة من التقلب والتعقد. هذا الأسبوع الأمين العام المستقيل قال بالحرف لتبرير دعمه للسبسي خلال السنوات الماضية وهو الآن يهاجمه: "لا يمكن بناء ديمقراطية بدون لاديمقراطيين". بما يعني انه يعلم أن السبسي لاديمقراطي وأدار حملته الانتخابية.

حمادي الرديسي أستاذ جامعي في العلوم السياسية انخرط في تأسيس النداء والترويج له اعترف الآن انه مجرد "تجمع دستوري" ثاني (في إشارة لحزب دكتاتورية بن علي). أي طالب علوم سياسية مبتدئ كان يستطيع أن يرى مسبقا ما يقوله الآن ولا ينتظر كل هذا الوقت. غير انه قرر أن يقول ذلك الآن فقط لان حزب السبسي اختار التحالف مع حزب النهضة الإسلامي. فقط العمى الأيديولوجي يستطيع أن يمنع جامعيا من رؤية بديهيات طفولية. وهذه ليست حالة معزولة.

والحقيقة أن اهم مؤشرات الوضع الحالي هو أن احد الشقوق بصدد العودة لمربع المزايدات الأيديولوجية الطفولية القائدة على استئصال الضد الفكري الإسلامي تحت شعار "المش روع البورقيبي المعاصر".
ويقود ذلك الأمين العام المستقيل. ومسار الأخير مثير للانتباه في درجات التقلب.

في البداية يدير الأخير حملة انتخابية لعامين تحت شعار "الدم الأحمر والأسود" ويساهم في انتخاب السبسي على قاعدة التحريض على الإسلام السياسي. ثم يشكل ويصوت بعد الانتخابات على حكومة تجمعه بالإسلام السياسي، يمدح حكم "التوافق" عاما كاملا. بل يقول في واشنطن في جلسات مغلقة أن "التحالف الاستراتيجي بين النداء والنهضة يجب أن يبقى عشر سنوات"، يرافقه في هذه الجلسات احد اهم داعمي النهضة بصفة "مستشار اقتصادي".

ثم يخسر معركة القيادة في حزبه أو ما تبقى منه فيسعى لحشد ما تبقى من اتباع على قاعدة الفوبيا الروتينية ضد الإسلام السياسي. والان يعيد الكرة بالحشد على قاعدة التحريض على الضد الفكري الإسلامي. 

لقد دافع لفيف من الحقوقيين والسياسيين منذ ثلاثين سنة عن حق الإسلام السياسي في الوجود السياسي السلمي وواجهوا ومنهم الدكتور المرزوقي منطق الاستئصال عندما اصبح ديانة رسمية لنظام بن علي بداية التسعينات. ومثله مثل غيره كان ضمن أقلية عاداها وشوهها النظام. 

وواصلت لوبياته نفس التشويه والتهجم عندما دافع على تحالف سياسي مع الإسلام السياسي عوض سياسة عزله وإقصائه في فترة الانتقال الديمقراطي. من قاد عملية التشويه والاستئصال ممن نظموا "مؤتمر سوسة". منهم من طالب صراحة باستنساخ نموذج السيسي.

مشهد "سوسة" والذي لا يمكن ألا يلاحظ المراقب المحايد وجه النفاق فيه هو مشهد موجع بلا شك لمن بنى سياساته وتصوراته على أساس الاستئصال وساهم في صناعة السبسي وأكبر عملية تحايل في تاريخ تونس على أساس سياسة عاطفية تحكمها الفوبيا. 

مشهد القبول المتزايد للإسلام السياسي السلمي "المتدمقرط" مؤشر إيجابي. وفي نهاية الأمر كان مستحيلا دون الجرأة السياسية والفكرية لتيار علماني وطني واجه بن علي ولوبياته برباطة جأش قبل وبعد الثورة. لكن ما يحصل الآن لا يتم ضرورة على أسس مبدئية وإيمان جدي بالديمقراطية بل على أساس موازين القوى في الداخل والخارج. بل يتم أيضا على قاعدة خرق الدستور وأسس الجمهورية.. وتطبيع هذا الخرق بمساهمة وصمت أعضاء التحالف الحاكم. 

يبقى أن موازين القوى ليست ثابتة. وعودة الاستئصال القائم على الضد الفكري ستبقى احتمالا قائما كل ما بقيت اللوبيات التي قامت عليها الثورة قوية ومؤثرة. فهي وحش يعيش على الدم. خصم هذا الشعب هذه اللوبيات سواء قبلت بالإسلام السياسي وطوعته أو استأصلته. وكل تزييف لوعي المواطنين بالصراع الوهمي إسلام/علمانية يقوم بالأساس بالتغطية عليها. المهمة الأساسية في تونس هو بناء يسار اجتماعي شعبي يجمع الإسلامي بالعلماني على قاعدة الاستئصال المتدرج والسلمي والقانوني لهذه اللوبيات التي تمص دماء هذا الشعب. مشروع #الإرادة مع قوى أخرى يجب أن يكون ويبقى كذلك.
التعليقات (0)