كتاب عربي 21

النهايات... بدايات

نور الدين العلوي
1300x600
1300x600
إذا وقعت بين يديك رواية عبد الرحمن منيف "النهايات" فستجد فيها ما يشبه نبوءة لما يجري في لحظتنا. فكرة الإفحاش في القتل تنتهي بالصيادين إلى إبادة الطرائد، غلواء المال والقوة تنتج موتا جماعيا ينهي الأرض الفقيرة التي تتحرك فوقها، لكن في ذلك الفناء يوجد ميلاد عبقري فالحياة تستمر رغم القتل الجماعي، والقتلة أيضا ينتهون لتبدأ دورة جديدة لها آلامها ولها قتلتها لكن هذا هو المجتمع الإنساني الذي لم تفلح الأديان في إصلاحه.

هذه الأيام يسود شعور عام بعد تعري الدور الروسي في سوريا بأن هناك نهايات ماحقة وبدايات ستعلن عن نفسها، وأن هناك شعور من يرى العاصفة قادمة ولا يجد مهربا.

الخريطة تهتز

الربيع العربي هز الخارطة العربية وأربك هدوء 60 سنة من الاستقرار في الظلم والقهر، وصار من المستحيل العودة بالشعوب إلى ما قبل 17 ديسمبر 2010 التونسية؟ لقد حطّم ولا يزال الدولة العربية التي أفرزتها معركة الاستقلال (البعض يسميها ما بعد الكولونيالية)، وهذا التحطيم لم يكن منهجيا ولا طبقا لخريطة ثورية مثلما عهدنا في كراسات الثوريين السائرين على نمط مدرسي.

كل دولة عربية ممن شهد الثورة سار بطريقته الخاصة، وشهد ثورته المضادة الخاصة به، ولكن النتيجة واحدة بقطع النظر عن خطوات التقدم (أو التراجع) على طريق التغيير. الشعوب العربية التي عانت القهر والاستغلال ورأت الخيانات عارية لن تعود إلى الوراء وترضى بوضع ما قبل 2011 العربي.

وهذا الطموح المضطرب في سيره ولكن الثابت في قلوب الناس، سيثمر التغيير الشامل وبناء الديمقراطية وتثبيت الحريات إلى الأبد، والمعضلة التي تثير إحباط الكثير من المؤمنين بهذا التغيير الحتمي هي الوسيلة الأنجع في الزمن الأقصر؟ كيف نختصر الزمن إلى التغيير ونقضي على البقية الباقية من الدولة العربية التي انهارت تماما في النفوس ولم يبق منها إلا أجهزة قمعية قاصرة على الفعل؟

أمام هذا السؤال المفصلي نكتشف أمرا مهما للغاية. يطرح بدوره سؤالا بالغ الأهمية؟ هل يمكن قطع بقية الطريق نحو الحرية بهذه النخب العربية التي ربتها الديكتاتوريات الغاشمة؟. وهو سؤال يجر أسئلة أخرى، كيف يتم تجاوز النخب القديمة دون خلق نخب جديدة؟ ومن سيخلقها وكيف ومتى؟ هنا يتحدد إيقاع التقدم على مسار التغيير الطويل؟

الإيقاع المضطرب على طريق التغيير 


الربيع العربي نزف كثيرا من الصراع بين الفصائل السياسية المؤدلجة، بل إن الإعاقة الكبيرة أصابته من هناك، ولكن انتهازية النخب التي تزعم البقاء خارج الإيديولوجيا أصابته بإعاقة أخرى ومن العسير في المدى المنظور تجاوز هذه الإعاقات. وهناك عاملان مهمان يتعلقان بسلوك النخب السياسي في قيادة المرحلة ما بعد الثورة فتحا الباب عريضا لعودة النظام القديم وخاصة في الحالة المصرية والتونسية.

أولا: الرفض المبدئي للتنسيق الميداني والمرحلي من قبل التيارات العلمانية (يسار وقوميين) مع فصائل الإسلام السياسي (وأخص الإخوان المسلمين وتفرعاتهم القطرية وإن زعمت الاختلاف في الاجتهاد).

ثانيا تصرف تيارات الإسلام السياسي كطوائف مغلقة على نفسها نتيجة الغرور الانتخابي الذي أفرزته الصناديق في أول انتخابات حرة.

هذا التنافر السياسي ضرب التجربة في مقتل وإن لم يجهز عليها. ولا تبدو في الأفق أن التجربة ستلهم الطرفين إجابة مختلفة فالمتاريس قائمة بعد والعداوة على أشدها رغم خسران هؤلاء لمكاسب حقيقية حصلت لهم وأهمها الحرية. لقد وصل الأمر بالتيارات القومية واليسارية إلى الترحيب بالغزو الروسي لسوريا بعد أن تبين أن المقاومة السورية من غير داعش ومحركيها في المنطقة يمكن أن تربح الميدان ضد نظام الأسد، وهذه المقاومة في عمقها إخوانية أو ليست قومية بعثية وليست معادية لاحتمال وجود الإخوان في ما بعد الأسد، وهذا الموقف الفرح بالغزو ما دامت نتيجته محق الاحتمال الإخواني لا يختلف في شيء عن الترحيب بالانقلاب العسكري المصري في صيف 2013 ضد حكم الإخوان، وهو مماثل لما قام به اعتصام الرحيل التونسي المستقوي بالنظام القديم لإسقاط حكم النهضة ومن تحالف معها.

كما أن هذا التنافر كان في تقديري سببا لأمور كثيرة منها: 

أولا: (وهذا صار معروفا) عودة المنظومات القديمة بكامل عدتها البشرية وبرامجها الفاشلة.
ثانيا: إثبات عجز النخب عن النقد الذاتي والتقدم وبالتالي فقدانها القدرة على إعادة النظر في مشروع التحرر الوطني وبناء الديمقراطية. 
ثالثا: توضيح الطريق تدريجيا لجيل آخر ونخب أخرى تقف خارج هذا الصراعات الأيديولوجية.

وهنا نجد تقدم مشروع الربيع العربي المختلف عليه. لقد مكَّن وفي وقت سريع من الفرز الفكري والسياسي وسمح بالحكم على النخب التي زعمت قيادته من خارج السلطة طيلة عقود ممارسة المعارضة. إنه فرز معقول ينبني على أن الحرية والديمقراطية فوق الأحزاب والشخصيات والأفكار المستهلكة والتي لم تصل عمليا إلى قيادة الثورة الشعبية وإنما أربكتها ودجّنت شبابها في محاولة الإبقاء على الوضع القائم، ولم يعد يمكن الرجوع إلى الوراء وإن كان التقدم إلى الأمام ليس سريعا ويتعرض إلى أعطال يومية.

الاستقواء بالأجنبي

جاء التدخل الروسي في سوريا كمحاولة أخيرة من الخارج المعادي للربيع العربي للإجهاز بالحديد والنار على الثورة السورية الشرعية والمشروعة من أجل إبقاء نظام الأسد مَكَانَه، أي العودة بسوريا إلى ما قبل مارس 2011، دون طرح السؤال عما سيقدمه النظام لشعبه وهو المسنود من خارجه بقوة عسكرية والذي يرزح جزء من ترابه تحت الاحتلال المباشر. هل بإمكان هذا النظام تحسين شروط الحكم وبناء الحريات التي يحق للسوريين المطالبة بها؟ لن يفعل مطلقا بل سيشدد قبضة الحديد والنار على شعب ثار وملك السلاح وتجاوز حاجز الخوف، وسيؤجل التدخل العسكري سقوط النظام ولن يعيد بناءه على قاعدة الديمقراطية، فضلا عن تشريع وجود الإرهاب الداعشي الذي سيتحول من حركة إجرامية إلى تمثيل دور حركة تحرير.

يوجد في المشهد لاعب غير نمطي هو اللاّعب الإيراني الذي يشارك في المعركة بروح طائفية، استخدمها بنجاح في العراق ومرَّ بين الطوائف المتعايشة ليسرق العراق من أهله، ثم يتسلل داخل الربيع العربي من بوابة الممانعة والمقاومة العزيزة على الجمهور العربي. لقد وقف منذ اللحظة الأولى ضد الثورات العربية واتهمها بالتموّل من الأمريكي وخدمة أجندته (رغم أنه حرّض موجة الثورة بقوة في البحرين لكن بعقل طائفي). هذا اللاعب يجيَّر المنطقة لمصلحته الإيرانية القومية، (والفستق يفتح له الطريق) وهو أحد أشد الحريصين على الاستفادة من لحظة اهتزاز الأنظمة الديكتاتورية ليغنم ضمن أفقه القومي العنصري الطائفي المعادي للحرية. لقد قرأ الربيع العربي منذ انفجاره كموجة كاسحة ضد مصلحته القومية ولم يتوان عن تخريبه، ويكفينا حججا أنه يقف في نفس الجبهة الآن مع محروق اليمن وسيسي مصر.

ما حظ هذه الأنظمة الرافضة للتغير في البقاء والاستقرار؟ 

لكن أبعد من إنقاذ الأسد من أزمته وفي سياق صراع القوى العظمى على المنطقة، ما هو الثمن الذي سيدفعه الروس والسوريين للأمريكي الذي لن يفرط في حلفائه ومكاسبه وخاصة النظام السعودي المنهار عسكريا في حرب اليمن؟ (طبعا مصالح إسرائيل خارج التفاوض).  

الأنظمة العربية الأربعة الكبرى تعود للاستقرار ضمن سياقها القديم وترعى شبكة مصالح حماتها الخارجيين (مصر تحت حكم العسكر وسوريا تحت حكم البعث والسعودية لملوكها والعراق لشيعته). إني أرى القوم في نهاية 2015 ونتيجة التدخل الروسي الإيراني في وضع مماثل لسنة 2010.

هنا يتجلى تأثير الربيع العربي البسيط والشعبي والخارج عن كل منوال الثورات الكونية.

لقد ساق ريح التغيير إلى المنطقة بقوة فتآكلت قاعدة الأنظمة البائدة وفقدت كل إمكانية للاستمرار إلا بالدم، وكشف نفاق الممانعين الذين تمعّشوا من القضية العربية الأولى. تفرط الحكومات الآن في الدم وتمارس الخديعة لكن الجمهور الواسع فهم اللّعبة واستوعب الكثير. (لا أتحدث بأرقام ولا تقديرات مادية للأسف) لكن لا أسمح لنفسي بالتشكيك في وعي الشعوب وقدراتها على إحداث المفاجأة.

في لحظة غير محسوبة من قبل النخب، فقد فاجأت هذه الشعوب النخب التي تنعتها بالجهل والدروشة، ويمكنها أن تفعل ثانية. إن إحدى علامات وعي العامة هي السخرية من النخب التي تزعم معرفة الطريق وتتصدر للقيادة، ولقد صنفتها الشعوب (الجاهلة) ضمن النظام الذي يجب أن يسقط.

الاختلاف مازال قائما فقط حول الكلفة البشرية والزمنية. ستجعل الأنظمة البائدة الكلفة عالية ولكن لا يمكنها ردها. الزمن (الصبر) والكلفة (الدم) هما ثمن النهايات والبدايات، لتكتب الرواية العربية القادمة وتتهيأ للأجيال التي لا تشترى بالدولار ولا بالفستق.
التعليقات (0)