أعادت قضية
مانشستر سيتي، بعدما أفادت تقارير بريطانية بأن النادي مذنب في 114 من أصل 115 مخالفة للقواعد المالية للدوري الإنجليزي الممتاز، تسليط الضوء على استثمارات إماراتية أخرى في بريطانيا وأوروبا واجهت خلال السنوات الماضية تحقيقات قضائية أو تنظيمية، وشبهات بشأن المحاباة وغياب الشفافية وتجاوز قواعد المنافسة.
ولا تزال قضية مانشستر سيتي نفسها غير منتهية، إذ يتوقع أن يستأنف النادي القرار، فيما لم تنشر اللجنة حتى الآن حكمها الكامل أو العقوبة المترتبة عليه. وينفي النادي باستمرار ارتكاب أي مخالفات.
وتتناول القضية، بين ملفات أخرى، دقة المعلومات المالية التي قدمها النادي إلى رابطة الدوري وعائدات الرعاية والصفقات المرتبطة بأطراف على صلة بمالكيه
الإماراتيين.
ولا تقع الحالات الأخرى جميعها في مستوى قانوني واحد؛ فبعضها يتعلق بإدانات وتحقيقات جنائية فعلية، وأخرى بمخالفات قانونية أو شبهات تضارب مصالح، فيما تدخل حالات أخرى في نطاق الرقابة على الدعم الحكومي والمنافسة والأمن القومي، من دون اتهامات جنائية بالفساد.
من مانشستر سيتي إلى عقارات المدينة
لا تتوقف استثمارات أبوظبي في مانشستر عند النادي، إذ دخلت "مجموعة أبوظبي المتحدة" المرتبطة بالشيخ منصور بن زايد (مالك النادي) في شراكة مع مجلس مدينة مانشستر عام 2014 تحت اسم "Manchester Life"، لتطوير أراض عامة في منطقتي أنكووتس ونيو إزلنغتون.
وأثار المشروع لاحقاً جدلاً واسعاً عقب دراسة أعدها باحثون في جامعة شيفيلد بشأن الشفافية والقيمة التي حصل عليها مجلس المدينة مقابل الأراضي العامة المستخدمة فيه.
وكشفت الدراسة أن أراضي عامة نُقلت بعقود انتفاع مدتها 999 عاماً إلى شركات تابعة لمجموعة أبوظبي المتحدة ومسجلة في جزيرة جيرزي، وهي مدة قال الباحثون إنها أطول بكثير من عقود مماثلة تتراوح عادة بين 150 و250 عاماً. كما وجدت أن 1468 وحدة سكنية أنجزت ضمن المرحلة التي درستها لم تتضمن أي مساكن مصنفة ضمن الإسكان الميسر.
وأثار الباحثون كذلك تساؤلات حول القيمة التي حصل عليها المجلس مقابل بعض قطع الأراضي وتركيبة ملكية الشركات المشتركة، معتبرين أن المشروع يطرح قضايا تتعلق بالشفافية والمساءلة وحماية الموارد العامة.
لكن مجلس مدينة مانشستر دافع عن الصفقة، وقال إن الأراضي خضعت لتقييمات مهنية مستقلة وإن الاتفاق حقق فوائد اقتصادية وعمرانية للمنطقة، في حين أكد المشروع أن الشركات المرتبطة به تدفع الضرائب المستحقة عليها وفق القانون. ولم تثبت أي جهة قضائية وجود فساد في الصفقة.
"موانئ دبي".. اعتراف أمام البرلمان
ومن أكثر الحالات وضوحاً في بريطانيا أزمة شركة "P&O Ferries"، المملوكة لمجموعة "موانئ دبي العالمية"، التابعة لحكومة دبي.
وفي آذار/ مارس 2022، فصلت الشركة 786 بحاراً بصورة مفاجئة ومن دون إجراء المشاورات المسبقة المطلوبة مع ممثلي الموظفين، واستبدلت عدداً منهم بعمالة تعاقدية.
وأقر الرئيس التنفيذي للشركة بيتر هيبلثويت أمام لجنتين في مجلس العموم بصورة صريحة بأن الشركة كانت تعلم بوجوب التشاور مع النقابات، قائلاً: "ليس هناك أي شك في أننا كنا مطالبين بالتشاور مع النقابات.. اخترنا ألا نفعل".
وخلصت لجان برلمانية لاحقاً إلى أن الشركة خرقت القانون، فيما قالت "P&O" إنها قررت تعويض العاملين عن عدم إجراء المشاورات. وفتحت دائرة الإفلاس البريطانية تحقيقاً جنائياً في القضية، لكنها أعلنت لاحقاً أنها لن تبدأ ملاحقة جنائية بعدما خلص مستشار قانوني مستقل إلى عدم وجود احتمال واقعي للإدانة.
ولا يتعلق الملف بالفساد المالي أو الرشى، لكنه تحول إلى واحدة من أكبر أزمات الحوكمة المرتبطة بشركة إماراتية في بريطانيا، خصوصاً بعدما أقر رئيسها علناً باختيار عدم الالتزام بإجراء قانوني ملزم.
قطاع الاتصالات
وفي قطاع مختلف، اصطدمت مجموعة الإمارات للاتصالات "إي آند" برقابة بريطانية وأوروبية بعد توسعها في قطاع الاتصالات.
ففي بريطانيا، اعتبرت الحكومة أن الاتفاق الذي يمنح المجموعة الإماراتية نفوذاً في شركة "فودافون" يمكن أن ينشئ مخاطر على الأمن القومي، نظراً إلى دور الشركة البريطانية في شبكات الاتصالات والأمن السيبراني والخدمات المقدمة للحكومة.
وفرضت لندن قيوداً على ترتيبات مجلس الإدارة وأنشأت لجنة خاصة للأمن القومي لمراقبة الأعمال الحساسة. ولم تتهم الحكومة المجموعة الإماراتية بسلوك فاسد، وإنما تعاملت معها باعتبارها استثماراً يحتاج إلى ضمانات أمنية إضافية.
"تلغراف".. استثمار تسبب بتغيير القانون
ووصل الجدل إلى قطاع الإعلام عندما حاولت مجموعة "RedBird IMI"، المدعومة بأموال من شركة "الشركة الدولية للاستثمارات الإعلامية" في أبوظبي، الاستحواذ على مجموعة "تلغراف" البريطانية.
ودفعت الصفقة الحكومة البريطانية إلى فتح مراجعة رسمية تتعلق بحرية التعبير ودقة تقديم الأخبار، فيما خلصت مراجعة "أوفكوم" إلى وجود روابط واسعة بين جهات مرتبطة بالمستثمر وبين الحكومة الإماراتية وشركات تملكها الدولة، معتبرة أن وجود دولة أجنبية في موقع يسمح لها بالتأثير في صحيفة بريطانية يمكن أن يخلق حافزاً للتأثير في تغطيتها بما يخدم مصالح سياسية أو تجارية أو سمعة تلك الدولة.
وأدت القضية إلى تحرك تشريعي أوسع، قبل أن تعلن الحكومة البريطانية حظراً على امتلاك أو سيطرة أو تأثير الدول الأجنبية في الصحف البريطانية، لتتراجع "RedBird IMI" في نهاية المطاف عن مسار الاستحواذ، في
بيان رسمي.
اظهار أخبار متعلقة
امتداد إلى أوروبا
أما في الاتحاد الأوروبي، ففتحت المفوضية الأوروبية تحقيقاً معمقاً في استحواذ "إي آند" على أجزاء من مجموعة "PPF Telecom".
وخلص التحقيق إلى أن "إي آند" وهيئة الإمارات للاستثمار تلقتا دعماً من الحكومة الإماراتية، بينها ما وصفته المفوضية بضمان حكومي غير محدود، إضافة إلى منح وقروض وأدوات مالية أخرى.
وقالت المفوضية إن هذه المساعدات لم تغير نتيجة عملية الاستحواذ، لكنها كان يمكن أن تمنح الشركة قدرة مالية إضافية تشوه المنافسة بعد إتمام الصفقة، فأقرت الاستحواذ مقابل التزامات، بينها إزالة الضمان غير المحدود ومنع تدفق بعض أشكال التمويل الحكومي الإماراتي إلى أنشطة الشركة الأوروبية.
فساد وصل القضاء الإسباني
أما الملف الأكثر اتصالاً بقضايا
الفساد المالي فيرتبط بصندوق "الاستثمارات البترولية الدولية" في أبوظبي "IPIC" وشركته التابعة "أبار للاستثمارات".
وكانت "أبار" إحدى أبرز أدوات الاستثمار الإماراتي في أوروبا، ودخلت عام 2009 إلى شركة "دايملر" الألمانية باستثمار بلغ 1.95 مليار يورو منحها حصة 9.1 بالمئة، إلى جانب استثمارات واسعة في مصارف وشركات أوروبية أخرى.
وكان رجل الأعمال خادم عبدالله القبيسي يشغل منصب المدير الإداري لـIPIC ورئيس "أبار" خلال الفترة التي تحولت فيها المؤسستان إلى لاعبين رئيسيين في الاستثمارات العالمية.
وظهر اسم القبيسي لاحقاً بصورة بارزة في فضيحة صندوق "1MDB" الماليزي، التي قالت وزارة العدل الأمريكية إن أكثر من 4.5 مليار دولار اختُلست خلالها.
وبحسب
وثائق وزارة العدل، حول صندوق 1MDB نحو 1.367 مليار دولار من حصيلة إصدار سندات إلى حساب شركة مسجلة في جزر العذراء البريطانية تحمل اسم "Aabar Investments PJS Limited"، وهي ليست شركة "أبار" الأصلية التابعة لـIPIC، لكنها حملت اسماً شديد الشبه بها.
وكان القبيسي ومحمد بدوي الحسيني، المدير التنفيذي لـ"أبار" آنذاك، عضوين في إدارة الشركة الموجودة في جزر العذراء، وقالت وزارة العدل إن الحساب استخدم في تحويل أموال اختُلست من 1MDB.
وفي 2019 حكمت محكمة في أبوظبي على القبيسي بالسجن 15 عاماً وعلى الحسيني بعشر سنوات، مع إلزامهما بدفع نحو 300 مليون يورو.
البلقان.. صفقات بلا مناقصة
برزت الاستثمارات الإماراتية في البلقان كنموذج آخر أثار انتقادات تتعلق بالمنافسة والشفافية.
ففي صربيا، تولت شركة "Eagle Hills" الإماراتية تطوير مشروع "Belgrade Waterfront" بالشراكة مع الحكومة، وهو أحد أكبر المشاريع العقارية في العاصمة.
وأصدرت بلغراد قانوناً خاصاً بالمشروع سمح بنزع ملكيات خاصة لاستخدامها في تطوير عقارات ومرافق تجارية، وفتح الباب أمام استثناءات من إجراءات المشتريات العامة والبناء والضرائب.
وقالت منظمة الشفافية الدولية إن القانون سمح بتجاوز إجراءات المنافسة العامة، وإن المستثمر الإماراتي اختير من دون مناقصة مفتوحة، بينما أثارت وكالة مكافحة الفساد الصربية نفسها ملاحظات على مخاطر الفساد الناتجة عن بعض أحكام القانون والصلاحيات التقديرية الواسعة.
وتكرر جانب من هذا الجدل في ألبانيا، حيث تقود "Eagle Hills" مشروعاً بقيمة نحو ملياري يورو لإعادة تطوير واجهة ميناء دوريس وتحويلها إلى مشروع سياحي وعقاري.
وحصل المشروع على وضع "مستثمر استراتيجي"، ما منحه أراضي عامة وإعفاءات ضريبية وإجراءات سريعة، بينما جرى اختيار المستثمر عبر تفاوض مباشر وليس مناقصة مفتوحة.
وتمتلك الجهات الخاصة 67 بالمئة من شركة المشروع مقابل 33 بالمئة للدولة الألبانية، في حين حذر البرلمان الأوروبي من ضرورة إخضاع مشاريع البنية التحتية في ميناء دوريس لقواعد الشفافية والمنافسة والمشتريات العامة التي تلتزم بها ألبانيا في إطار علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، وفقا لمؤسسة "
كارنيغي للسلام".
وتوسعت الانتقادات إلى مونتينيغرو بعد توقيعها اتفاقاً مع الإمارات في 2025 يتعلق بالسياحة والتطوير العقاري.
وحذرت منظمة الشفافية الدولية في
بيان من أن الاتفاق يسمح بإعفاء العقود والبرامج المرتبطة بمستثمرين إماراتيين من قوانين المشتريات والمناقصات والمنافسة، ما يتيح إبرام عقود مباشرة ويهدد، بحسب المنظمة، مبادئ الشفافية والمساواة بين المستثمرين، فضلاً عن إمكانية تعارضه مع التزامات البلاد في طريق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.