أفكَار

عبد الله جاب الله: الزهد في الدنيا لا يعني ترك واجب عمارة الأرض

عبد الله جاب الله: حب الدنيا وكراهية الموت أحد أكبر أسباب ما حلّ بنا من فتن واختلافات وفوضى
عبد الله جاب الله: حب الدنيا وكراهية الموت أحد أكبر أسباب ما حلّ بنا من فتن واختلافات وفوضى

يواصل الداعية والسياسي الجزائري عبد الله جاب الله، في هذه السلسلة من المقالات الفكرية، التي كتبها للنشر المتزامن بين "عربي21" وصفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، رصد ما يسميه بعوامل الضعف الذي أصاب حياة المسلمين الدعوية والسياسية، وهي آراء تمزج بين الوصف والمراجعة، بالنظر إلى التجربة التي خاضها الشيخ عبد الله جاب الله كداعية وناشط سياسي في الجزائر.

حب الدنيا وكراهية الموت
 
من المعوقات أيضا، حب الدنيا وكراهية الموت. قلت في كتابي "حتى يغيروا ما بأنفسهم": لقد بيّن الإسلام حقيقة الدنيا للمسلم حتّى لا يغتر بها ولا ينخدع بزهرتها، فلا يقع أسيرا لها، وإنما ينطلق فيها ليبني الدار التي سيستقر فيها ويكون فيها من الخالدين، ولذلك تجده حريصا على معرفة الأعمال التي تجعله من الفائزين.

لذا؛ يعيش في دنياه زاهدا فيها كأنه غريب أو عابر سبيل، فالدنيا في يده وليست في قلبه، ووراء ظهره وليست بين يديه. وأن همَّه فيها أن يجعلها معبرا يصل به إلى الآخرة، وأنّ عليه فيها أن يتعرف على ما أمره الله به فيأتيه، وما نهاه عنه فيتركه، فإذا قوي إيمانه، عمل على ترك الفضول من الحلال مخافة الوقوع في الحرام. 

إنّ الزهد في الدنيا لا يعني التفرغ الكامل للصلاة والقيام والصيام، وترك القيام بواجبات عمارة الأرض، فتلك رهبانية ليست من الإسلام: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾[الحديد:27].

والرهبانية فيها من الضلال في العقيدة والبدع في العبادة والفساد في التصور، وفيها من موت الغيرة على المسلمين، والقعود عن العمل لصالحهم وصالح أوطانهم، ما يجعلها بعيدة عن الدين وضارة بالمسلمين.

وليس الزهد في الدنيا من هذا القبيل، إنما هو من قبيل عدم الركون إلى الدنيا بعد الأخذ بأسبابها، وعدم الفرح بنتائجها إذا أقبلت، ولا الحزن عن ضياعها إذا أدبرت، أو هو كما قال ابن تيمية رحمه الله: "يكون الزهد؛ زهدا إذا كان عما لا ينفع؛ إما لانتفاء نفعه أو لكونه مرجوحا؛ لأنه مفوت لما هو أنفع منه أو محصل لما يربو ضرره على نفعه. وأما المنافع الخالصة أو الراجحة؛ فالزهد فيها حمق، وأما الورع؛ فإنه الإمساك عما قد يضر، فتدخل فيه المحرمات والشبهات؛ لأنها قد تضر. "فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه". وأما الورع عما لا مضرة فيه أو فيه مضرة مرجوحة ـ لما تقترن به من جلب منفعة راجحة أو دفع مضرة أخرى راجحة ـ، فجهل وظلم" .

إنّ الزاهد رجل شديد الحرص على مرضاة الله تعالى، فإذا قرأ ما يدعوه للاجتهاد في العبادة اجتهد فيها، وإذا قرأ ما يدعوه للاجتهاد في تنمية الأرض وبناء الوطن والسعي في إصلاح نفسه وإصلاح غيره، كان سبّاقا للقيام بأعمال التنمية والبناء، وأعمال الصلاح والإصلاح، وهكذا يكون شأنه مع أوامر الله تعالى ونواهيه؛ يأتي أوامره ويترك نواهيه، ومع ما يحبه الله تعالى ويرتضيه وما يبغضه الله تعالى ولا يرتضيه، يفعل ما يحبه الله تعالى ويدعو إليه ويرغب فيه، ويبتعد عن كل ما يبغضه الله تعالى ويحْذر منه ويحاربه ويحذِّر منه.

إنّ الزاهد رجل يعطي للدنيا حقّها وللآخرة حقّها، دليله في ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو الله تعالى بقوله: "اللّهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر". فهو يطلب الدين والدنيا والآخرة جميعا، ويدعو الله أن يصلحها له جميعا؛ لأنه لا غنى له عن واحد منها، ولا يستقيم واحد دون الآخر.

يقول الشيخ القرضاوي، رحمه الله، بعد حديثه عن التوازن المطلوب بين الروحية والمادية في الإنسان: "... ولم يشعروا قط بين عملهم لدينهم وعملهم لدنياهم، بل شعروا بالوحدة والانسجام والانشراح، كانت شعائرهم وواجباتهم الدينية تعطيهم زادا وشخصية قوية يواصلون بها الكفاح لدنياهم، وكانت أعمالهم الدنيوية عونا لهم على أداء فرائضهم الدينية، كانوا يعتقدون أنهم في عبادتهم ومساجدهم ليسوا مقطوعين عن الدنيا، كما أنهم في مزارعهم ومتاجرهم وحرفهم غير بعيدين عن الدين، فأعمالهم هذه عبادة إذا صحت فيها النية والتزمت حدود الله" .

إنّ الزهد في الدنيا بهذا المعنى لا يعني الفقر، ولا يعني تحريم الحلال ولا إضاعة المال، وإنما الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة ـ إذا أصبت بها ـ أرغب منك فيها لو لم تصبك، وإن الزهد بهذا المعنى هو الذي رغّب الله تعالى فيه.

 

إنّ الزاهد رجل شديد الحرص على مرضاة الله تعالى، فإذا قرأ ما يدعوه للِاجتهاد في العبادة اجتهد فيها، وإذا قرأ ما يدعوه للِاجتهاد في تنمية الأرض وبناء الوطن والسعي في إصلاح نفسه وإصلاح غيره، كان سبّاقا للقيام بأعمال التنمية والبناء، وأعمال الصلاح والإصلاح، وهكذا يكون شأنه مع أوامر الله تعالى ونواهيه.

 



ومن الآيات المرغبة فيه: قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾[النحل: 96]. وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[الحديد:20]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾[النساء: 77]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾[الشورى:20].

وقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما أخاف عليكم ما يفتح الله عليكم من زهرة الدنيا وزينتها". وقوله عليه الصلاة والسلام؛ "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".

إلى غير ذلك من نصوص القرآن والسنة التي بيّنت طبيعة الدنيا وحقيقتها، وكيف يتعامل معها المسلم ليفوز بسعادة الدنيا وفلاح الآخرة.  

حب الدنيا وكراهية الموت
 
من المعوقات أيضا حب الدنيا وكراهية الموت؛ إنّ الإنسان ما استحق التكريم والتفضيل على سائر المخلوقات إلا بما تميز به عنها، فكيان الإنسان شامل للجانب الجسدي والجانب الروحي والجانب الفكري، وبهذا الشمول في كيانه تميز عن المخلوقات جميعا، وهو لا يستطيع أن يمارس نشاطاته ويضطلع بمسؤولياته في العبادة والعمارة إلا بمجموع كيانه، ولا سبيل أمامه لفعل ذلك والنجاح في أداء أماناته المختلفة، إلا إذا نجح في إصلاح حاله وإصلاح مجتمعه.

لذا؛ كان منهج الله تعالى الذي وصفه لعباده للنجاة من الخسران هو منهج الصلاح والإصلاح، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[سورة العصر].

وكانت خلاصة مهمة الرسول عليه الصلاة والسلام والعلماء والدعاة الذين يسيرون على هديه ومنهجه، هي إصلاح الإنسان وإصلاح الحياة، وبيان ما يحقق ذلك ويقوم به على أعلى مستويات الكمال المقدور للفرد والمجتمع، وكان من أكبر قواصم ظهر الفرد والأمة، وسائر ما ينشئونه من مؤسسات وهيئات ـ من الدولة بمفهومها الواسع إلى التنظيمات التي تنشأ داخل المجتمع كالأحزاب والمنظمات والجمعيات ـ، إيثار الإنسان لدنياه وحبه لها وكراهية الآخرة والغفلة عنها، فمهمة إشباع شهواته وعمارة الجانب المادي في حياته، وكأن لسان حاله يردد ما وصف الله به أقواما هلكى، كان همهم في الحياة الجانب المادي منها يقولون: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾[الأنعام:29]؛ لأن هذا الذي يبعد الإنسان عن شرع الله تعالى ومنهجه في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والإعلامي وغيرها من مناحي الحية المختلفة، ويؤدي إلى الطغيان والفساد والتكالب على متاع الدنيا، والغلو والاستكبار عند النعمة واليأس والقنوط عند الشدة، ويجعل أصحابها وطلابها ليس لهم من همّ، إلا طلب المزيد منها بما حلل وما حرم.

وهذا للأسف هو الذي عليه واقع الأمة اليوم بفئاتها وشرائحها ومؤسساتها المختلفة، إلا ما نذر من أفراد قلائل إذا ما قيسوا إلى مجموع الأمة الذين يحاولون الإصلاح ويعملون من أجله، بإمكانات محدودة، وسط كمّ من المنتقدين لهم وأنواع من المتآمرين عليهم!

لذا، كان حب الدنيا وكراهية الموت أحد أكبر أسباب ما حلّ بنا من فتن واختلافات وفوضى واضطرابات وتبعية ذليلة للغرب.

هذه هي كبرى تجليات الغربة في هذا الزمن وأخطرها وأعظمها أثرا في واقع الأمّة؛ لأنّها أصل والبقيّة توابع، وقد قاد ذلك إلى هبوط الأمّة من القمة الشامخة التي وصلت إليها بالإسلام والمسؤولية المزدوجة والاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام واتّباعه في كل ما أمر به ونهى عنه، إلى تبعية عمياء للغرب في جميع جوانب الحياة ومظاهرها.


التعليقات (0)