كتب

نقاش استدراكي حول الهوية وأثر التنمية في دول الخليج العربية

قراءة علمية هادئة في طبيعة التكوين الاجتماعي لدول الخليج العربية- (عربي21)
قراءة علمية هادئة في طبيعة التكوين الاجتماعي لدول الخليج العربية- (عربي21)

الكتاب: "التحولات الاجتماعية في دول الخليج العربية"
المؤلف: مجموعة مؤلفين
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2021


عرفت دول الخليج العربية في الثلث الأخير من القرن العشرين عمليات تحديث واسعة، تشابه ما عرفته دول المشرق العربي بعامة في حقبة ما بعد الاستعمار. غير أن بريطانيا، التي كانت تفرض حمايتها على العديد من هذه الدول، عملت على ضمان استمرارية البنى التقليدية القائمة في دول الخليج، بعكس سياستها في دول عربية أخرى، وهو الأمر الذي ساهم في المحافظة على نظام المشيخة حيث مثلت القبيلة ناظم السلطة وجوهرها. 

وبسبب الانتقال السريع لمجتمعات الخليج العربية من الحالة التقليدية إلى حالة التحديث خلال جيل واحد شهدت هذه المجتمعات ما يشبه الصدمة الثقافية، حيث يمكن ملاحظة مزيج هجين من الأفكار والسلوكيات التي يعبر عنها في الرغبة بامتلاك وسائل الحداثة وأدواتها، والارتباط في الوقت نفسه بقوة بالماضي وما يتصل به من عادات وتقاليد. 

وفي الوقت الذي ما زالت فيه القبيلة تحتل موقعا مركزيا في النظام السياسي والاجتماعي الخليجي تبرز مفاهيم كالمواطنة والهوية الوطنية لتتبوأ مكانا محوريا في الخطاب السياسي لدول المنطقة. 

هذا جزء من المقدمة التي وضعها الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مروان قبلان لمجموعة من الدراسات التي ترصد هذه القضية، والتي قدمت في الدورة الخامسة لمنتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية في العام 2018. 

يقول قبلان إنه على الرغم من التحولات الاجتماعية والاقتصادية في منطقة الخليج العربية فإنها ومجتمعاتها لا تزال تفتقر إلى رصيد بحثي وأكاديمي في هذا المجال، إذ يصعب العثور على بحوث تتناول المجتمعات الخليجية وبناها وتحولاتها، حيث يرتبط ذلك بالحساسية السياسية المرافقة لمناقشة مثل هذه القضايا التي تنفتح على موضوعات القبيلة والطائفة والعرق وعلاقتها بالدولة ومشروع التحديث.

مرحلة تنموية جديدة

في القسم الأول من الكتاب، الذي يحمل عنوان "الهوية والقبيلة في دول الخليج العربية" يناقش أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولجيا يعقوب الكندري تراجع الهوية الوطنية في الكويت، في مقابل تنامي الهويات الفرعية، وأثر ذلك في استقرار المجتمع الكويتي، حيث تتراجع مكانة قيم الانتماء والمواطنة فيه. 

ويرى الكندري أن  الأحداث الاجتماعية والمتغيرات الداخلية والخارجية والصراعات السياسية أثرت على نحو كبير في مفهوم الهوية الوطنية، ومقدار الشعور بها، مشيرا إلى أن ثمة عوامل ومتغيرات سلبية أضعفت الهوية الوطنية، وأثرت على مقوماتها، قد يكون أبرزها ما يتصل بالوسائل الإعلامية على اختلافها، وبخاصة القنوات الفضائية غير الرسمية التي ساهمت في تأجيج بعض القضايا الفئوية والطائفية والمذهبية داخل المجتمع المحلي.

وتحت عنوان "التحول اللغوي في دول الخليج العربية وأثره في الهوية المحلية والإقليمية" يؤكد أستاذ اللغويات التطبيقية قاسم علي شعبان أن سكان الخليج يدركون جيدا القيمة الرمزية للغة العربية في حياتهم كهوية اجتماعية وثقافية، ولغة تواصل يومي، ولغة تعليم، وحلقة وصل بالتاريخ الإسلامي والعربي. لكنه يشير أيضا إلى تحول رئيسي في موقفهم نحو لهجاتهم العامية، حيث يظهرون مزيدا من القبول للتنوع اللغوي وامتزاج القواعد بين الفصحى والعامية في ميادين ووظائف كثيرة، انطلاقا من الاعتقاد أن كلا الشكلين من وجوه اللغة العربية التي يفهمها معظم المتحدثين. 

تحول آخر يرى شعبان أنه لافت هو ازدياد شعبية اللغة الأنجليزية بوصفها وسيلة للتواصل في مجالات مهنية وعلمية معينة، ووسيلة للتعليم في بعض المدارس والتخصصات الجامعية، وهو ما يعتبره إهمالا للعربية وتقزيما لها عندما خدمت بالكلام فحسب، من دون بذل جهد جدي ومثمر لدعمها وتعزيز وظائفها ومنزلتها، بحسب تعبيره.  

أما الباحث العماني، المهتم بقضايا الديمقراطية، مبارك بن خميس الحمداني فيجادل في دراسته بأن عمان رغم انتقالها إلى مرحلة تنموية جديدة، من حيث بنى الحكم وأسس النظام السياسي،لا تزال القبيلة فيها تمثل مكونا اجتماعيا وسياسيا رئيسيا من مكونات بناء الدولة. 

وبحسب دراسة ميدانية أجراها الحمداني فأن ثمة تباين في الآراء بشأن استطاعة الدولة الحديثة بناء منظومة واضحة للمشاركة الديمقراطية وتحييد دور القبيلة في التأثير فيها، بسبب تجذر الثقافة القبلية وتماسها المباشر مع ثقافة المشاركة السياسية في المجتمع. 

 

أن حصر الهوية الخليجية في المواطنين المحليين فعل مقدر له الانتهاء ويدفع إلى مصير مقلق لجميع دول السياق الخليجي، لذا فإن حقبة ما بعد الهوية هي في صميم مفهومها تمثل هوية جديدة، لكنها دينامية، ترفض وجود مجتمع من اللامنتمين المقيمين فترات زمنية تعاقدية طالت أم قصرت.

 


كما أن هناك تباين في توجهات الأفراد الذين شملتهم الدراسة بشأن الاعتبارات القبلية في مسألة التعيين في المناصب الحكومية، الذين يرون أيضا أن للانتماء القبلي تأثيرين مباشرين في السياسات العامة والعمليات الرئيسية في الدولة، الأول يتمثل في تقويضه لأداء الأجهزة الرقابية والحوكمة، والثاني يتمثل باعتبار الانتماء القبلي سببا رئيسيا في كثير من حالات الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الدولة. 

من جهة أخرى فإن القبيلة لا تزال تراوح بين ممارسة أدوارها التقليدية، والتخلي عن هذه الأدوار لمصلحة مؤسسات الدولة، فهي تؤدي أدوارا داعمة للقيم الرئيسية لفكرة الدولة ومنها تقديم قيم الوحدة الوطنية إلى أفرادها، وحفظ هوية المجتمع، ودفع الأفراد إلى الالتزام بالقيم العامة. يشير الحمداني أيضا إلى أن هناك تقلص نسبي لدور القبيلة في التأثير في قرارات الفرد، وتقلص في السلطة الرمزية لقيم القبيلة، فالقبيلة والوازع القبلي ما عادا يحدّان على نحو كبير من مشاركة الأفراد بحرية وإبداع في تنمية المجتمع.

هوية دينامية

في القسم الثاني من الكتاب الذي يحمل عنوان "التنمية والتحديث.." يناقش مهران كامرافا، مدير وحدة الدراسات الإيرانية في المركز العربي للأبحاث، ماهية الآثار الاجتماعية التي تتركها المدن الناشئة حديثا في دول الخليج على سكانها، ويشير إلى أنه على الرغم من أن التوسع العمراني يخضع لقرار الحكام المحليين ورقابتهم، فإنه يسترشد بمنطق السوق العالمية، وبرغبة في إيجاد مشاهد عمرانية متطورة، ما يعني تحويل المدن الخليجية إلى مراكز إقليمية ودولية، ويستخدم كامرافا ثلاث مدن كنموذج للدراسة هي أبو ظبي والدوحة ودبي. 

أما الباحثان علي عبدالرؤوف وهديل علي فيستكشفان التحولات الرئيسية التي شهدتها المدن الخليجية المعاصرة في الفترة من 2008 ـ 2018، وهي فترة شهدت نمطا غير مسبوق من التنمية، وبخاصة العمرانية، ومجموعة متناقضة من التحولات الاجتماعية. 

ويركز بحثهما على هذه التحولات وكيف حاولت المدن الخليجية التحول من اقتصاد الموارد المعتمد على النفط والغاز إلى اقتصاد المعرفة، باعتباره مدخلا حتميا لعصر جديد، وهو تحول ووجه بمجموعة من التحديات بسبب الولاءات الاجتماعية التي تكونت في عصر ما قبل النفط. 

كما يركز بحثهما على التداعيات التي تركها حصار قطر من جيرانها الذين ينتمون إلى نفس مجموعتها اجتماعيا وجغرافيا، الأمر الذي طرح التساؤل حول تماسك الطرح التقليدي للهوية الخليجية. 

وفي هذا السياق يرى الباحثان أن حصر الهوية الخليجية في المواطنين المحليين فعل مقدر له الانتهاء ويدفع إلى مصير مقلق لجميع دول السياق الخليجي، لذا فإن حقبة ما بعد الهوية هي في صميم مفهومها تمثل هوية جديدة، لكنها دينامية، ترفض وجود مجتمع من اللامنتمين المقيمين فترات زمنية تعاقدية طالت أم قصرت. وحتى ينمو الاقتصاد المعرفي ويزدهر يحتاج إلى طبقة متوسطة، وهي طبقة شبه معدومة في دول الخليج، كما يحتاج إلى "موزاييك" بشري متلون الأديان والأعراق والأجناس من العقول المبدعة والمفكرة والمنتجة للمعرفة. 

ويتابع الباحثان أن تلك التركيبة المتباينة في بنية السكان هي إمكان تنموي هائل  وليست تهديدا لمفاهيم محدودة لعلاقة الإنسان بالمكان.

ويقدم كل من سيف بن ناصر المعمري، الأستاذ المشارك في جامعة السلطان قابوس، وزينب الغريبية، الخبيرة التربوية، دراسة حول مكانة تعليم الهوية الوطنية في كتب الدراسات الاجتماعية في الكويت وعمان والسعودية، باعتماد منهج مقارن لتوضيح مكانة الهوية الخليجية مقارنة بالهويات الوطنية والعربية والإسلامية. حيث بينت الدراسة أن التربية لا تزال مشروعا مهما من مشروعات تشكيل الهوية الوطنية، ونظرا إلى أهمية هذاالمشروع تقدم الدول الخليجية دعمها المادي والمعنوي للتعليم لأنها ترى فيه أداة فاعلة في تشكيل هذه الهوية وتعزيز الانتماء.

خصص القسم الثالث والأخير من الكتاب لمناقشة انعكاسات الأزمة الخليجية وحصار قطر، في يونيو 2017، على الهوية والقيم في منطقة الخليج، وشارك فيه ثلاثة باحثين هم: محمد هاشم الهاشمي، والعنود آل خليفة، ومريم محمد الكواري. ويطرح هذا القسم أسئلة إشكالية حول الهوية الخليجية الموحدة، وأسباب ضعف مشروع مجلس التعاون الخليجي، ومدى حضور رؤية استراتيجية متكاملة لأهداف وعمل المجلس. كما يركز على التحديات الرئيسية لبناء الهوية الخليجية الموحدة، ويبحث في سماتها، و العوامل التي أثرت في هذه الهوية خلال تطورها، وتحديد مستقبلها، ويرصد الخلافات السياسية بين الدول الخليجية، والتحديات السياسية والأمنية الاقتصادية التي تواجهها.


التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم