مقالات مختارة

لا اعتذار ولا ندم!

حسين لقرع
1300x600
1300x600

لا شكّ أنّ رفض الرئاسة الفرنسية تقديم أيّ اعتذار للجزائر عن جرائم الاستعمار، قد حزّت في نفوس الكثيرين؛ فبيان الرئاسة الفرنسية الذي صدر عقب تسلّم تقرير المؤرِّخ الفرنسي بنجامين ستورا، ينمّ في الواقع عن الكثير من الاستعلاء والصلف والاحتقار، وليس فيه ما يدلّ على أنّ فرنسا ترغب في فتح صفحة جديدة في علاقاتها مع الجزائر، وهي لا تزال تنظر إليها كدولة تابعة وبحاجة دائمة إليها، ولا تستحقّ أدنى اعتذار منها.

ولكن قبل أن نلوم فرنسا على موقفها المتعجرف، ينبغي أن نلوم أنفسنا، فهل يُعقل أن نطالبها بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية والاعتذار عنها، ونحن عاجزون حتى عن إصدار قانون يجرّم هذا الاستعمار؟

منذ سنة 2005 ونحن نسمع بمشروع قانون تجريم الاستعمار، ردا على قانون تمجيد الاحتلال الفرنسي للجزائر وباقي المستعمرات، لكن 16 سنة كاملة مرّت ولا أثر لهذا القانون الذي تحوّل إلى لغز حقيقي؛ فبين الفينة والأخرى يظهر بعض نواب الغرفة السفلى للبرلمان للحديث عنه، ثم يصمتون ويختفي مقترح القانون من دون تقديم أيّ تفسير للرأي العامّ، وتكرّر الأمر مرارا حتى فقد صدقيته ويئس الناس منه، وأضحوا متأكّدين تماما أنّ هذا القانون لن يصدر الآن، وقد ينتظرون سنوات طويلة أخرى قبل أن يرى النور، وقد لا يصدر أبدا.

 

وقبل أسابيع قليلة فقط، كشف نائب من جبهة التحرير الوطني عن أنّ الأمين العامّ للجبهة بعجي أبو الفضل قد عاتبه بشدّة، لأنه قاد حركة في البرلمان لتقديم مقترح قانون تجريم الاستعمار، وطالبه بالكفّ عن هذا المسعى. وحينما يفعل الحزبُ الذي حرّر البلاد ذلك، فهذا معناه أنّ القانون لن يصدر حتى يتغيّر الوضع جذريا وتدخل الجبهة المتحف كما يطالب الحَراك، لأنها خانت رسالة الشهداء والمجاهدين الذين ما بدّلوا تبديلا، وأصبح بعض أمنائها العامّين السابقين ووزراءُ مجاهدِين يشترون عقارات فخمة بفرنسا لقضاء بقيّة حياتهم فيها، ولا يُسألون: من أين لكم هذا؟ وكيف أخرجتم هذه الأموال من الجزائر؟

فرنسا إذن تعرف أنّ هناك خطابا رسميا مزدوجا في الجزائر، ولذلك تمدّ رجليها في كل مرة من دون أن تكترث بمطالب الاعتراف والاعتذار. ألم تُبدِ مارين لوبان قبل سنوات دهشتها من هذه المطالب التي يرفعها المسؤولون الجزائريون في كل مرة وهم يلهثون في الوقت نفسه وراء الإقامة أو التداوي في فرنسا وكذا إرسال أبنائهم للدراسة فيها؟!

ثمّ إنّ بلدا تحرّر من الاستعمار منذ قرابة 60 سنة، لكنه يرفض التحرّر من هيمنة لغته، وهو يمكّن لها بنفسه كلّ يوم في إدارته ومؤسساته وهيئاته المختلفة على حساب لغته الوطنية والرسمية، ويُبعِد أيّ لغة حية أخرى عن منافستها ولو في حقل التربية والتعليم، هو بلد تابع لم يستعد كامل سيادته بعد، ولا يستحقّ أن يحترمه مستعمِرُه بالأمس، وأن يعامله بندّية، فضلا عن أن يعترف بجرائمه بحقّه خلال الفترة الاستعمارية، يكفي فقط أن نرى مسؤولين وهم يحتقرون لغتهم الوطنية ويخاطبون الجزائريين بالفرنسية بكل تبجّح وصفاقة، لنعرف أنّ مطلب الاعتراف والاعتذار ليس سوى خطاب شعبوي سخيف لدغدغة العواطف، وأنّ فرنسا كانت صادقة تماما مع نفسها ومع بلادنا وهي تؤكّد أنه لا اعتذار ولا توبة ولا ندم.. ومن يهُن يسهل الهوانُ عليه.

(الشروق الجزائرية)

0
التعليقات (0)

خبر عاجل