رست، صباح الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول 2026،
السفينة العسكرية الطبية الصينية "السعادة" بميناء نواكشوط المستقل، في
زيارة تستمر ستة أيام، وتقدم خلالها خدمات طبية مجانية للمواطنين، في خطوة تحمل،
إلى جانب بعدها الإنساني والصحي، مؤشرات على استمرار تنامي التعاون بين
موريتانيا
والصين في المجال العسكري.
وتضم السفينة مستشفى عسكريا عائما، ومن
المقرر أن يقدم طاقمها الطبي استشارات وفحوصات وتحاليل طبية، إضافة إلى إجراء
عمليات جراحية، بمعدل يصل إلى نحو 600 استشارة يوميا على متن السفينة.
ولا تقتصر المهمة على الخدمات الطبية داخل
السفينة، إذ سيشارك الطاقم الطبي الصيني في تقديم خدمات صحية بعدد من المراكز
الصحية في العاصمة نواكشوط، كما سيشرف على دورات تكوينية لفائدة الطواقم الطبية
العسكرية الموريتانية، خصوصا في مجال الإسعافات الأولية.
حضور عسكري وطبي صيني في نواكشوط
وكان في استقبال طاقم السفينة لدى وصوله إلى
ميناء نواكشوط، الفريق البحري أحمد السيد بنعوف، قائد أركان البحرية الوطنية،
والصيدلاني العقيد محمد محمود جدو، المدير العام لخدمة
الصحة للقوات المسلحة وقوات
الأمن، إلى جانب والي نواكشوط الجنوبية وممثلة عن جهة نواكشوط وعدد من منتخبي
الولاية.
وشهد حفل الاستقبال تبادلا للخطب بين قائد
أركان البحرية الوطنية وقائد السفينة الصينية، في مراسم تعكس الطابع الرسمي
للمهمة، التي تجمع بين تقديم الخدمات الطبية والتكوين وتبادل الخبرات.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لكونها الثانية
من نوعها لسفينة طبية عسكرية صينية تصل إلى موريتانيا، ما يشير إلى استمرار هذا
النوع من التعاون بين البلدين، وعدم اقتصاره على
العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية
التقليدية.
تعاون يتجاوز البعد الإنساني
وبحسب المعطيات الرسمية الموريتانية، فإن
المهمة تعكس «عمق ومتانة» العلاقات بين نواكشوط وبكين، وحرص الجانبين على تعزيز
التعاون وتبادل الخبرات.
وتأتي المشاركة الصينية في المجال الطبي
العسكري في وقت تحرص فيه موريتانيا على تنويع شراكاتها الخارجية، خصوصا في ظل
موقعها الجغرافي الحساس بين منطقة الساحل والمحيط الأطلسي، والتحديات الأمنية التي
تشهدها منطقة غرب أفريقيا.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو زيارة السفينة
«السعادة» مجرد مهمة طبية عابرة، إذ تجمع بين المساعدة الصحية والتكوين العسكري
والتواصل المباشر بين المؤسستين العسكريتين في البلدين، وهي مجالات يمكن أن تشكل
أحد مسارات توسيع التعاون الثنائي مستقبلا.
موريتانيا وتنويع الشراكات الدولية
ويأتي الحضور الصيني في سياق أوسع تتجه فيه
نواكشوط إلى الحفاظ على علاقات متوازنة ومتعددة الاتجاهات مع القوى الدولية، بما
فيها
روسيا.
وخلال عام 2026، برزت مؤشرات على استمرار
تطوير العلاقات الموريتانية الروسية في مجالات عدة؛ فقد وقعت نواكشوط وموسكو مذكرة
تفاهم في مجال التعاون القضائي، كما بحث الجانبان خلال الأشهر الأخيرة تعزيز
التعاون الاقتصادي والاستثماري. وتشير تقارير حديثة إلى أن الاتصالات بين البلدين
شملت كذلك ملفات عسكرية وأمنية وتدريب القوات الموريتانية.
وتحافظ موريتانيا، في الوقت نفسه، على
علاقات مع شركاء غربيين وأوروبيين، في وقت تشهد فيه منطقة الساحل إعادة ترتيب
للتحالفات الأمنية، خصوصا مع اتساع الحضور الروسي في دول مجاورة مثل مالي والنيجر.
وقد سلطت تحليلات حديثة الضوء على حساسية موقع موريتانيا في مواجهة هذه التحولات،
مع سعي نواكشوط إلى الحفاظ على استقرارها وتجنب الانخراط في الاستقطابات التي
تشهدها المنطقة.
وبذلك، يمكن قراءة وصول السفينة الطبية
الصينية إلى نواكشوط باعتباره جزءا من سياسة موريتانية أوسع تقوم على تنويع
الشراكات الخارجية وتعزيز التعاون مع قوى دولية متعددة، مع إبقاء البعد الأمني
والعسكري حاضرا إلى جانب التعاون الاقتصادي والإنساني.