أثار قرار
الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية
مع
الإمارات جدلا بشأن دوافعه وخلفياته، بين من يرى فيه موقفا متأخرا من سياسات
أبوظبي في المنطقة، ومن يقرأه باعتباره خطوة محسوبة جاءت بعد تحركات جزائرية
لتأمين محيطها الاستراتيجي، ولا سيما في منطقة الساحل.
وفي حديث خاص لـ
"عربي21"، يطرح
القيادي السابق في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، علي بلحاج، أسئلة حادة حول توقيت
القرار وأسبابه، رافضا التعامل معه باعتباره موقفا مبدئيا قبل معرفة خلفياته
كاملة، ومذكّرا بما يصفه بسياسات إماراتية سابقة تجاه الربيع العربي وغزة
والمعارضة في المنطقة.
وفي المقابل، تقدم صحيفة "الخبر"
الجزائرية، نقلا عن أستاذ العلوم السياسية والمحلل السياسي نبيل كحلوش، قراءة
مختلفة، مفادها أن الجزائر لم تقدم على
القطيعة قبل تأمين قدر من العمق
الاستراتيجي في محيطها، خصوصا بعد استعادة علاقاتها مع مالي والنيجر وتقليص هامش
الحركة الإماراتية في جوارها الجنوبي.
وبين القراءتين، يبقى السؤال مفتوحا: هل
تمثل القطيعة الجزائرية مع أبوظبي تحولا مبدئيا في السياسة الخارجية، أم أنها
نتيجة لتراكم صراعات وحسابات جيوسياسية وصلت إلى نقطة اللاعودة؟
قرار القطيعة.. والخلاف يبدأ من تفسير
أسبابه
أعلنت الجزائر في 10 أيلول/سبتمبر 2026 قطع
علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، في خطوة جاءت بعد فترة طويلة من التوتر بين
البلدين.
وقالت الجزائر إن قرارها جاء بعد استنفاد
الوسائل الرامية إلى الحفاظ على
العلاقات، في ظل ما وصفته بأفعال اعتبرتها
استفزازية أو عدائية.
لكن إعلان القطيعة لم يغلق باب الأسئلة، بل
فتح نقاشا أوسع حول الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي دفعت الجزائر إلى اتخاذ
هذه الخطوة، وحول ما إذا كان القرار مرتبطا بملفات ثنائية، أم أنه يأتي ضمن إعادة
تموضع أوسع في الإقليم.
ومن هذه الزاوية تحديدا، تختلف قراءة بلحاج
عن القراءة التي نقلتها "الخبر" عن كحلوش.
بلحاج: "هل كانت القطيعة من أجل
المبادئ؟"
يتساءل بلحاج، في حديثه لـ "عربي21"،
عما إذا كان النظام الجزائري قد قطع علاقاته مع الإمارات بدافع مبدئي وقيمي، أم أن
وراء القرار أسبابا أخرى لم يتم الإعلان عنها للرأي العام.
ويرى أن وزارة الخارجية الجزائرية اكتفت
بإصدار بيان بشأن القطيعة، من دون أن تقدم، بحسب قراءته، صورة تفصيلية عن خلفيات
القرار.
ويقول بلحاج إن الحديث عن المبادئ يطرح
أسئلة عن مواقف سابقة، مستشهدا باغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في
دبي، ومتسائلا: إذا كانت القضايا المبدئية هي الدافع، فلماذا لم تُقطع العلاقات
آنذاك؟
ومن هنا، يحذر من التعامل مع القرار
باعتباره انتصارا سياسيا مكتمل المعالم، داعيا من رحبوا به إلى انتظار اتضاح
الأسباب الحقيقية التي تقف خلفه.
أين كانت الجزائر كل هذه السنوات؟
ويذهب بلحاج إلى أن جزءا من الجدل يرتبط بما
يصفه بـ "الترحيب المبالغ فيه" بالقرار، خصوصا من جانب قنوات ووسائل
إعلام رفعت شعار الجزائر و"بلد المليون شهيد" في سياق الاحتفاء بالقطيعة.
ويرى أن السؤال الأهم، في نظره، ليس فقط
لماذا قطعت الجزائر العلاقات الآن، وإنما: أين كانت الجزائر خلال السنوات الماضية؟
ويشير إلى ما يعتبره سياسات إماراتية معادية
للثورات العربية والتحولات الديمقراطية، ودعم أبوظبي، بحسب وصفه، للانقلاب في مصر،
ومواقفها من جماعة الإخوان المسلمين، فضلا عن اعتقال شخصيات مرتبطة بها.
ويقول إن هذه المواقف لم تبدأ أمس، وبالتالي
فإن توقيت التحرك الجزائري يستحق، برأيه، تفسيرا أكثر وضوحا.
الإمارات والربيع العربي.. ملف حاضر في
قراءة بلحاج
يربط بلحاج الموقف الإماراتي بمسار أوسع بدأ
مع اندلاع موجة الاحتجاجات العربية، متهما أبوظبي بالوقوف ضد التحولات الديمقراطية
ودعم أنظمة واجهت تلك التحولات بالقوة.
ويقول إن الإمارات كانت، في نظره، طرفا
فاعلا في ملفات إقليمية متعددة، وإن سياساتها ألحقت أضرارا بأطراف سياسية وشعبية
في المنطقة.
وفي هذا السياق، ينتقد بلحاج بعض الأصوات
الإسلامية التي رحبت بالقرار الجزائري، معتبرا أن الترحيب السريع قد يؤدي إلى "تبييض"
صورة النظام الجزائري بدلا من مساءلته عن دوافعه وسياساته.
غزة أيضا في قلب الأسئلة
ولا يفصل بلحاج موقفه من القطيعة عن الملف
الفلسطيني، متسائلا عما إذا كانت الجزائر قد اتخذت خلال السنوات الماضية مواقف
تتناسب، بحسب رؤيته، مع حجم ما ترفعه من شعارات بشأن القضية الفلسطينية.
ويطرح تحديدا سؤالا عن موقف الجزائر من غزة،
منتقدا ما يقول إنه دعم جزائري لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ومعتبرا أن
ذلك لا ينسجم، في رأيه، مع دعم المقاومة الفلسطينية.
ويؤكد أن المطلوب، بالنسبة إليه، هو عدم
التعجل في الاحتفاء بالقرار قبل معرفة دوافعه الفعلية.
"الخبر": الجزائر أمّنت عمقها
الاستراتيجي قبل القطيعة
وفي
تقرير نشرته صحيفة "الخبر"في14 أيلول/سبتمبر 2026 بعنوان "الجزائر أمّنت عمقها الاستراتيجي قبل القطيعةمع الإمارات"، نقلت الصحيفة عن أستاذ العلوم السياسية والمحلل السياسي نبيل
كحلوش قوله إن الجزائر تمكنت من تأمين جزء مهم من عمقها الاستراتيجي قبل الإقدام
على القطيعة.
وبحسب كحلوش، فإن منطقة مالي والنيجر تمثل
مجالا أمنيا بالغ الحساسية بالنسبة للجزائر، بحكم الحدود الطويلة وتشابك المصالح
الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ويرى أن الجزائر كانت أمام تحد رئيسي يتمثل
في استعادة علاقاتها مع دول الساحل، وتقليص قدرة أطراف إقليمية على التأثير في
محيطها الجنوبي.
من الساحل بدأ الخلاف يتخذ طابعا استراتيجيا
بحسب القراءة التي نقلتها "الخبر"،
لم يكن الخلاف الجزائري الإماراتي منفصلا عن التباين في مقاربة أزمات الساحل.
ويقول كحلوش إن الجزائر كانت تفضل، في حالة
مالي، حلا سياسيا يضم مختلف الأطراف ويعالج الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية
والإثنية للأزمة، بينما يرى أن الإمارات تبنت مقاربة مختلفة تقوم على دعم السلطة
الانتقالية بالمال والسلاح، وهو ما يعتبره إدارة للأزمة أكثر من كونه حلا لها.
كما يرى أن الجزائر تنظر إلى دول الساحل
باعتبارها جزءا من محيطها الأفريقي والأمني، وتسعى إلى إعادة دمجها في محيطها
الإقليمي، بينما يتعامل الطرف الإماراتي، وفق تحليله، مع تحالف دول الساحل بوصفه
فضاء يمكن أن يصبح أكثر استقلالا عن محيطه الجيوسياسي.
وهذه، بحسب كحلوش، مقاربات يصعب التوفيق
بينها بسبب انعكاساتها المباشرة على أمن الحدود الجزائرية.
مالي والنيجر.. هل غيّرت الجزائر المعادلة؟
يذهب كحلوش إلى أن استعادة الجزائر
لعلاقاتها مع مالي والنيجر، إلى جانب إطلاق برامج تعاون عسكري واقتصادي مشتركة،
ساهمت في استعادة الجزائر موقعها في محيطها الجنوبي.
وبحسب هذه القراءة، فإن فشل المقاربة
العسكرية في حسم ملف أزواد، واستعادة قنوات التواصل مع باماكو ونيامي، شكلا عناصر
ساعدت الجزائر على تأمين ما تعتبره عمقها الاستراتيجي قبل الانتقال إلى خطوة
القطيعة مع أبوظبي.
وهنا تتباين الروايتان بوضوح: فبينما يسأل
بلحاج عن سبب انتظار الجزائر كل هذه السنوات، يرى كحلوش أن انتظار اكتمال شروط
استراتيجية معينة قد يكون جزءا من تفسير توقيت القرار.
هل تخشى الجزائر ردا إماراتيا؟
ويقول كحلوش إن الإمارات تستخدم، في تقديره،
ثلاثة مسارات في مناطق الصراع: التأثير الإعلامي، والدعم المالي، وتقديم الدعم
اللوجستي والعسكري لأحد أطراف النزاع.
ويضيف أن نجاح مثل هذه الأدوات يحتاج إلى
بيئات تتسم بالانقسام الداخلي وضعف المؤسسات، معتبرا أن هذه الظروف غير متوافرة
داخل الجزائر، لكنها موجودة بدرجات مختلفة في دول مجاورة مثل مالي والنيجر وليبيا.
ومن ثم، يرجح أن يكون هامش الرد الإماراتي
المباشر على الجزائر محدودا، فيما قد تكون الساحة الإقليمية هي المجال الأكثر
قابلية للتأثير، وفق هذا التحليل.
"القطيعة ليست قرارا معزولا"
ويربط كحلوش القرار الجزائري بمشهد إقليمي
أوسع، يشهد تحولات في العلاقات بين القوى الخليجية، وتطورات الحرب في إيران،
ومسارات الحرب في اليمن والسودان وليبيا.
ويرى أن هذه التطورات تقلص هامش المناورة
أمام أبوظبي، وتجعل الدخول في مواجهة مباشرة مع الجزائر خيارا غير عقلاني، بحسب
تقديره.
ومن هذا المنظور، لا ينظر إلى القطيعة
باعتبارها مجرد خلاف ثنائي، وإنما باعتبارها انعكاسا لتحولات في موازين القوى
الإقليمية.
بلحاج: لا تخلطوا بين القطيعة وتبرئة النظام
أما بلحاج، فيحذر من أن يؤدي الترحيب
بالقرار إلى تجاوز ملفات داخلية جزائرية، منتقدا ما يصفه باستمرار التضييق على
المعارضة ووجود معتقلين ومفقودين، ومعتبرا أن النظام الجزائري لا يمكن، في رأيه،
تقديمه بوصفه طرفا مدافعا عن الحريات لمجرد دخوله في خلاف مع الإمارات.
ويشير أيضا إلى علاقات الجزائر مع دول أخرى
في المنطقة، متسائلا عن مدى اتساق سياستها الخارجية في مختلف الملفات.
كما يتحدث عن مشاريع وعقود اقتصادية مع
الإمارات، من بينها مشروع "دنيا بارك" وموانئ الجزائر وجيجل، ويرى أن
تداعيات القطيعة قد تكون لها كلفة اقتصادية، خصوصا في ظل الخلافات المتعلقة ببعض
العقود.
وهذه المعطيات يطرحها بلحاج في إطار قراءته
للقرار، ولا تمثل، بحد ذاتها، تفسيرا رسميا جزائريا لأسباب القطيعة.
"صراع الجنرالات".. قراءة أخرى
غير معلنة
ومن أكثر القراءات حساسية التي يطرحها بلحاج
قوله إن القرار قد يكون امتدادا، بحسب تحليله، لما يسميه "صراع الجنرالات"
داخل دوائر النفوذ الجزائرية بين تيارات مؤيدة للإمارات وأخرى معارضة لها.
وهذا الطرح يقدمه بلحاج باعتباره تفسيرا
سياسيا منه للخلاف، وليس باعتباره حقيقة مثبتة أو موقفا رسميا.
ويقول إن ما يجري قد يكون مرتبطا بتوازنات
داخلية أكثر من ارتباطه بالمبادئ التي يرفعها بعض المرحبين بالقرار.
قطيعة يرحب بها خصوم الإمارات.. لكن دوافعها
موضع سؤال
المفارقة التي تكشفها القراءتان أن القطيعة
نفسها قد تلقى ترحيبا لدى قطاعات عربية وإسلامية متضررة من السياسات الإماراتية،
حتى لو اختلفت التفسيرات حول دوافع الجزائر.
فبلحاج نفسه يقول إن قطع العلاقات مع
الإمارات مطلب لدى شعوب عربية وإسلامية، بسبب علاقات أبوظبي بإسرائيل ومواقفها من
الحريات والتحولات الديمقراطية.
لكن اعتراضه ينصب على تحويل هذا الترحيب
الشعبي إلى تزكية غير مشروطة للسياسة الجزائرية، أو افتراض أن القرار صدر بالضرورة
لأسباب مبدئية.
وفي المقابل، ترى القراءة التي قدمها كحلوش
أن المسألة ترتبط أساسا بإعادة ترتيب المجال الأمني والجيوسياسي المحيط بالجزائر،
ولا سيما في الساحل.
قرار واحد.. وروايتان
في النهاية، لا يبدو أن الجدل حول القطيعة
الجزائرية الإماراتية يتعلق بالقرار نفسه بقدر ما يتعلق بما وراء القرار. بلحاج
يضع توقيت الخطوة تحت المجهر، ويسأل عن سبب عدم اتخاذها في ملفات سابقة، ويحذر من
الترحيب بها قبل معرفة دوافعها، ويربطها بسجل الإمارات الإقليمي وبحسابات داخلية
جزائرية يرى أنها حاضرة في خلفية المشهد.
أما القراءة التي يقدمها نبيل كحلوش، فتضع
القرار في سياق مختلف: الجزائر، وفق هذا التصور، تحركت بعد إعادة بناء جزء من
علاقاتها مع دول الساحل وتأمين عمقها الاستراتيجي، بما يقلل مخاطر الانتقال إلى
مواجهة مع الإمارات وهي مكشوفة في محيطها الجنوبي.
وبين لماذا الآن؟ التي يطرحها بلحاج، و"لأن
الظروف الاستراتيجية أصبحت مهيأة" التي تفسر بها قراءة كحلوش التوقيت، تبقى
خلفيات القطيعة الجزائرية الإماراتية مفتوحة على أكثر من تفسير، في انتظار ما إذا
كانت الأيام المقبلة ستكشف أسبابا إضافية أو معطيات رسمية جديدة.