اتسعت تداعيات
الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لتفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، بعدما تمكن
الحوثيون من توسيع نفوذهم على الساحل اليمني وشن هجمات استهدفت البنية التحتية
للطاقة في السعودية، في تطورات تهدد
صادرات النفط وخطط التنمية التي يقودها ولي
العهد الأمير محمد بن سلمان، وتضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام تحديات
جديدة على المستويين العسكري والاقتصادي.
أكدت صحيفة "
فايننشال
تايمز" أن توسع نطاق الحرب يمثل تهديدًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد
السعودي الأمير محمد بن سلمان، مشيرة إلى أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة ظل
على مدى أشهر متأرجحًا بين الحرب والسلام، بينما تخللت محاولات التوصل إلى حل دبلوماسي
جولات من القتال.
وأشارت الصحيفة، في
مقال للكاتب جدعون رتشمان، إلى أن الأسبوع الماضي شهد اتساعًا كبيرًا في نطاق القتال
في الخليج، بالتزامن مع بدء جهود السلام في ترسيخ نفسها. ولفتت إلى أن استيلاء ميليشيا
الحوثي، المتحالفة بشكل وثيق مع إيران، على معظم ساحل اليمن المطل على البحر الأحمر
نقل الاهتمام إلى جبهة جديدة في الصراع، في الوقت الذي شن فيه الحوثيون هجمات على البنية
التحتية للطاقة في السعودية.
وأضافت "فايننشال
تايمز" في المقال أن تحركات الحوثيين تزامنت مع هجوم بطائرة مسيرة أدى إلى إغلاق
خط أنابيب النفط الذي يربط شرق السعودية بغربها ويعبر أراضي المملكة، موضحة أن الهجوم
يبدو أنه انطلق من العراق، حيث تنشط ميليشيات شيعية مدعومة من إيران.
وأشار كاتب المقال
إلى أنه بعد أيام من ذلك، جرى تأجيل المحادثات بين إيران ودول الخليج، والتي كانت تهدف
إلى فتح مضيق هرمز.
وقال رتشمان إن السعودية
تجد نفسها، مع اتساع نطاق القتال، في خط المواجهة، الأمر الذي يهدد قدرة المملكة على
تصدير النفط، إلى جانب خطط التنمية الطموحة التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
وأكد الكاتب أن القيود
المفروضة على إمدادات الطاقة تتزايد مع دخول العالم الغربي فصل الشتاء، مشيرًا إلى
أن ذلك يقوض بدوره ادعاء إدارة ترامب بأن الولايات المتحدة تحقق تقدمًا تدريجيًا في
صراعها مع إيران.
ووفقًا لرتشمان، يمكن
النظر إلى الحرب الأمريكية الإيرانية باعتبارها صراعًا يدور على ثلاثة أبعاد؛ أولها
ساحة المعركة، وثانيها الصراع الاقتصادي، وثالثها صراع الروايات. وأشار إلى أن هذه
الأبعاد الثلاثة مترابطة، وأنها تتحرك حاليًا في اتجاه ضد الولايات المتحدة.
وأوضح الكاتب أنه عندما
شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب في 28 فبراير، اعتقدتا أن تفوقهما العسكري كان
ساحقًا إلى درجة تسمح لهما بتحقيق النصر بسهولة. لكن قدرة إيران على الصمود أمام الهجوم
الأول، ثم إغلاق مضيق هرمز ومهاجمة دول الخليج، بددت وهم الحرب الخاطفة، بحسب ما نقلته
"فايننشال تايمز".
وأضاف أن إغلاق مضيق
هرمز، إلى جانب فرض الولايات المتحدة حصارًا مضادًا على إيران، أدى إلى تصعيد البعد
الثاني للحرب، وهو الصراع الاقتصادي. وأوضح أن الإيرانيين، من خلال منع صادرات النفط
ومهاجمة دول الخليج، يسعون إلى إلحاق ضرر اقتصادي كافٍ لإنهاء الحرب وفق شروطهم.
وأشارت الصحيفة إلى
أن الولايات المتحدة، بعد أن خلصت، وإن كان ذلك على مضض، إلى صعوبة إعادة فتح مضيق
هرمز عسكريًا بصورة كاملة، لجأت إلى الحرب الاقتصادية، بهدف دفع الاقتصاد الإيراني
نحو الانهيار وخنق صادرات النفط الإيرانية.
وقبل دخول الحوثيين
على خط المواجهة، كان البيت الأبيض يبدو أكثر ثقة بقدرته على كسب المعركة الاقتصادية،
وفقًا للكاتب.
وأوضح رتشمان أن كميات
النفط التي كانت تصل إلى السوق العالمية كانت كافية للحفاظ على سعر الخام دون مستوى
100 دولار للبرميل. كما أشار إلى أن الجهود الأمريكية لحماية السفن التي تعبر مضيق
هرمز بدت وكأنها رفعت شحنات النفط إلى نحو ثلث مستويات ما قبل الحرب.
وأضاف أن السعودية
ودول الخليج سعت إلى إيجاد طريق بديل لمضيق هرمز، من خلال نقل النفط عبر خطوط الأنابيب
إلى موانئ البحر الأحمر وخليج عمان، مشيرًا إلى أن إنجازات الحوثيين وهجماتهم على خط
أنابيب الشرق والغرب تمثل تهديدًا واضحًا لهذا المسار البديل.
وحذر الكاتب من أنه
في حال وقوع المزيد من الهجمات على خط الأنابيب، أو على السفن التي تعبر مضيق
باب المندب
الضيق، فقد تتعرض إمدادات الطاقة الخليجية المتجهة إلى الغرب للانقطاع الكامل.
وأشار رتشمان إلى أن
الاقتصاد الإيراني يعاني بشدة، في ظل ارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة، لكنه أوضح
أن نجاح الحرب الاقتصادية يتطلب تحويلها إلى ضغط سياسي، وهو ما يحمي النظام الإيراني
الاستبدادي قادته منه.
ولفت إلى أن النظام
الإيراني أطلق النار على آلاف من مواطنيه وقتلهم في الشوارع مطلع هذا العام، ولا يزال
ينفذ عمليات إعدام بحق المعارضين بشكل منتظم.
وفي المقابل، أوضح
الكاتب أن إدارة ترامب تواجه انتخابات التجديد النصفي الحاسمة، وتدرك تمامًا أن ارتفاع
أسعار البنزين من شأنه تقويض الدعم للجمهوريين.
كما أشار إلى أن دول
الخليج ليست معتادة على مواجهة المصاعب الاقتصادية، معتبرًا أن الهجوم على خط الأنابيب
السعودي يمثل تذكيرًا صارخًا بمدى هشاشة جزء كبير من البنية التحتية في منطقة الخليج.
وأكدت "فايننشال
تايمز" أن التطورات الأخيرة على المستويين العسكري والاقتصادي من شأنها تغيير
البعد الثالث للحرب، وهو معركة الروايات.
وقال رتشمان إن من
المهم لكل من الولايات المتحدة وإيران إقناع شعبيهما والعالم بأسره بأنهما يمتلكان
زمام المبادرة، موضحًا أن الطرف الذي يخسر معركة الروايات يواجه خطر فقدان زمام المبادرة
السياسية والدبلوماسية.
وأشار الكاتب إلى أن
الولايات المتحدة ستحاول استعادة زمام المبادرة، لكنه اعتبر أن اللافت للنظر هو أن
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض، على ما يبدو، طلبات ولي العهد السعودي الأمير محمد
بن سلمان بشن ضربات عسكرية فورية ضد الحوثيين.
وأوضح أن هذا الموقف
يشير إلى إدراك متزايد داخل الولايات المتحدة لحدود ما يمكن تحقيقه باستخدام القوة
العسكرية.
وأكد رتشمان أن الحوثيين
يمثلون خصومًا عنيدين للغاية، بعدما خاضوا معارك متقطعة لأكثر من 20 عامًا، وبمساعدة
إيران تمكنوا من الصمود أمام هجمات شنتها عدة دول غنية تمتلك جيوشًا متطورة، من بينها
السعودية والإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل.
وأشار الكاتب إلى أن
الحوثيين، على غرار حركة طالبان في أفغانستان، يُنظر إليهم باعتبارهم متعصبين وغير
متطورين، لكنه شدد على أن المقارنات السطحية المتعلقة بالمعدات العسكرية لا تعكس الصورة
كاملة.
وأوضح أن الحوثيين،
مثل طالبان، يمتلكون دوافع قوية ومعرفة دقيقة بالمنطقة، وهو ما يجعل إخضاعهم أمرًا
مستحيلًا.
وأضاف رتشمان أن ترامب
خلص خلال ولايته الأولى إلى استحالة هزيمة طالبان، ودخل في مفاوضات بشأن اتفاق سلام
أدى في نهاية المطاف إلى الانسحاب الأمريكي من كابول عام 2021، والذي وصفه الكاتب بأنه
انسحاب مخزٍ.
وخلص الكاتب إلى أن
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يضطر الآن إلى اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان يريد مواجهة
الحوثيين، إلى جانب إيران، أم أن الولايات المتحدة ستحتاج مرة أخرى إلى تقليص خسائرها.