يزور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان القاهرة، الثلاثاء، مجرياً لقاءات مع الرئيس
المصري عبد الفتاح السيسي، في ظل ظرف تاريخي ووسط تطورات سيطرة قوات "
الحوثي" على مضيق "باب المندب" بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتوجيه ضربات لمدن الجنوب السعودي، واستهداف خط (شرق- غرب) لتصدير النفط السعودي بعيداً عن مضيق "هرمز".
يرى مراقبون أن الزيارة تأتي لطلب الدعم المصري لمواجهة جماعة "أنصار الله الحوثي" في اليمن، وذلك في ظل تقارير صحفية حول الرفض الأمريكي لطلب سعودي بالتدخل العسكري، بجانب إحجام باكستاني عن تقديم الدعم للرياض رغم توقيعها "اتفاقية مكة" الدفاعية 7 آب/أغسطس الماضي، ومع استمرار الخلافات بين المملكة والإمارات الحليفين السابقين بـ"عاصفة الحزم" عام 2015، ضد الحوثي في اليمن.
وضع معقد
وقبل مناقشة أهمية زيارة ابن سلمان للقاهرة بعد عامين من آخر زيارة له في تشرين الأول/أكتوبر 2022، ولقائه السيسي بعد اجتماع جدة 23 شباط/فبراير الماضي، وبحث حدود المطالب
السعودية من مصر والذي يمكن أن تقدمه القاهرة، ومدى اعتبار السيسي حضور ابن سلمان فرصة تاريخية لتحقيق مكاسب مالية والحصول على دعم مالي ينقذ نظامه من الإفلاس، نشير إلى وضع معقد تواجهه بلاد الحرمين الشريفين.
وبالتزامن مع وقائع الحرب الأمريكية على إيران منذ 28 شباط/فبراير الماضي، والتي طالت قواعد أمريكية ومنشآت نفطية بدول الخليج وبينها السعودية، وبعد هدنة بين الرياض والحوثي في عام 2022، عادت الجبهة الجنوبية للمملكة للاشتعال مجدداً، الشهر الجاري.
إذ نفذت جماعة الحوثي عمليات عسكرية ضد منشآت للطاقة بالسعودية واستهدفت مدن: (خميس مشيط وأبها والطائف)، واستولت يوم الـ 10 من أيلول/سبتمبر الجاري، على جزيرة "بريم" التي تقسم المدخل الجنوبي للبحر الأحمر إلى ممرين ملاحيين، لتسيطر الجماعة المدعومة من إيران، على كامل مضيق باب المندب الاستراتيجي ذي الأهمية الاستراتيجية والأمنية والتجارية للرياض وللقاهرة.
وإزاء تلك التطورات اتجهت الأنظار نحو الحليف الأمريكي الأهم بالنسبة للمملكة، والذي أقر صفقة عسكرية بـ 1.96 مليار دولار، في تموز/يوليو الماضي للرياض، التي تحتل المرتبة الثالثة عالمياً بين أكبر مستوردي السلاح بين عامي 2021–2025، يمثل الأمريكي منه 77 بالمئة، بحسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام.
تخلي الحليف الأمريكي
إلا أن موقع "أكسيوس" الأمريكي كشف عن تخلي الحليف الأمريكي في الظرف الصعب عن حليفته النفطية، معلناً أن بن سلمان، أجرى اتصالين هاتفيين بالرئيس ترامب، لتوجيه ضربات عسكرية ضد الحوثي، وأن الأخير لم يستجب، ورغم النفي السعودي لصحة تلك الاتصالات، إلا أن تصريحات الرئيس الأمريكي في اليوم التالي من أيرلندا، أكدت على موقف إدارته الصادم للرياض.
حينها كشف ترامب عن اتصال الحوثيين به وتأكيدهم أنهم لا يريدون القتال مع أمريكا، وتعهدوا بمرور آمن للسفن، ليثير الجدل بجملة قال فيها إن "المشكلة تنحصر في دولة واحدة"، في إشارة إلى السعودية، وهو الحديث الذي تزامن مع لقاء قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر بابن سلمان، الذي أكد دعم الرياض دون الانخراط في عمل عسكري مباشر بمواجهة الحوثي.
وهو الوضع الذي كشف عن رغبة الإدارة الأمريكية في عدم توسيع عملياتها العسكرية بالشرق الأوسط والتركيز على إيران، وعدم فتح جبهة جديدة تؤثر على انتخابات التجديد النصفي بالكونغرس تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ما يكشف عن عدم الاكتراث الأمريكي بوضع الحليف السعودي الصعب، وتهديد مصالحه بالبحر الأحمر، وضرب خط "شرق-غرب"، واستهداف المدن السعودية.
وهو ما اعتبره الكاتب سليمان العقيلي تراجعاً من واشنطن عن التزاماتها الأمنية تجاه السعودية وفقاً لمعادلة "الأمن مقابل النفط" التي حكمت العلاقات منذ سبعينيات القرن الماضي، مشيراً في مقال له إلى أهمية زيارة ابن سلمان للقاهرة، مؤكداً أن "الدولتين ترسمان المعالم الأساسية لنظام أمني إقليمي ذاتي، يرفض الفراغات التي تتركها القوى الدولية المتراجعة، ويؤسس لطوق استراتيجي قادر على حماية الملاحة الدولية".
صدمة التحالفات
وعلى إثر تعرض الرياض لقصف إيراني متواصل، أدركت المملكة بحسب مراقبين أنها يجب أن تراجع تحالفاتها وعدم الاتكاء فقط على الحليف الأمريكي، حيث أعلنت في 30 تموز/يوليو الماضي، عن تحالف بحري من 14 دولة هي: (السعودية، ومصر، وباكستان، وتركيا، وبنغلاديش، ونيجيريا، والأردن، وقطر، والبحرين، والكويت، والسودان، والصومال، وجيبوتي، واليمن)، لحماية حرية الملاحة، وتأمين التجارة الدولية وخطوط الطاقة، في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، لتدشن الشهر الماضي "تحالف مكة" الدفاعي مع باكستان وتركيا، ومقره الرياض.
لكن يبدو أن التحالفات الدفاعية السعودية الجديدة لم تقدم الدعم المطلوب والسريع؛ ورغم استمرار الحوثي في ضرب مدن ومواقع سعودية تداولت أنباء عن رفض باكستاني لخوض مواجهات عسكرية في اليمن، وهو ما أكد عليه تصريح للخارجية الباكستانية في 10 أيلول/سبتمبر الجاري، بقولها: "لا توجد مناقشات بشأن اتخاذ إسلام آباد إجراءً عسكرياً"، رداً على استهداف الحوثي أهدافاً سعودية.
وفي ذات الإطار، وفي سياق سجال سعودي إماراتي حول انهيار تحالف (الرياض-أبوظبي) باليمن، قال الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله، إن "التحالف العربي انتهى مفعوله، تحالف البحر الأحمر ولد ليموت، حلف مكة فص ملح ذاب عندما أزفت ساعة الحقيقة، مجلس التعاون الخليجي أخفق في تفعيل الدفاع الخليجي المشترك خلال العدوان الإيراني، التحالف مع أمريكا لا يعول عليه".
لماذا مصر الآن؟
ومن هنا يرى محللون أنه إزاء الرفض الأمريكي والتقاعس الباكستاني والخلاف الإماراتي السعودي، لم يجد بن سلمان سوى القاهرة، للحصول على دعم عسكري واستخباراتي وأمني، خاصة وأن مصر لديها ذات المخاوف من سيطرة الحوثي على باب المندب والتحكم بحركة مرور التجارة العالمية عبر قناة السويس، وذلك بالتزامن مع ما يعانيه اقتصاد مصر من ضغوط ديون خارجية تعدت 164 مليار دولار، وصلت خدمتها وأقساطها خلال 12 شهراً لأكثر من 60 مليار دولار، فيما تساهم الرياض بـ10.3 مليار دولار كودائع لدى البنك المركزي المصري.
في تقديره، قال الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية الدكتور ممدوح المنير: "تأتي زيارة بن سلمان للقاهرة في وقت تتعرض فيه المملكة لمأزق عسكري اقتصادي خطير يتزامن مع احتياج سعودي إلى توسيع خيارات الأمن والتصدير، مع احتياج مصري إلى التمويل واستعادة الوزن الإقليمي؛ وهذا يفتح باب المساومة في علاقة تعتمد على المصالح وعنوانها الحماية مقابل المال".
وفي حديثه لـ"
عربي21"، أضاف الخبير المنير أن "السعودية التي ضُيّق الخناق عليها في مضيق هرمز وباب المندب من قبل إيران وحلفائها تواجه مشكلة تتجاوز امتلاك السلاح: كيف تحمي مدنها ومنشآتها وطرق تصديرها، وكيف تضمن مشاركة حلفائها عندما ترتفع الكلفة؟، فاتفاقية مكة الدفاعية مع باكستان وتركيا لم تنفعها في وقف هجمات الحوثيين عليها ولا ميليشيات من العراق ولا حتى إيران، في ظل انسحاب أمريكي حقيقي من المنطقة أو فشل في إدارة الأزمة التي صنعتها، بحيث باتت الرياض مكشوفة عسكرياً بشكل كبير".
حدود الدعم والمقابل
المنير، ومن هذه الزاوية، أكد أنه "يمكن فهم الاتجاه نحو القاهرة بوصفه بحثاً عن شريك إضافي في إدارة الأزمة بعد أن تعثرت، لكنها أقرب للتعلق بقشة؛ فتاريخ مصر السيسي في الوقوف عسكريّاً إلى جانب المملكة لا يجعل ابن سلمان يعلق آمالاً كبيرة على ذلك، وأيضاً لا توجد أموال سعودية كافية تغري السيسي بتقديم مساعدة أكبر للمملكة، التي أعلنت مؤخراً نيتها استدانة 10 مليارات دولار لتمويل العجز لديها".
ويعتقد أنه "لذلك لا يمكن اعتبار مصر بديلاً كاملاً للمظلة الأمريكية المتداعية، ولا كذلك ضامناً لإنقاذ السعودية من ورطتها، فقناة السويس كذلك وإيراداتها تشل حركة السيسي في أي مواجهة مع الحوثيين".
وبشأن الذي يمكن أن تقدمه مصر، لفت الباحث المصري إلى أن "هناك مستويات مختلفة: دعم سياسي ودبلوماسي، وتعاون استخباري ولوجستي، وتنسيق بحري لحماية الملاحة؛ لكن الانتقال إلى حرب مباشرة داخل اليمن أو مع الحوثيين فقرار آخر تماماً؛ له كلفة بشرية ومالية لا يتحملها النظام المصري حاليّاً".
أما الحديث عن إنقاذ النظام من الإفلاس، فيرى أنه "لا يوجد لدى الرياض ما تقدمه أكثر من تخفيف ضغوط التمويل ومنح السلطة مساحة إضافية للاستمرار؛ فالوديعة تُسدَّد، وبيع الأصول يدر إيراداً غير متكرر، والاستثمار يحتاج وقتاً ليولد إنتاجاً وعائداً، وجمع هذه الأدوات تحت عنوان الإنقاذ سيكون في حالتنا توصيفاً غير حقيقي للوضع".
وخلص للقول إن "الزيارة هي التقاء بين اثنين بذلا كل ما يستطيعان لإنهاء الربيع العربي وكل مقومات القوة فيه التي كانت ستنفعهما حاليّاً، وهما الآن يدفعان ثمن ذلك، فلا الرياض التي أجهضت الثورة اليمنية والمصرية، ولا القاهرة التي سحق السيسي فيها المعارضة وأنهت النموذج الديمقراطي الوليد؛ قادرتان على علاج أزمتهما الوجودية، فلا المملكة تملك إغراءات مالية كبيرة لمصر، ولا حسابات السيسي الداخلية والخارجية تكفيه لتقديم دعم حقيقي للرياض".
"مأزوم" يستنجد بمفلس
وفي قراءة مصريين فإن بن سلمان، "مأزوم ويبحث عن منقذ مفلس"، بعد إحكام الخناق على الأول من الشرق (إيران) والجنوب (الحوثي) والشمال (جماعات عراقية مسلحة)، بالإضافة لمواقف الإمارات المضادة له في اليمن، معتقدين أن "السيسي، رغم نهمه على المال (الرز السعودي وفق تسريب له عام 2014) لن يقدم له شيئاً"، مذكرين بنكوصه عن وعده السابق بدعم الخليج وقوله عام 2014: "مسافة السكة"، لكنهم يرون "في طلب الإنقاذ السعودي الآن فرصة لمصر لتكون حامية الخليج"، و"تعزز وجودها العسكري بالبحر الأحمر"، و"فرصة للسيسي لنيل مقابل مالي كبير".
وتساءل السفير فرغلي طه: "هل يأتي ابن سلمان ليتحدث مع مصر في حماية ثنائية سعودية مصرية لباب المندب، وما في ذلك من احتمالات مشاركة مصرية مباشرة ضد الحوثيين، وهو ما نأت مصر بنفسها عنه من قبل والآن؟، أم أنه جاء ليبحث مساعدة مصر في فتح باب وساطة وحوار مع الحوثيين وإيران؟".
ودعا مراقبون، بينهم السفير المصري فوزي العشماوي، السعودية للأخذ بمناشدات مصر بتنفيذ اتفاقية "الدفاع العربي"، حيث قال: "أتمنى أن تكون المملكة (ودول الخليج) توصلوا لقناعة بأهمية وجدوى دعم مصر وتقويتها، والإنصات والاستجابة لدعوة مصر المتكررة بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، خاصة وأن مظلة الحماية الأمريكية ثبت أنها مليئة بثقوب تنفذ منها الصواريخ الباليستية والمسيرات".
وفي حين اعتبر سياسيون مصريون طلب الدعم السعودي فرصة لعودة مصر إلى دورها العربي والإقليمي، طالبوا بإدارة الأزمة وفق بُعد استراتيجي يحافظ على أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة بقناة السويس، ودون توريط مصر في مواجهة عسكرية للحصول على دعم مالي سعودي وتجاهل عنصر الأمن القومي؛ حيث طالب القيادي بحزب "التحالف الشعبي" زهدي الشامي، القاهرة بألا تنزلق في حرب باليمن، وأن تكتفي بدور الوساطة.
لكن كان للإعلامية ماجدة القاضي رؤية أخرى؛ حيث لفتت إلى أن "مصر تستطيع أن تساعد في تغيير تعريف الأزمة، فبدل أن تبقى (السعودية في مواجهة الحوثيين)، يمكن أن تصبح القضية أمن باب المندب والبحر الأحمر وحرية الملاحة"، مؤكدة أن "الفارق جوهري؛ ففي الحالة الأولى يُطلب من مصر الدخول في مواجهة تخص السعودية واليمن، وفي الثانية تتحرك القاهرة دفاعاً عن مصلحة مصرية مباشرة".