"العدل والإحسان" المغربية تستنكر توقيف عضو لها على خلفية موقفه من الانتخابات

أطلقت الجماعة حملة خطابية واضحة تحت عنوان "لا لتجريم الرأي السياسي ولا للتضييق على حرية التعبير"..
صعّدت جماعة العدل والإحسان في المغرب لهجتها تجاه ما وصفته بـ "التضييق على حرية التعبير" و"تجريم الرأي السياسي"، بعد توقيف أحد أعضائها واقتياده من منزله إلى مركز للدرك الملكي على خلفية تدوينة نشرها على موقع "فيسبوك" عبّر فيها عن موقفه من العملية الانتخابية.

وقالت جماعة العدل والإحسان بمدينة الفقيه بن صالح، في بيان صدر الأحد 13 أيلول/سبتمبر 2026، إنها "تستنكر بشدة" ما تعرض له عضوها مصطفى مزكار مساء السبت 12 أيلول/سبتمبر، معتبرة أن توقيفه واقتياده إلى مركز للدرك جاء على خلفية تعبيره عن رأيه السياسي بشأن الانتخابات.

وبحسب البيان، الذي اطلعت عليه "عربي21"، فإن مزكار اقتيد من منزله إلى مركز للدرك، حيث ظل رهن البحث إلى وقت متأخر من الليل، قبل أن يُطلق سراحه. ووصفت الجماعة الواقعة بأنها "اختطاف وتوقيف"، وقالت إنها خلفت استياء لدى سكان الدوار الذي ينحدر منه، فضلًا عن حالة من الهلع لدى أفراد أسرته.

ويأتي ذلك على بُعد أيام من توجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع في 23 أيلول/سبتمبر الجاري لانتخاب نواب البرلمان، وسط أجواء انتخابية يفترض أن تشهد تعددًا في المواقف والاختيارات السياسية.

ومن ثم، فإن توقيف عضو في "العدل والإحسان" بسبب موقف عبّر عنه بشأن الانتخابات يضع قضية حرية التعبير السياسي في صلب النقاش الانتخابي، ولا سيما أن الجماعة تدعو إلى مقاطعة الاقتراع وترى في ذلك موقفًا سياسيًا سلميًا لا ينبغي أن يترتب عليه تضييق أو متابعة.

خلفية انتخابية


وربطت الجماعة بشكل مباشر بين الإجراء الذي طال عضوها وبين تدوينة نشرها على حسابه الشخصي في «فيسبوك»، عبّر فيها عن موقفه من العملية الانتخابية، في سياق انتخابي يشهد فيه المغرب حراكًا سياسيًا متزايدًا مع اقتراب موعد الاستحقاقات المقررة في أيلول/سبتمبر الجاري.

واعتبرت أن التعبير عن الموقف من الانتخابات، سواء بالدعوة إلى المشاركة أو المقاطعة، يندرج في صميم العمل السياسي السلمي، ولا ينبغي أن يتحول إلى سبب للملاحقة أو التضييق.

وقالت الجماعة إن "الدعوة للمشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها هي في جوهرها مواقف سياسية ينبغي أن تناقش بالحجة والإقناع، وفي الفضاء العمومي"، منتقدة مواجهتها، بحسب تعبيرها، بـ "الترهيب والتخويف والمتابعات والاعتقالات".

ويأتي ذلك في وقت أعلنت فيه الجماعة موقفًا سياسيًا يدعو إلى مقاطعة الانتخابات، وهو موقف طالما تبنته في محطات انتخابية سابقة، انطلاقًا من رؤيتها لطبيعة النظام السياسي والانتخابي في المغرب.

لا لتجريم الرأي السياسي


وحمل البيان عنوانًا لافتًا: "بيان استنكاري: لا لتجريم الرأي السياسي ولا للتضييق على حرية التعبير"، في إشارة إلى أن القضية بالنسبة للجماعة لا تتعلق فقط بواقعة توقيف عضوها، وإنما بما تعتبره مساسًا أوسع بحق المواطنين في التعبير عن اختياراتهم ومواقفهم السياسية.

وقالت جماعة العدل والإحسان إن التعامل مع التعبير السلمي عن المواقف السياسية بمنطق المنع والتضييق "يمثل مساسًا خطيرًا بحقوق المواطنين في إبداء آرائهم واختياراتهم السياسية"، مؤكدة أن الدعوة للمشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها "ينبغي أن تناقش بالحجة والإقناع، وفي الفضاء العمومي".

وترى الجماعة أن اللجوء إلى الإجراءات الأمنية أو القضائية في مواجهة المواقف السياسية المعارضة قد يؤدي إلى تضييق المجال العمومي بدل إتاحة مساحة أوسع للنقاش السياسي، خصوصًا في فترة انتخابية يفترض أن تكون فيها المنافسة السياسية وتعدد المواقف جزءًا من العملية الديمقراطية.

تحميل السلطات المسؤولية


وفي بيانها، رفضت الجماعة ما وصفته بمحاولة "تحويل الفعل السياسي الرشيد إلى ذريعة لتكميم الأفواه"، وحمّلت "الجهات المعنية كامل المسؤولية عن أي مساس بحقوق" مزكار أو معاملته على أساس موقفه السياسي.

وطالبت بالكشف عن ملابسات توقيف عضوها والأساس القانوني الذي استند إليه البحث معه، كما دعت إلى ضمان حقوقه القانونية واحترام حقه في التعبير.

ودعت كذلك الهيئات الحقوقية والسياسية والمدنية إلى التفاعل مع القضية، و"التعبير عن رفضها لأي انتهاك للحقوق والحريات".

ولم يتسن، وفق المعطيات المتاحة، الوقوف على رواية رسمية تفصيلية من السلطات بشأن أسباب توقيف مزكار أو طبيعة البحث الذي خضع له، فيما تظل رواية الجماعة هي المصدر الأساسي للتفاصيل المتعلقة بالواقعة.

الجماعة: مقاطعة الانتخابات "موقف سياسي سلمي"


وفي أكثر النقاط وضوحًا في بيانها، شددت جماعة العدل والإحسان على أن مقاطعة الانتخابات ليست جريمة، وإنما "موقف سياسي سلمي"، معتبرة أن التعبير عنه يدخل ضمن نطاق الحقوق السياسية وحرية الرأي.

وقالت إن "مقاطعة الانتخابات موقف سياسي سلمي وليس جريمة يعاقب عليها القانون"، مؤكدة أن بناء ديمقراطية حقيقية، وفق تصورها، لا يمكن أن يتم عبر "عقلية إسكات المخالفين والتضييق عليهم".

كما رفضت الجماعة "استعمال أدوات الدولة والمؤسسات العمومية لتصفية الخلافات السياسية وإسكات الأصوات المعارضة"، مطالبة بوقف ما وصفته بـ "أشكال المنع والتضييق على التعبير عن المواقف السياسية المعارضة".

وتضع هذه المطالب الواقعة في سياق أوسع من العلاقة المتوترة تاريخيًا بين جماعة العدل والإحسان والسلطات المغربية، إذ ظلت الجماعة، التي لا تشارك في المؤسسات المنتخبة، من أبرز الفاعلين الإسلاميين المعارضين خارج الحقل الحزبي الرسمي.



قضية تعيد ملف الحريات إلى الواجهة


وتعيد واقعة مزكار، في حال تأكد ارتباط الإجراء الأمني فعلًا بتدوينته الانتخابية، النقاش حول حدود حرية التعبير السياسي في المغرب، خصوصًا خلال المواسم الانتخابية التي يفترض أن تتيح للأفراد والقوى السياسية عرض مواقفها المختلفة أمام الناخبين.

وينص الدستور المغربي على جملة من الحقوق والحريات المرتبطة بالتعبير والمشاركة السياسية، فيما يشكل مدى تطبيق هذه الضمانات على أرض الواقع موضوعًا مستمرًا للجدل بين السلطات ومنظمات حقوقية وفاعلين سياسيين ومدنيين.

وسبق أن أثارت القيود القانونية المفروضة على بعض أشكال التعبير السياسي والإعلامي انتقادات من منظمات حقوقية دولية؛ إذ قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير لها حول المغرب إن عددًا من المقتضيات الجنائية يمكن أن تستخدم في ملاحقة تعبيرات سلمية، ودعت إلى مراجعة التشريعات بما يتوافق مع المعايير الدولية لحرية التعبير.

وتأتي قضية مزكار في ظل أجواء انتخابية حساسة، ما يمنحها بعدًا يتجاوز الحالة الفردية، بحسب قراءة الجماعة، التي اختارت أن تجعل من الواقعة مناسبة للتذكير بموقفها من الحريات السياسية ومن طبيعة المنافسة الانتخابية في البلاد.

وفي المقابل، فإن تحديد ما إذا كان توقيف مزكار قد تم بالفعل بسبب مضمون تدوينته، أم استنادًا إلى مقتضيات قانونية أخرى، يظل مرتبطًا بما قد يصدر عن السلطات أو الجهات القضائية المختصة من توضيحات بشأن الواقعة.

وبينما أطلقت الجماعة حملة خطابية واضحة تحت عنوان "لا لتجريم الرأي السياسي ولا للتضييق على حرية التعبير"، فإن القضية تفتح مجددًا سؤالًا أوسع حول حدود المعارضة السياسية خارج المؤسسات، وكيفية تعامل الدولة مع الدعوات إلى مقاطعة الانتخابات، وما إذا كان الفضاء الانتخابي قادرًا على استيعاب المواقف الرافضة للعملية الانتخابية نفسها دون أن تتحول إلى نزاع أمني أو قضائي.