لماذا وافق العراق على إشراك إيران في التحقيق حول هجمات السعودية؟

أقرت بغداد بأن الاستهداف الذي طال السعودية انطلق من الأراضي العراقية- الأناضول
في تطور يحصل لأول مرة، أقرت بغداد بأن الاستهداف الذي طال السعودية، الجمعة، انطلق من الأراضي العراقية، واتخذت العديد من الإجراءات السريعة، بينها إقالة قائد عسكري في محافظة ميسان، وغلق المنافذ الحدودية مع إيران، مع فتح تحقيق بالحادثة لمعرفة الفاعلين.

لكن موافقة العراق على طلب إيران إجراء تحقيق مشترك بشأن العثور على منصات لإطلاق طائرات مسيّرة قرب حدود البلدين، وضعت ملف استخدام الأراضي العراقية في الهجمات الإقليمية أمام مرحلة أكثر حساسية، في ظل اتهامات للجانب الإيراني بشن الضربات.

وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، إن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي وافق على طلب الجانب الإيراني إجراء تحقيق مشترك بشأن منصات إطلاق الطائرات المسيّرة، التي عُثر عليها قرب الشريط الحدودي بين العراق وإيران.

"إحراج المليشيات"


وأكد رئيس خلية الإعلام الأمني، الفريق سعد معن، الأحد، ضبط منصة لإطلاق الصواريخ داخل الأراضي العراقية، وقال إنها استخدمت في حادث استهدف خط أنابيب النفط في السعودية، مشيرا إلى استمرار العمل الأمني والاستخباري للوصول إلى المتورطين.

وتكشف تصريحات معن أن القضية لم تعد بالنسبة إلى بغداد مجرد اتهامات إقليمية، إذ انتقلت إلى مستوى الإجراءات الميدانية والتحقيقات الرسمية، بالتزامن مع تواصل الأجهزة العراقية مع السعودية لتبادل المعلومات وإطلاعها على نتائج التحقيق.

ويبرز هنا مفهوم "السيادة الوقائية" الذي طرحه معن، والذي يتجاوز حماية الأراضي العراقية من الهجمات إلى منع استخدامها لتنفيذ هجمات على دول أخرى، ما يضع الحكومة أمام اختبار فعلي لقدرتها على فرض السيطرة على المناطق الحدودية، ولا سيما تلك التي تشهد نشاطا لمليشيات مرتبطة بقوى إقليمية.



وفي هذه النقطة، رأى الكاتب والمحلل السياسي العراقي المقيم في باريس، هلال العبيدي، أن اعتراف العراق بانطلاق الهجمات من أراضيه يحمل دلالة تتعلق مباشرة بعلاقة الحكومة بالمليشيات.

وقال العبيدي لـ"عربي21" إن الاعتراف "يحرج المليشيات"، لأن الدولة تقول بشكل واضح إن هناك فصائل داخل العراق قامت بهذا العمل، مضيفا أن الأدلة التي قدمتها الولايات المتحدة تشير إلى أن الهجمات نُفذت من الأراضي العراقية، وأنه تم العثور على منصات إطلاق على الحدود.

وبحسب العبيدي، فإن الحكومة باتت في "مواجهة مباشرة" مع تلك المليشيات، لأنها أصبحت مسؤولة عن موقف دولي لا تستطيع بعده "أن تغطي على القضية أو تساوم بشأنها أو تتلاعب بها"، معتبرا أن ذلك يمثل تحديا حقيقيا للمليشيات واختبارا لقدرة الحكومة على فرض سيطرتها على الأراضي العراقية.

ولا تتوقف الإشكالية، بحسب العبيدي، عند الاعتراف بمصدر الهجمات، بل تمتد إلى قدرة حكومة الزيدي على تطبيق مفهوم "السيادة الوقائية"، إذ يرى أن الحكومة "عاجزة عن تحقيق شعار السيادة الوقائية"، في إشارة إلى منع أي فصيل من تنفيذ هجمات من الأراضي العراقية.

وربط العبيدي ذلك بما يعتبره ارتباط هذه الجماعات المسلحة بالحرس الثوري الإيراني، قائلا إن "مسألة السيادة العراقية تبقى محل تساؤل في ظل وجود هذا الارتباط".

"أدلة واضحة"


وفي السياق ذاته، رأى الكاتب والمحلل السياسي العراقي المقيم في برلين، أحمد العلواني، أن هناك أدلة واضحة ومهمة على انطلاق الهجمات من الأراضي العراقية، بينها العثور على 15 منصة إطلاق في منطقة الطيب، جنوب شرقي محافظة ميسان.

وقال العلواني لـ"عربي21" إن هذه المنصات، بحسب معلوماته التي وصفها بـ"الدقيقة"، تشبه منصات سبق ضبطها في مناطق الأنبار وجنوب بغداد، وهي محلية الصنع، لكنها تحمل المواصفات نفسها.

ووضع الباحث في الشؤون العراقية، قدرة حكومة الزيدي على تطبيق مبدأ السيادة الوطنية أمام عقبات تتعلق بضعف المؤسسات الأمنية والقضائية، التي "لا تريد مواجهة الفصائل المسلحة بذريعة أن ذلك قد يفجّر صراعا يهدد وجود النظام السياسي".

وأشار العلواني إلى عامل سياسي آخر يتمثل في وجود أحزاب داخل الإطار التنسيقي الشيعي، توفر الحماية والدعم لتوجهات الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وترفض توجها حكوميا لإرغامها على الالتزام بالقانون والنظام وفرض سيادة الدولة العراقية.

وبذلك، فإن الإجراءات التي اتخذتها بغداد، من إعفاء قيادات أمنية إلى تشكيل لجان تحقيق وإغلاق مؤقت للمنافذ، لا تختبر فقط قدرة الحكومة على احتواء حادث أمني محدد، وإنما تضعها أمام سؤال أوسع يتعلق بقدرتها على فرض القيادة والسيطرة في مناطق نفوذ المليشيات، وفقا للعلواني.



وفي سياق آخر، يطرح طلب إيران المشاركة في التحقيق سؤالا ملحا بشأن طبيعة المسار الذي ستسلكه بغداد لتحديد المسؤولية عن منصات الإطلاق والهجمات، خصوصا أن التحقيق يتعلق باستخدام الأراضي العراقية في استهداف دولة مجاورة.

وهنا، يرى الخبير العراقي هلال العبيدي أن إشراك إيران في التحقيق "نكتة ثقيلة"، متسائلا عن كيفية إشراك طرف متهم في التحقيق، وما قد يثيره ذلك من شكوك بشأن مساره ونتائجه.

وبحسب العبيدي، فإن المفترض أن يكون التحقيق بين العراق والسعودية، مع إمكانية إشراك دولة تمتلك تقنيات عالية، مثل الولايات المتحدة أو دولة أوروبية، بما لديها من أقمار صناعية قادرة على تحديد أماكن إطلاق الصواريخ وتقديم أدلة على انطلاقها من الأراضي العراقية.

وأضاف الخبير، أن الأطراف كلها تتدخل اليوم في الشأن العراقي، سواء إيران والحرس الثوري أو الولايات المتحدة، ما يجعل الحديث عن السيادة العراقية مرتبطا بقدرة الدولة على منع استخدام أراضيها لتنفيذ هجمات تمس دول الجوار.

أما الباحث في الشؤون العراقية، أحمد العلواني، فيرى أن إيران أصبحت خلال الأشهر القليلة الماضية تتدخل في الملفات المتعلقة بالهجمات وسلاح المليشيات، وتضغط على النظام السياسي في بغداد وتفرض شروطا عليه، مستشهدا بتصريحات مسؤولين إيرانيين بشأن رفض نزع سلاح الجماعات المسلحة.

وقال العلواني إن هذه الجماعات، وإن كانت عراقية، ترتبط بفيلق القدس الإيراني الذي يعمل تحت إمرة الحرس الثوري، وتنسق معه في تحركاتها، مشيرا إلى وجود عدد من قياداتها في إيران.

"التلاعب بالنتائج"


ورأى الباحث العراقي، أن طهران تريد الاطلاع على نتائج التحقيق قبل إطلاع الجانب السعودي والمجتمع الدولي عليها، حتى تتمكن، بحسب تقديره، من "التلاعب بالنتائج وحذف كل ما قد يدين وكلاءها المتورطين في هذه الهجمات".

في المقابل، يعتقد العلواني أن بغداد تحاول كسب الوقت وصياغة تقرير يقنع الجانب السعودي من دون إغضاب الجانب الإيراني، مشيرا إلى أن الإجراءات التي اتخذتها، مثل تغيير قيادات أمنية وإغلاق مؤقت لبعض المنافذ وتشكيل لجنة تحقيق، قد تبقى في إطار الإجراءات الشكلية.

وأردف أن تشكيل لجان التحقيق أصبح في نظر المتابع للشأن العراقي مرتبطا بالتسويف، مشيرا إلى لجان شُكلت بشأن قصف الرادارات العراقية وضرب جهاز مكافحة الإرهاب وجهاز المخابرات، من دون أن تسفر، وفق قوله، عن نتائج معلنة أو إجراءات فعلية.

وفيما يتعلق بالجانب السعودي، أشار العلواني إلى أن المملكة أطلعت الجانب العراقي على طبيعة الهجوم، وأشارت إلى أنه انطلق من داخل العراق، وأنها لن تتهاون في الملف إذا لم توقف الحكومة العراقية هذه الهجمات، باعتبار استمرارها خرقا لسيادتها وأمنها.

ورأى أن السعودية لمّحت، بشكل غير مباشر، إلى أن استمرار الهجمات قد يمنحها الحق في الرد، مشيرا إلى أن ذلك حصل في المرة الماضية، وأن المملكة قد ترد إذا تكرر الهجوم ولم تتخذ بغداد إجراءات حقيقية لوقف الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية ضدها.

وذهب الخبير العبيدي إلى نتيجة مشابهة، إذ يتوقع أنه في حال تكررت الهجمات سيكون للسعودية موقف آخر، وقد تعيد الضربات بالتنسيق مع الجانب الأمريكي، بما قد يقود إلى تصعيد حول القضية.

وخلص العبيدي إلى أن السعودية "لن تكتفي بالبيانات"، بعدما أعطت الحكومة العراقية فرصة، مضيفا أنه إذا لم تُترجم هذه الفرصة إلى إجراءات عملية فإن الموضوع "ذاهب إلى التصعيد".