لقد خضعت
الجزائر للاستعمار الفرنسي منذ
1830-1962، واحتلتها فرنسا وجعلتها ولاية تابعة لها، فمارست اقتلاعاً للشعب
الجزائري من جذوره الحضارية: من دينه ولغته، ثم جاء بعد الاستقلال حكم اشتراكي
ماركسي بقيادة أحمد بن بلّة وهواري بو مدين، وقد كان نظاماً علمانياً بالإضافة إلى
أنه اشتراكي ماركسي، وكان نظاماً مخابراتياً عنيفاً في مواجهة المواطنين
الجزائريين.
وكانت الجزائر منذ الاستقلال سنة 1962محكومة
بنظام الحزب الواحد، وكانت جبهة التحرير الوطني هي الحزب المسيطر على الدولة
والمجال السياسي.
وفي النصف الثاني من الثمانينات تراكمت
مشكلات خطيرة، وهي:
انخفاض أسعار النفط وبالتالي تراجع موارد
الدولة، وانتشار البطالة بين الشباب، ووجود أزمة للسكن، وارتفاع أسعار المواد
الأساسية وانتشار الشعور بالفساد والمحسوبية والجمود السياسي بالإضافة إلى شعور
قطاعات واسعة من الشباب بان النظام لم يعد يستجيب لمطالبهم.
يشير نجاح "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الانتخابات البلدية والولايات والانتخابات البرلمانية في المرحلة الأولى، بل تدل كل هذه النجاحات على مدى تجذر الإسلام في تركيبة الشعب الجزائري، وعلى حيوية هذه الأمة وارتباطها بدينها، فقد جاء هذا الانتصار مذهلاً بعد تجربتين قاسيتين عاشهما الشعب الجزائري، هما:
قامت اضرابات واحتجاجات في مناطق متعددة من
الجزائر خلال الثمانينات ثم انفجرت الأزمة بصورة أكبر في 5 اكتوبر عام 1988، ورفع
المتظاهرون مطالب اقتصادية واجتماعية وسياسية من ضمنها: الخبز والعمل والسكن
وتحسين المعيشة ثم الديمقراطية والإصلاح السياسي.
وتوسعت المظاهرات من العاصمة وأحيائها
الشعبية إلى مدن أخرى مثل وهران وعنابة وتدخل الجيش واستعمل العنف في مواجهة
المتظاهرين وأدى ذلك إلى مقتل كثير من المتظاهرين واعتقال الآلاف منهم.
تجاوب الشاذلي بن جديد مع هذه الحركة
الشعبية وأجرى تعديلات جوهرية في نظام الحكم تتعلق بالجوانب الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية وأبرزها إلغاء هيمنة جبهة التحرير الوطني على الحياة
السياسية، واعترف بحق إنشاء جمعيات ذات طابع سياسي، وضمن كل ذلك في دستور 1989، ثم
صدر قانون الجمعيات ذات الطابع السياسي في يوليو 1989 وظهرت عشرات الأحزاب وبلغ
عددها فوق الستين، وكان أبرزها وأهمها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة عباسي مدني
وعلي بلحاج.
ثم جرت انتخابات البلديات والولايات عام
1990 فاكتسحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ هذه الانتخابات ففازت في 853 بلدية من أصل
1541 و31 ولاية من أصل 48 ثم فازت الجبهة بالدورة الأولى للانتخابات البرلمانية
التي جرت في 22-12-1991 وحصلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على 188 مقعداً من 232
مقعداً، وكان مقرراً إجراء الدور الثاني يوم 16-يناير 1992 في 199 دائرة لم يحصل
فيها أي مرشح على الأغلبية المطلوبة في الدور الأول، وكان من المتوقع أن تحصل
الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أغلبية كبيرة جداً وربما نحو ثلثي مقاعد البرلمان في
بعض التقديرات.
ثم أجبر الرئيس الشاذلي بن جديد على
الاستقالة في 11 يناير 1992، ثم تقرر في 12 يناير 1992 الغاء الدور الثاني
للانتخابات وبذلك لم يكتمل إجراء الانتخابات ثم تشكل مجلس عسكري بقيادة محمد بو
ضياف، في 14 يناير 1992، ثم تم اغتيال محمد بو ضياف في 29 حزيران 1992 ثم استلم
الأمين زروال رئاسة الجمهورية عام 1994.
وبدأت العشرية السوداء بسبب الأزمة السياسية
التي نشأت من إلغاء الانتخابات، ثم تحولت إلى تمرد مسلح، ونشأت عشرات التنظيمات
المسلحة والتي كان بعضها مرتبطاً بالحكومة ومن أبرز التنظيمات المسلحة كان الجيش
الإسلامي للإنقاذ بوصفه الجناح المسلح للجبهة الإسلامية للإنقاذ، ومنها أيضا:
الجماعة الإسلامية المسلحة، والحركة الإسلامية المسلحة إلخ ...، ومارس بعضها قتل
المدنيين وانتهت هذه الجماعات المسلحة عندما فقدت كثيراً من قدرتها ودعمها، وظهرت
سياسة الوئام الأمني التي أطلقها بو تفليقة، ونجح في استقطاب معظم الجماعات المسلحة
وأنهى بذلك العشرية السوداء في الأعوام 1999-2002.
والآن يمكن أن نسجل الملاحظات التالية على
الأحداث السابقة التي بدأت في أكتوبر 1988 وانتهت بالعشرية السوداء، وهي:
الملاحظة الأولى: إن الأحداث التي وقعت في
1988 والتي أدت إلى تغييرات في الأوضاع السياسية، أعتقد أن لها جذوراً قديمة أشار
لها مالك بن نبي في محاضرة "مشكلة المفهومية في الجزائر" التي ألقاها في
الجزائر العاصمة بتاريخ 24-2-1964 وقد نشرت مترجمة إلى اللغة العربية في كتاب
"آفاق جزائرية"، فقد وضح في ذلك الكتاب أن المسؤولين أحسّوا بفتور من
بعض المواطنين، وأن الدافعية التي كانت أثناء الثورة الجزائرية 1954-1962 قد فترت
لدى المواطنين منذ الاستقلال، وظهرت نزعات فردية وأنانية لدى المواطنين، وظهر
الإهمال في بعض المصالح، والمخالفات والتعديات، لذلك فكّر المسؤولون بحل لهذه
المشكلة وكان مالك بن نبي من عالج ذلك، واقترح حلاً سماه حل "مشكلة المفهومية
في الجزائر" واعتقد أن هذا الإشكال لم تستطع حله جبهة التحرير الجزائرية منذ
ذلك الحين، بل استشرى وأدى إلى الإضرابات والمظاهرات التي تحدثنا عنها في عام 1988
سابقاً.
تُبرز التجربة الجزائرية أن النجاح الانتخابي الواسع الذي حققته الجبهة الإسلامية للإنقاذ عكس حجم الحضور الشعبي للتيار الإسلامي وقدرته على كسب ثقة الناخبين، إلا أن هذا النجاح لم يكن كافياً للوصول إلى الحكم في ظل هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي.
الملاحظة الثانية: يشير نجاح "الجبهة
الإسلامية للإنقاذ" في الانتخابات البلدية والولايات والانتخابات البرلمانية
في المرحلة الأولى، بل تدل كل هذه النجاحات على مدى تجذر الإسلام في تركيبة الشعب
الجزائري، وعلى حيوية هذه الأمة وارتباطها بدينها، فقد جاء هذا الانتصار مذهلاً
بعد تجربتين قاسيتين عاشهما الشعب الجزائري، هما:
الأولى ـ الاستعمار الفرنسي الذي امتد أكثر
من مائة وثلاثين سنة حاول الاستعمار الفرنسي اقتلاع الشعب الجزائري من جذوره
الدينية، وتدمير وحدته الثقافية الممتلئة بالدين الإسلامي واللغة العربية.
الثانية ـ الحكم العلماني الاشتراكي بقيادة
جبهة التحرير الوطني الجزائري التي حاولت تغريب الجزائر ومارست أقسى درجات القسوة
والعنف في علمنة الشعب الجزائري.
ومع ذلك فشلت تلك المحاولات وأيد الشعب
الجزائري حركة الدعوة إلى الإسلام المتمثل بالجبهة الإسلامية للإنقاذ، مع حداثتها
وعدم وجود تاريخ عريق لها، مما يدل على أن الاختيار تم بسبب كونها إسلامية فقط،
وكون الشعب الجزائري ينحاز للإسلام رغم كل محاولات الاستعمار الفرنسي في تدمير
الوحدة الثقافية لمدة 120 عاماً، وفشله في ذلك ورغم محاولات الحكم الاشتراكي
الماركسي بعد الاستقلال بتغريبه وعلمنته وفشله في ذلك.
الثالثة ـ تعثرت محاولة "الجبهة
الإسلامية للإنقاذ" في الوصول إلى السلطة في الجزائر، بسبب الجيش وإلغائه
الدور الثاني للانتخابات، وربما جاء هذا التعثر بسبب عدم التقدير الحقيقي لوضع
الجيش من قبل قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ فقد كان يعتبر عباسي مدني في البداية
أن الجيش موجود فقط لحماية الوطن من الأعداء، وكان يظن أن الجيش سيحترم خيارات
الشعب، وأنه سيسلم السلطة لمن يفوز بصناديق الاقتراع، لكن تبين له بعد ذلك أن
الجيش ليس محايداً، وأنه هو الذي يملك السلطة ويقود الحكم، وأنه سيقمع أي طرف وأية
جهة تحاول أن تعتدي على سلطته وحكمه.
الملاحظة الرابعة: هناك دول في التاريخ
المعاصر، قام الجيش أولاً ثم أقيمت كل الكيانات الأخرى المؤسسة للدولة حوله وفي
خدمته ولصالحه واستمراريته وقوته من مثل الكيان الاقتصادي والسياسي والثقافي إلخ، الجزائر واحدة من هذه الدول.
وربما كان هذا الإجراء في البداية سليماً
ومعقولاً، أي جعل الجيش محور الدولة، بعد
التجربة القاسية التي عاشتها الجزائر مع
الاستعمار الفرنسي لمدة مائة وثلاثين عاماً، لكن الجيش تحول في مرحلة لاحقة إلى
دولة عميقة تحكم البلد وترفض أن تستجيب لمطالب الشعب، وأن تخضع لصناديق الاقتراع.
الخلاصة:
تُبرز التجربة الجزائرية أن النجاح
الانتخابي الواسع الذي حققته الجبهة الإسلامية للإنقاذ عكس حجم الحضور الشعبي
للتيار الإسلامي وقدرته على كسب ثقة الناخبين، إلا أن هذا النجاح لم يكن كافياً
للوصول إلى الحكم في ظل هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي. وقد أدى إلغاء
المسار الانتخابي إلى دخول البلاد في أزمة طويلة تحولت إلى صراع دموي عُرف
بالعشرية السوداء. وتكشف هذه التجربة أن أي مشروع للتغيير السياسي يحتاج إلى إدراك
دقيق لطبيعة الدولة وموازين القوى الفاعلة فيها، وأن غياب التوافق بين الإرادة
الشعبية والمؤسسات الحاكمة قد يقود إلى صدامات مكلفة تعطل مسار الإصلاح وتؤثر في
استقرار المجتمع لسنوات طويلة.