بينما كانت أنظار الإسرائيليين
مُتجهة شرقًا نحو إيران، ووكلائها، تُظهر نظرة غربية أن الكتلة الإسرائيلية اليونانية
القبرصية تعمل لتغيير موازين القوى في المنطقة، ويجانب الاحتلال، توجد دول، بعضها مُفاجئ،
تُعيد بالفعل صياغة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، استعدادًا للمستقبل، مما ينذر بقلق
لديه.
نائب رئيس قسم التخطيط
السابق في جيش الاحتلال للشؤون الفلسطينية، وضابط رفيع في الاستخبارات البحرية، عاميت
ياغور، ذكر أنه "بينما يتركز الاهتمام الاستراتيجي والاستخباراتي والرأي العام
بشكل شبه كامل على التهديدات المباشرة من الشرق، تتكشف في الغرب القريب بنية أمنية
واقتصادية مثيرة للاهتمام".
وأضاف في مقال نشره
موقع
ويللا، وترجمته "عربي21" أن "الرؤية الأوروبية للمجال البحري بين
القاهرة وأنقرة ونيقوسيا وأثينا باتت تتمحور حول إعادة تنظيم الإقليم السياسي، مع التركيز
على تعزيز دور
شرق المتوسط، بقيادة إسرائيل وشركائها اليونانيين، وربما مصر، باعتباره
الجناح الغربي اللوجستي والطاقي لممر التجارة البحرية بين الشرق والمتوسط (IMEC)، وبوابة الخروج الرئيسية للسلع والطاقة والبنية
التحتية من الشرق إلى أوروبا".
وأشار أنه "من
أجل فهم مدى أهمية هذا المسار، من الضروري أولاً ربط أحداث الأسابيع الأخيرة على خريطة
المحور الإقليمي عبر عدة اتجاهات، أولها أن مصر تُجري مناورة محسوبة متعددة الأبعاد،
فمن جهة، وافقت على تعاون صناعي أمني واسع النطاق مع تركيا، يشمل الإنتاج المشترك للطائرات
المسيّرة والذخائر والأنظمة البحرية على الأراضي المصرية، بهدف تحقيق الاستقلال التكنولوجي".
وأوضح أنه "من
جهة أخرى، أوضحت مصر لتركيا حدود هذا القطاع: قمة ثلاثية في العلمين مع اليونان وقبرص،
بجانب قرار إرسال قوة عسكرية مصرية للمشاركة في عرض عيد استقلال قبرص في أكتوبر، وهو
أمر سيثير استياء تركيا بشدة، وبالتالي فإن الرسالة المصرية واضحة ومفادها أننا سنتعاون
مع الصناعة التركية، لكننا سنحافظ على حدودنا البحرية، وتحالفاتنا في مجال الطاقة مع
الكتلة اليونانية القبرصية".
وأكد أن "الاتجاه
الثاني يتمثل في أن إسرائيل نفسها لا تقف مكتوفة الأيدي، بل تتحرك بسرعة لتعزيز مواقعها،
فقد قام الرئيس يتسحاق هرتسوغ بزيارة دبلوماسية خاطفة إلى نيقوسيا، قبل أيام قليلة
من رأس السنة العبرية، وفي ظل التوترات مع إيران، ويشير توقيت الزيارة إلى استراتيجية
استباقية، تهدف لتهدئة المخاوف في قبرص من أي تحرك دبلوماسي بحري تركي".
وأضاف أنه "في
الوقت نفسه، تسعى إسرائيل لترسيخ موقعها المركزي في قبرص في اليوم التالي لانتهاء الحرب
الدائرة في المنطقة، ولعل أبرز ما في محادثات نيقوسيا هو استعداد شركات الدفاع الإسرائيلية
لدراسة إنشاء فروع إنتاجية وتشغيلية على الأراضي القبرصية، مما يمثل ثقلاً موازناً
دقيقاً ومباشراً لدخول الصناعات التركية إلى مصر".
وأكد أن "من شأن
هذه الخطوة أن تمنح الصناعة الإسرائيلية موطئ قدم داخل أراضي الاتحاد الأوروبي، وعمقاً
استراتيجياً لوجستياً مستقلاً، يُضاف لذلك حركة النقل الجوي المدني الكثيفة التي تتجاوز
200 رحلة أسبوعياً بين الدول".
وأوضح أن "الاتجاه
الثالث يتعلق يمستقبل "تحالف مكة"، وهو اتفاق دفاعي ثلاثي بين السعودية وتركيا
وباكستان، في مواجهة الحوثيين وإيران، لكنه لا يُقدم استجابة أمنية فعّالة للسعودية
ودول الخليج في مواجهة تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما يُقدم التحالف الإسرائيلي
اليوناني نموذجاً معاكساً: تحالف عسكري وطاقة وصناعي عملي مدعوم من الولايات المتحدة،
يوفر دفاعاً حقيقياً واستمرارية استراتيجية".
وختم بالقول إنه
"بينما تتجه الأنظار شرقاً، يُعاد بناء وتشكيل البنية الجيوسياسية لشرق المتوسط،
في مواجهة بين كتلة "النظام الجديد" وكتلة "النظام القديم"، وبينما
ستبدأ وتنتهي الحرب ضد إيران ووكلائها في فترة زمنية محددة، فإن النشاط الدبلوماسي
والأمني والصناعي المكثف في المجال البحري هو الذي يرسخ أسس النظام الإقليمي المتين
في مرحلة ما بعد الحرب".