ما وراء منع وزير النقل المصري من التفاوض المباشر على قروض خارجية؟

تلتهم الديون بفوائدها نحو 60 بالمئة من إجمالي مصروفات الدولة المصرية - الأناضول
تعتزم الحكومة المصرية وقف أي اقتراض خارجي جديد لتمويل مشروعات وزارة النقل ما لم توافق عليه "لجنة الدين العام" بمجلس الوزراء، مع حرمان الوزير من التفاوض المباشر على قروض خارجية، وذلك مع وصول حجم ديون قطاع النقل أرقاماً قياسية، وأيضاً بالتزامن مع تسريبات حول تفشي الفساد الإداري والمالي داخل الوزارة.

يرجع سبب القرار المفاجئ إلى المسار التصاعدي للديون، بحسب مصدر حكومي لنشرة "إنتربرايز" المحلية، التي أوضحت أن قروض مشاريع وزارة النقل تقترب من 14 مليار دولار، صعوداً من 12.5 مليار دولار العام السابق، متوقعة وصولها 18 مليار دولار، بحسب تقديرات الوزارة التي كانت تجري مباحثات منفردة مع جهات التمويل للحصول على القروض، مما أدى لتراكم التزامات القطاع.

القرار الحكومي قد يندرج تحت رغبة الدولة في تقليل حجم الدين الخارجي، وعلى خلفية وصف صندوق النقد الدولي لها بأنها تشكل "خطراً سيادياً مرتفعاً"، ومطالبته بـ"تشديد الرقابة على الكيانات والمشروعات خارج الموازنة العامة"، مع وصول الديون المضمونة سيادياً إلى 5.4 تريليون جنيه حتى حزيران/يونيو 2025.

إلا أن صدور القرار الحكومي لوقف قروض وزارة النقل بعد شهرين من تصريح صندوق النقد في تموز/يوليو الماضي، وعقب 7 شهور من إطلاق الصندوق تصريحات مماثلة في شباط/فبراير وآذار/مارس الماضيين، يثير التساؤل حول ما إذا كانت التسريبات الجارية بحق فساد الوزير ونجله ومستشاريه كانت السبب الآني في وقف تفاوضه المباشر على قروض خارجية لمشروعات النقل.

وعلى مدار الشهر الماضي، نشر الناشط المصري المعارض والباحث في الصناعات الدفاعية مؤمن أشرف تسريباتٍ لمستندات تحمل اتهامات بالفساد المالي والإداري والتربح من المشروعات وإسنادها بالمخالفة للقانون مقابل عمولات وترتيبات غير قانونية، متورط فيها فريق وزير النقل كامل الوزير، ذاكراً وقائع تطال أسماء نجله عبد الهادي الوزير، وعدد من مساعدي ومستشاري الوزير.

هدر للإمكانيات وإغراق بالديون

في قراءته الاقتصادية، قال الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى يوسف، إن "القرار جيد في ذاته، ولو تم الالتزام بتعليمات صندوق النقد الدولي وتوصيات البنك الدولي في التوقف عن الاقتراض الخارجي بشكل عام، كون الدين وصل لمرحلة حرجة جداً، خاصة وأنه لا توجد زيادة في الموارد كالصادرات، والموارد الوحيدة القادمة من بيع أصول سيادية".

الباحث في الاقتصاد السياسي والتنمية والعلاقات الدولية، وفي حديثه لـ"عربي21"، يرى أنه "من الجيد أن يتم إيقاف الاقتراض وتُمنع مفاوضة أي جهة إلا للأساسيات، كأن تقترض لعمل مصنع دواء مثلاً وأشياء من هذا القبيل؛ أما كل ما يحدث في وزارة النقل من مشروعات تدور حول العاصمة الإدارية والعلمين فهذا هدر حقيقي لإمكانيات الدولة وإغراق لها في ديون بلا منطق".

ولفت إلى أن "خدمة الدين (الفوائد والأقساط) تلتهم في الموازنة العامة للدولة بين 54 بالمئة إلى أكثر من 60 بالمئة من إجمالي مصروفات الدولة، وتصل إلى نحو 76 بالمئة من إجمالي إيرادات الموازنة العامة، مقابل تقليص الإنفاق على الدعم والأجور ومشروعات التنمية لسداد فوائد وأقساط ديون تم اقتراضها لأجل مشروعات النقل والكباري والطرق غير المطابقة للمواصفات الفنية والهندسية، وأغلبها لم تولد أية عوائد ولا استثمارات".

نحو إفلاس بفعل الفساد

المدير التنفيذي للمركز الدولي للدراسات التنموية أكد قائلاً: "لهذا ندور في حلقة مفرغة؛ تؤدي إلى مزيد من الديون، وتقرب الدولة من حالة الإفلاس، وأصبحنا في موقف لا نحسد عليه، وسط تجاهل ما يثار عن شبهات الفساد وإهدار المال العام، وفق ما عرضه الناشط مؤمن أشرف من تسريبات تخص وزير النقل ومساعديه ونجله".

يوسف ضرب مثلاً برجل الأعمال صافي وهبة -صهر أحمد السيسي شقيق رئيس النظام- كنموذج لعمليات تربح المقربين من النظام في السنوات الماضية، موضحاً أنه "انتقل من فئة تاجر يستورد موبايلات ليصبح الآن من كبار رجال المال والأعمال بالبلاد"، معتبراً أنها "كلها أمور لا تبشر بالخير، وتأخذ البلاد في سكة القروض والطروحات التي بينها ما أثير عن استبدال قناة السويس بالديون المصرية مؤخراً على لسان رجل الأعمال حسن هيكل".

وتساءل الباحث المصري في دراسات الجدوى والدراسات التنموية: "أين المنطق في بيع شركات الأسمدة والبتروكيماويات تحديداً وهي شركات أساسية جداً وتولد عملة صعبة وتشغل عمالة؟ وفي نفس الوقت تقوم الحكومة بعمل برج أيقوني وأكبر مسجد وكنيسة ونجفة وساري علم وغيرها؛ فهذا بالطبع أمر عبثي، يؤكد تجاوزنا مرحلة اللاتخطيط إلى مرحلة العبث".

وأضاف: "بدلاً من بناء 1000 مستشفى بأحدث طراز، و1000 معهد فني ومعامل، و3 آلاف مدرسة تعليم أساسي ومتوسط، وتحديث المدارس المتهالكة، يأتي الإنفاق السفهي الذي لا يمثل إضافة للاقتصاد القومي ولا التنمية الاقتصادية والبشرية، ومنه مشروع مثل (المونوريل) الذي لا أجد له جدوى سوى تقلد دول غنية مثل قطر التي أنفقت عليه لأجل كأس العالم، والإمارات التي تنشئه لأجل السياحة، أما أنت فما هو المنطق؟ فلا خطط تنمية، وهناك هدر لإمكانيات الدولة، واستدانة طوال الوقت".

وفي تحليله أرجع "خروج قرار وقف اقتراض وزارة النقل الآن للتسريبات التي أطلقها الناشط مؤمن أشرف، وتشير لاتهام الوزير ونجله والمساعدين بالفساد"، مؤكداً أن "هذا هو الخط الذي يسير عليه نظام 3 يوليو منذ 2013".

ضرورة المراجعة

وطالب متابعون مصريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بأن تكون هناك "مراجعة رقابية"، لما حصل عليه الوزير العسكري الفريق كامل الوزير، ورئيس الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة الأسبق، والرجل المقرب من رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، والذي منحه رتبة استثنائية على الهواء من لواء إلى فريق، "من قروض وطرق إنفاقها".

كما دعوا إلى "مراجعة جدوى تلك المشروعات، ووقف التي لم تُنفذ منها وتحتاج إلى الاقتراض، وإعادة ترتيب أولويات المشروعات وتقييم دراسات الجدوى الاقتصادية لبعضها، وجدولة ديون الوزارة والسعي لإيجاد وسائل لسدادها بعيداً عن جيب المواطن المصري أو تحميلها للموازنة العامة للدولة".

ويقول مصريون إنهم لم يستفيدوا من مشروعات وزارة النقل، بل إنها كانت "وبالاً عليهم"، برفع أسعار ركوب مترو الأنفاق الذي بدأ عهد السيسي فيه بتذكرة موحدة قيمتها جنيه واحد، لتصبح 20 جنيهاً الآن، مع زيادات لم تتوقف على تذاكر القطارات بمختلف درجاتها، لتصل "تالجو" المكيفة بين (500 إلى 700 جنيه)، والروسية والفرنساوي من (190 إلى 390 جنيهاً)، ليشهد عام 2024 وحده زيادتين في آذار/مارس ثم في تموز/يوليو بين 12.5 بالمئة للخطوط الطويلة و25 بالمئة للخطوط القصيرة "تحيا مصر".

ورغم ما تحصل عليه الوزارة من قروض، فإن بياناتها مع كل زيادة في أسعار ركوب القطارات والمترو ووسائل النقل الجماعي في القاهرة، تؤكد أنها لتغطية مصاريف التشغيل، وسداد الديون المتراكمة على هيئات الوزارة، وتطوير الخدمة بعد إدخال قطارات وعربات جديدة، ما يعني وفق محللين، تحميل المواطن عبء التشغيل وسداد الديون والتطوير، مؤكدين أن المواطن لم يشعر بأي تحسن في خدمات النقل، رغم ما يُثار عن حجم الإنفاق.

ويشير تقرير لـ"البنك الدولي" إلى عدم استفادة المصريين من القروض التي حصلت عليها السكك الحديدية لأجل التطوير، مؤكداً أن القرض البالغة قيمته 421 مليون دولار، وبعد مرور 5 سنوات، لم يسهم في تقليل نسب الوفيات التي ظلت عند مستوى 0.56 وفاة وإصابة لكل مليار راكب/كيلومتر، كما كانت قبل بدايته في 2022، وذلك في الوقت الذي صنَّف فيه مخاطر الإدارة المالية والائتمانية لقروض مشروعات السكك الحديدية بمصر في مستوى "مرتفع".

ويشكو ملايين المصريين في محافظات الدلتا ووادي النيل، التي تصل إلى 21 محافظة من بين 27 محافظة، من إهمال حكومي للطرق الداخلية التي تربط المدن والقرى والمحافظات، ما يؤدي يومياً إلى حوادث تسببت في مقتل 5829 شخصاً وإصابة نحو 85 ألفاً عام 2025، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وشهدت البلاد خلال العام الجاري حوادث قتل أثارت الشارع المصري لوقوع عدد كبير من الأطفال فيها، ومنها حادثتا "الإسماعيلية" الشهر الماضي، ومقتل 19 وإصابة 30، و"غيط العنب" الذي راح ضحيته 20 مصرياً غالبيتهم فتيات، وذلك رغم ما تعلنه وزارة النقل من أرقام وإنجازات.

التكلفة عالية والفائدة غائبة

وفي 10 تموز/يوليو الماضي، ووفق بيان إنجازات وزارة النقل بين (2014-2026)، فإن التكلفة الإجمالية لمشروعات الطرق والكباري والسكك الحديدية والأنفاق والجر الكهربائي والموانئ البحرية والموانئ البرية والجافة والمناطق اللوجستية والنقل النهري تعدت 2 تريليون جنيه، وذلك برغم إعلان السيسي رقماً أكبر من ذلك حين قال في آذار/مارس 2022: "نفذنا مشروعات النقل بتكلفة 2.6 تريليون جنيه"، ما يؤكد حجم تضارب الأرقام المعلنة.

ويشير البعض إلى أهمية تطوير السكك الحديدية كونها الأقدم بأفريقيا والشرق الأوسط، والثانية عالمياً بعد المملكة المتحدة، حيث بدأ إنشاؤها عام 1834، مشيدين بإعلان الوزارة تنفيذ وتخطيط 80 مشروعاً لوسائل الجر، والإشارات، والوحدات المتحركة بتكلفة 142 مليار جنيه، لخدمة ما بين 1.1 إلى 1.2 مليون راكب يومياً، رغم ما تقره الوزارة من ارتفاعات على سعر الخدمة تزيد من ضغوط المواطنين.

إلا أن انتقادات المعارضة المصرية وبعض نواب بالبرلمان طالت باقي مشروعات المنظومة، مؤكدين أنها لم تعد بالنفع على 120 مليون مصري رغم الدعاية والتكلفة وحجم القروض والأقساط والفوائد، ملمحين إلى أنها تسير بالصحراء لربط العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة، وأنه رغم أهميتها في ربط البحرين الأحمر والمتوسط إلا أن التكلفة العالية ووسائل التنفيذ الباهظة وخاصة "المونوريل"، والعائد منها فاقم أزمات البلاد مع الديون والعملات الصعبة.

ومن تلك المشروعات، القطار الكهربائي الخفيف (LRT) بطول 100 كيلومتر، الذي يقام بتكلفة تبلغ نحو 22 مليون دولار لكل كيلومتر، والمونوريل، الذي يجري تنفيذه بالصحراء على خرسانات أسمنتية بمسافة نحو 100 كيلومتر في خطين يربطان العاصمة الجديدة ومدينة السادس من أكتوبر، وذلك إلى جانب القطار الكهربائي السريع (السخنة/ العاصمة الجديدة/ العلمين/ مطروح) بطول 660 كيلومتراً، ويربط البحرين الأحمر والمتوسط.

وتبلغ تكلفة المونوريل 2.8 مليار دولار لخطيه (شرق وغرب النيل)، بينما تصل تكلفة القطار الكهربائي السريع 23 مليار دولار، والقطار الخفيف نحو 1.3 مليار دولار، وهي الأرقام التي تقل عن أرقام حكومية أعلى بكثير مع توقيع عقود التشغيل والصيانة والورش المجمعة، وعلى سبيل المثال تصل إجمالي عقود المونوريل إلى 4.5 مليار دولار بحسب أرقام أعلنتها الشركات المنفذة.

وأشارت "إنتربرايز" إلى أن الهيئة القومية للأنفاق، والمسؤولة عن مشروعي "المونوريل" و"القطار الكهربائي السريع"، بلغ حجم ضخ رؤوس الأموال بها 19.3 مليار جنيه، فيما وصل بالهيئة القومية لسكك حديد مصر، التي تنفذ عملية تحديث واسعة لعدد من خطوط السكك الحديدية، لنحو 10.5 مليار جنيه، كما بلغت التمويلات المحلية والأجنبية للقطاع 317 مليار جنيه في موازنة العام المالي (2025-2026).

وتبلغ القروض والالتزامات الخاصة بمشروعات وزارة النقل ما بين 18 إلى 20 مليار دولار، ما يقدر بحوالي 12.5 بالمئة إلى 13 بالمئة من إجمالي الدين الخارجي لمصر الذي يقدر بنحو 164 مليار دولار، بحسب تصريحات وزير النقل في آذار/مارس الماضي.

لكن الأرقام تشير إلى أن الوزارة تسعى لمزيد من القروض، وأنها الأكثر حاجة للاقتراض من بين الهيئات الاقتصادية التي تستهدف اقتراض 459.2 مليار جنيه، بينما هيئات وزارة النقل العشر تسعى لاقتراض 321.9 مليار جنيه، تنقسم إلى 170.8 مليار جنيه قروضاً محلية، وما يوازي 151.9 مليار جنيه قروضاً خارجية، بحسب موقع "متصدقش".