منذ اعتقاله في
إيطاليا أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، يقبع الناشط الإغاثي الأردني الشيخ
رياض البستنجي في السجن على ذمة قضية تتعلق باتهامات بتمويل حركة "حماس" عبر جمعيات خيرية.
وبعد نحو تسعة شهور من توقيفه، تتصاعد المخاوف بشأن وضعه الصحي، لا سيما بعد تداول فيديو من اتصال مصور أجراه البستنجي مع ذويه، تحدث فيه عن معاناته الصحية، وفقدانه السمع نهائيا في إحدى أذنيه، وشبه فقدانه البصر في إحدى عينيه.
كما تحدث البستنجي أنه يواجه "خطر الموت الحقيقي"، متحدثا عن تفاصيل العذاب الذي يواجهه بسبب الآلالم والأوجاع في البروستات، إضافة إلى ارتفاع ضغط الدم، والكولسترول بشكل كبير جدا.
وقال البستنجي إن إدارة السجن تمنعه حتى من العلاج على نفقته الشخصية، وأنها تمنعه من الحديث مع إحدى بناته التي تعاني من مرض خطير.
وتحدى البستنجي أجهزة الأمن الإيطالية بإثبات أي تهمة تدينه، وتربطه بالإرهاب.
وبحسب نجله سيف، والمحامي فتحي أبو نصار، لم تبدأ محاكمة الشيخ رياض البستنجي حتى الآن، فيما لا يزال موقوفاً تحت بند "الحبس الاحتياطي" دون صدور لائحة اتهام رسمية متبناة من القضاء.
وكانت السلطات الإيطالية قد أعلنت في 27 كانون الأول/ديسمبر 2025 توقيف تسعة أشخاص في إطار تحقيق قادته نيابة مكافحة المافيا والإرهاب في جنوة، للاشتباه في تحويل نحو 7 ملايين يورو إلى "حماس" عبر شبكة من الجمعيات التي تقول السلطات إنها كانت تعمل تحت غطاء العمل الخيري. وكان البستنجي، البالغ من العمر 60 عاماً، واحداً من الموقوفين.
وفي نيسان/أبريل 2026، ألغت محكمة النقض الإيطالية قرارات سابقة تتعلق باستمرار احتجاز البستنجي وثلاثة متهمين آخرين، وأعادت الملف إلى محكمة المراجعة في جنوة لإعادة تقييمه.
إلا أن محكمة المراجعة في جنوة عادت في حزيران/يونيو الماضي إلى تثبيت احتجاز البستنجي ومحمد حنون ورائد داود وياسر العسلي، ليبقى الأربعة في السجن، بينما أُفرج عن بقية الموقوفين تدريجياً.
نشاط طويل ومشاركة بـ"أسطول الحرية"
يُعرف البستنجي بنشاطه الممتد في مجال العمل الخيري ودعم الشعب
الفلسطيني في أوروبا؛ إذ يترأس الجمعية الخيرية لمناصرة الشعب الفلسطيني في إيطاليا، وشارك سابقاً في رحلات كسر الحصار عن قطاع غزة، بما في ذلك قافلة "شريان الحياة"، وأسطول الحرية على متن سفينة "مافي مرمرة" عام 2010، والتي تعرض خلالها للاحتجاز والاعتقال من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي قبل الإفراج عنه.
ويقول المحامي فتحي أبو نصار لـ"عربي21" إن العمل الإنساني والتطوعي للشيخ البستنجي معروف ومكشوف، وإن وجود علاقة بين جمعية إغاثية وبين أشخاص أو جهات تُنسب لها صلات بحركة حماس لا يكفي، بحد ذاته، لإثبات علمه بأن أموالاً جُمعت لأغراض إنسانية ستُستخدم في نشاط إرهابي، وهو تحديداً ما طالبت محكمة النقض بإثباته عبر أدلة مادية ملموسة لا مجرد استنتاجات أمنية.
تفاصيل الاعتقال ودوامة "التسويف القضائي"
روى سيف، نجل البستنجي، لـ"عربي21" كواليس يوم اعتقال والده قائلاً إن قوات الأمن الإيطالية داهمت مقر الجمعية في جنوة بـ 27 كانون الأول/ديسمبر الماضي وأوقفت والده وعدد من الناشطين.
وأوضح أن الأسبوعين الأوليين شهدا عزلاً تاماً ومؤزراً، مُنع خلاله حتى فريق المحامين (المكون من 12 محامياً متعاطفاً مع القضية الفلسطينية) من التواصل مع المعتقلين.
وأشار سيف إلى أن الملف يخضع منذ تسعة شهور لما وصفه بـ "دوامة التسويف والتبادل الإجرائي" بين محكمة النقض في روما والادعاء العام في جنوة؛ حيث تعيد روما الملف لعدم كفاية الأدلة وتمنح جنوة مهلة لإخلاء السبيل أو تقديم أدلة جديدة، فيلجأ الادعاء العام إلى استغلال المهل القانونية والاستفسار المتبادل لكسب الوقت وإبقاء المعتقلين خلف القضبان دون محاكمة موضوعية.
"ملف الـ 39 يتيماً"
وحول طبيعة الأدلة التي يُبنى عليها الملف، كشف سيف لـ"عربي21" أن الادعاء العام استند إلى اختراق حسابات الجمعية والوصول إلى قوائم التبرعات الخاصة بـ 40 ألف يتيم فلسطيني.
وأوضح أن التحقيق اقتطع ملفاً فرعياً يضم 39 يتيماً، وزعم أنه تبين لديه بعد البحث في خلفيات آبائهم أن ثلاثة منهم ينتمون لحركة "حماس"، لُيتخذ ذلك مستنداً لتهمة "دعم الإرهاب".
وأضاف سيف أن والده واجه القاضي بهذا المنطق قائلاً: *"لدينا ملفات تكفل 40 ألف يتيم، فهل يُعقل أن نُطالب بالبحث في الخلفيات السياسية لآباء الأطفال؟ وهل يُحرم الطفل اليتيم من الغذاء والدواء والعلاج فقط بسبب انتسابه بالدم لوالده؟"*.
معلومات استخبارية إسرائيلية
وبحسب المحامي أبو نصار، فإن النيابة الإيطالية اعتمدت في بناء القضية على ملف معلومات قدمته جهة استخبارية إسرائيلية وسُلّم باليد للجانب الإيطالي، مؤكداً أن الملاحظات الاستخبارية لا ترتقي إلى مستوى الأدلة الجنائية المقبولة قانوناً ما لم تُدعم ببينات قابلة للفحص والمحاججة أمام القضاء.
وشدد أبو نصار على أن استمرار الحبس الاحتياطي للبستنجي يشكل مخالفة صريحة التشريعات الإيطالية والدولية، وتحديداً:
1. المادة 274 من قانون الإجراءات الجزائية الإيطالي: التي تشترط لوجوب الحبس الاحتياطي وجود أسباب محددة وحالية؛ كوجود خطر حقيقي على الأدلة، أو خطر الهرب، أو احتمال ارتكاب جرائم خطيرة، وهو ما لا ينطبق على حالة البستنجي.
2. المادة 5 (الفقرة 3/5) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان: التي تكفل الحق في الحرية وعدم الاحتجاز رهن الحبس الاحتياطي لمدة غير معقولة.
3. المادة 13/3 من الاتفاقية الأوروبية: والتي تحظر المعاملة اللاإنسانية والمهينة، خاصة في ظل تدهور وضع الموقوف الصحي.
حراك برلماني إيطالي
وعلى الصعيد السياسي، شهدت القضية تفاعلاً داخل الأوساط الإيطالية؛ إذ زار البستنجي في سجنه ثلاثة نواب إيطاليين وعضو البرلمان الأوروبي ميمو لوكانو.
وفيما يتعلق بالموقف الرسمى الأردني، أوضح سيف أنه تواصل منذ اليوم الأول مع وزارة الخارجية والسفارة الأردنية في روما، وربطه لقاء بالسفير الأردني شرح فيه الأخير أن القضية تتسم بالتعقيد الدبلوماسي نظراً لأن البستنجي يحمل إقامة دائمة في إيطاليا ويخضع لقوانينها، ما يدفع السلطات الإيطالية للرد بأن الأمر "شأن قضائي داخلي".
ورغم ذلك، تطالب عائلة البستنجي بتدخل رسمي لحماية والدهم، والمطالبة بالحد الأدنى بنقله إلى منشأة طبية مناسبة أو تسفيره إلى الأردن لتلقي العلاج.
و
مع بلوغ مدة الاحتجاز تسعة شهور، تتزايد المخاوف على حياة الشيخ رياض البستنجي، الذي يعاني من مرضي السكري والضغط، إلى جانب التدهور الحاد في الرؤية وفقدانه البصر في إحدى عينيه داخل سجن روسانو.
ويختم أبو نصار بالقول إن الإبقاء على البستنجي رهن الحبس الاحتياطي دون تقديم أدلة أو البدء بمحاكمة عادلة، وفي ظل ظروف صحية حرجة، يتجاوز قواعد العدالة ليتحول إلى عقوبة المسبقة تتطلب تحركاً حقوقياً ودبلوماسياً عاجلاً لإنقاذ حياته.