هؤلاء يرغبون في إعادة تشكيل جيش الاحتلال ويريدون البقاء بقطاع غزة

انتقدت منظمات حقوقية الإخفاقات المتكررة لقوات الجيش الإسرائيلي- الأناضول
سلطت صحيفة "فايننشال تايمز" الضوء على تيار الصهيونية الدينية لدى الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدة أنه يسعى منذ سنوات للسيطرة على المؤسسة العسكرية في تل أبيب، ويريدون البقاء في قطاع غزة إلى ما لا نهاية.

ولفتت الصحيفة في تقرير لها إلى أنه عشية أحد أيام السبت من العام الماضي، قرر الحاخام أبراهام زاربيف إرسال رسالة مباركة لأتباعه. لكن مكان تصوير رسالته -التي بُثت في مقطع فيديو مدته دقيقة واحدة- لم يكن كنيسا يهوديا، بل كان وسط أنقاض قطاع غزة.

صرخ زاربيف -وهو جندي احتياط في الجيش الإسرائيلي- أمام الكاميرا قائلا: "نحن هنا. حتى النهاية!"، بينما كانت جرافة تشق طريقها وسط مساحات شاسعة من الرمال والخرسانة المحطمة خلفه، مضيفا: "حتى النصر! حتى الاستيطان!".

كان هذا المقطع واحدا من عشرات المقاطع التي صورها زاربيف لتوثيق عمليات تسوية المنطقة الفلسطينية بالأرض؛ وزعم العام الماضي أنه هدم 50 مبنى أسبوعيا أثناء خدمته كسائق جرافة في الجيش الإسرائيلي.

وبفضل مزيج من الخطاب الديني ومشاهد المباني المنهارة، اكتسب زاربيف شهرة واسعة في إسرائيل؛ إذ يستخدم مؤيدوه لقبه كمرادف لفعل "التسوية بالأرض" (أو الهدم الكلي). وفي وقت سابق من هذا العام، كرمته الحكومة اليمينية المتطرفة خلال مراسم الاحتفال بيوم الاستقلال الوطني.



ورغم أن بعض قادة المعارضة الإسرائيلية أدانوا هذه الخطوة، إلا أن تكريم زاربيف سلط الضوء على تحول أوسع نطاقا: يتمثل في النفوذ المتزايد للقوميين المتدينين داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية -التي كانت علمانية تقليديا- وتحول أيديولوجيتهم، التي كانت يوما ما هامشية، إلى تيار سائد.

يقول نير أفيشاي كوهين، وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان خدم في قوات الاحتياط لعقدين وسرد تجاربه في مذكرات نُشرت مؤخرا: "عندما بدأت مسيرتي كضابط شاب في العقد الأول من الألفية، لم تكن تشعر بذلك حقا. لكن في السنوات الخمس إلى السبع الماضية، أصبح الأمر يزداد قوة يوما بعد يوم".

على مدى عقود تلت تأسيس إسرائيل عام 1948، هيمنت النخبة العلمانية -إلى حد كبير- التي كانت تدير البلاد على الجيش الإسرائيلي. ولكن على مدار العشرين عاما الماضية، واجهت قبضتهم على هذه المؤسسة تحديات متزايدة من جانب تيار الصهيونية الدينية في إسرائيل.

يؤمن أتباع هذا التيار -المعروفون أيضا باسم "القوميين المتدينين"- بأن عليهم واجبا دينيا يتمثل في استيطان "أرض إسرائيل"، التي يعتبرون أنها تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وتشكل هذه الفئة حوالي 15% من اليهود الإسرائيليين. لكن في السنوات الأخيرة، باتت هذه الفئة تؤدي دورا متزايد الأهمية في الحياة العامة. ففي عام 2018، بلغت نسبة الطلاب الضباط في سلاح المشاة المنتمين لتيار "الصهيونية الدينية" 34.8%، ارتفاعا من 2.5% عام 1990، وذلك وفقا لدراسة أُجريت عام 2021.



ويشغل هؤلاء حاليا بعضا من أرفع المناصب العسكرية، بمن فيهم "آفي بلوث"، الذي يرأس العمليات الإسرائيلية في الضفة الغربية، و"دادو بار خليفا"، الذي يقود مديرية القوى البشرية في الجيش.

يقول الحاخام "أوري شيركي"، وهو زعيم روحي بارز في تيار الصهيونية الدينية: "الجيش ليس بمنأى عن التغيرات التي يشهدها المجتمع؛ إذ تتغير الأجواء [داخل الجيش] لتصبح أكثر تقبلا للحديث استنادا إلى القيم اليهودية التقليدية بدلا من القيم العلمانية".

ويشير "كوهين" إلى أنه خلال العقدين اللذين قضاهما في الخدمة العسكرية، لم يلحظ في البداية سوى مؤشرات طفيفة على النفوذ الديني، مثل رسائل في قاعات الطعام العسكرية تحظر على الجنود استخدام الهواتف المحمولة أو سخانات المياه يوم السبت (السبت اليهودي) - وهي محظورات يلتزم بها الكثير من اليهود المتدينين.

لكن مع مرور الوقت، أصبحت التغيرات أكثر وضوحا؛ إذ تمثلت إحدى أبرز هذه التغيرات في تولي الحاخامات -وليس الضباط- مهمة إلقاء كلمات تحفيزية للجنود قبل المعارك بشكل متزايد.

يقول كوهين: "أصبح من الشائع أكثر فأكثر سماع جنود يقولون إنهم يخدمون في الجيش الإسرائيلي في ساحة المعركة بدافع الرغبة في خدمة ’جيش الرب‘، وليس لمجرد حماية البلاد". ويضيف أن هذا الخطاب تصاعد بشكل أكبر خلال الحرب في غزة.

"سمعتُ عشرات المرات أشخاصا -بمن فيهم ضباط كبار- يقولون إننا هنا باسم الرب وإنها حرب دينية. قبل عشرين عاما، لم يكن المرء يسمع مثل هذا الكلام؛ فقد كان يُعد أمرا محرما أو من المحظورات".



ويعود جزء من سبب تزايد نفوذ الصهاينة المتدينين إلى أنهم أكثر ميلا لأداء الخدمة الاحتياطية مقارنة بالإسرائيليين العلمانيين، وذلك وفقا لأبحاث أجراها "معهد الديمقراطية الإسرائيلي".

ففي العام الماضي، شكل العلمانيون الإسرائيليون 33% من جنود الاحتياط الذكور، رغم أنهم يمثلون 41% من إجمالي السكان. وفي المقابل، بلغت نسبة المنتمين لتيار الصهيونية الدينية 31%، أي ضعف نسبتهم من إجمالي السكان.

تقول شلوميت رافيتسكي تور-باز، من معهد الديمقراطية الإسرائيلي، إن هذا يعود جزئيا إلى أن "التعليم في القطاع الديني هو تعليم مشبع بالأيديولوجيا ويضع الجيش في مكانة رفيعة للغاية". وأضافت أن هناك أيضا "قدرا كبيرا من الدعم المجتمعي لتمكين الإسرائيليين المتدينين من أداء الخدمة في قوات الاحتياط"، مشيرة إلى أمثلة مثل توفير رعاية الأطفال وتقديم الوجبات.

لكن كانت هناك أيضا مساعٍ استمرت لسنوات من جانب فئة داخل المجتمع الديني القومي - تُعرف باسم "الحارداليم" (Hardalim) - لزيادة نفوذها داخل المؤسسة العسكرية، لا سيما بعد انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، وهو ما اعتبرته تلك الفئة خيانة.

ويشير ياجيل ليفي، رئيس معهد دراسات العلاقات المدنية-العسكرية في الجامعة المفتوحة، إلى أن الأداة الرئيسية لتحقيق ذلك كانت شبكة من المعاهد التحضيرية للخدمة العسكرية، التي عمل المجتمع من خلالها على غرس قيمه في نفوس الشباب. وأوضح أن هذه المعاهد خرّجت بمرور الوقت أعدادا متزايدة من الجنود المتدينين، الذين عمل المجتمع لاحقا بنشاط للدفع نحو ترقيتهم في الرتب العسكرية.

ويقول ليفي إن إحدى نتائج هذا التحول تمثلت في ترسيخ "ثقافة الانتقام" داخل الجيش، وهو ما بلغ ذروته في حرب غزة التي اندلعت عقب هجوم حماس على إسرائيل عام 2023.

وقد وجهت جهات عدة - بدءا من لجنة تابعة للأمم المتحدة ووصولا إلى منظمات حقوق الإنسان وباحثين متخصصين في دراسات الإبادة الجماعية - اتهامات لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة، وهي اتهامات تنفيها إسرائيل بشدة.

يقول ليفي: "كان القادة والحاخامات العسكريون يحضّون على الانتقام، وكان الجنود يوثقون عمليات انتقامية يقومون بها - مثل تدمير المنازل - وينشرونها على وسائل التواصل الاجتماعي، معبرين عن فخرهم وسعادتهم بذلك".

ويضيف ليفي أن سكان غزة وُضعوا في خانة "العماليق" - العدو اللدود لليهود في الرواية التوراتية - وهم قوم "لا يقتصر الأمر على وجود إذن بقتلهم، بمن فيهم النساء والأطفال، بل توجد أيضا وصية دينية بذلك وفقا للكتاب المقدس العبري". ويتابع قائلا: "لقد أضفى هذا أيضا شرعية على الزعم القائل بأنه لا يوجد مدنيون أبرياء في غزة".

من جانبه، اعتبر الحاخام تشيركي أن تدمير "الإرهاب" يمثل "مهمة أخلاقية"، لكنه شدد على أن ذلك "لا يعني بأي حال من الأحوال تدمير أشخاص غير متورطين".



وقال: "نحن أكثر جيوش العالم التزاما بالأخلاق لأننا ندافع عن القيم الأخلاقية في مواجهة أعداء يتسمون بأقصى درجات العدوانية والوحشية"، مضيفا: "نحن نقف في طليعة مواجهة حضارية كبرى".  غير أن آخرين يشعرون بالقلق إزاء المؤشرات المتزايدة على التعصب الديني.

ففي شهر نيسان/ أبريل، حذّر إيال زامير، أحد كبار القادة في الجيش الإسرائيلي، من تراجع الانضباط بعد أن أثار جندي إسرائيلي غضبا دوليا إثر تحطيمه تمثالا للسيد المسيح بمطرقة ثقيلة في لبنان. كما انتقد زامير ارتداء الجنود شارات تحمل رسائل مسيانية (تتعلق بالخلاص الديني) أو شعارات يمينية متطرفة، وأدان عمليات النهب التي أفادت تقارير بأنها كانت واسعة النطاق وقام بها الجنود في جنوب لبنان.

وقال ناداف فايمان، وهو جندي سابق يرأس منظمة "كسر الصمت" التي تجمع شهادات من جنود إسرائيليين حول ممارساتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة- إن حرب غزة كانت "أول حرب يلتحق فيها جنود الاحتياط بالخدمة وهم يحملون صفة نشطاء سياسيين".

وأضاف أن جنود الاحتياط من المستوطنين وصلوا إلى هناك حاملين أعلاما برتقالية ولافتات ترمز إلى المستوطنات التي كانت قائمة في غزة قبل تفكيكها عام 2005، بالإضافة إلى عبوات طلاء بخاخ "لرسم كتابات عنصرية أو سياسية على الجدران".

وفي الوقت نفسه، انتقدت منظمات حقوقية الإخفاقات المتكررة لقوات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية -حيث ينتمي العديد من الجنود إلى التيار الديني القومي- في وقف هجمات المستوطنين المتواصلة على الفلسطينيين.

وصرح الجيش الإسرائيلي بأنه يعمل للدفاع عن "إسرائيل ومواطنيها"، وأن "أي ادعاء بخلاف ذلك هو ادعاء باطل ويُعد تشويها للحقائق".

وأضاف الجيش أنه يُجري تحقيقات دقيقة في "الحالات التي يتصرف فيها الجنود بما يخالف الأوامر أو اللوائح العسكرية"، وأنه يوفر "أطرا ملائمة" تتيح للجنود من مختلف الخلفيات الخدمة في "بيئة عسكرية مشتركة".

لكن كوهين قال إنه يتوقع استمرار تزايد النفوذ الديني داخل المؤسسة العسكرية، لا سيما وأن الجيش يأمل في معالجة النقص في أعداد الجنود من خلال تجنيد المزيد من اليهود المتشددين دينيا (الحريديم).

وقال: "من الواضح أن المسار الذي يسلكه الجيش الإسرائيلي سيجعله جيشا أكثر تدينا. ولا أعتقد أن المعسكر العلماني في إسرائيل يدرك مدى أهمية هذه العملية".