دافعت جبهة العدالة والتنمية
الجزائرية عن
إعادة تنفيذ عقوبة
الإعدام، معتبرة أن
الجدل الدائر حولها لا ينبغي اختزاله في
مقاربة حقوقية تتجاهل، بحسب تقديرها، حقوق الضحايا وأمن المجتمع وطبيعة الجرائم
المرتكبة، وذلك في وقت أعاد فيه الرئيس عبد المجيد تبون ملف العقوبة إلى واجهة
النقاش السياسي والقانوني في البلاد.
وقالت الجبهة، في بيان لمكتبها التنفيذي
الوطني صدر في 5 أيلول/سبتمبر الجاري، إنها تستغرب ما وصفته بـ"إخراج النقاش
حول إعادة تنفيذ عقوبة الإعدام عن سياقه المشروع"، معتبرة أن اختزاله في سجال
حول حقوق الإنسان يتجاهل "طبيعة الجرائم المرتكبة وما خلفته من آثار بالغة
السوء في المجتمع، ومن جراح عميقة لدى أهالي الضحايا يصعب جبرها".
وأضافت أن "الأولى والأجدر هو الانتصار
للمظلومين، وإنصاف الضحايا، وصيانة أمن المجتمع، وتطبيق العدالة"، رافضة ما
اعتبرته توفير حماية أو غطاء لمن "احترف الإجرام".
ويأتي بيان الجبهة بعد أيام من توجيه تبون
بإعادة النظر في الإطار القانوني لعقوبة الإعدام، في ظل تداعيات حرائق واسعة
شهدتها مناطق جزائرية وخلفت قتلى وخسائر مادية كبيرة.
تبون يعيد عقوبة الإعدام إلى الواجهة
وفي 30 آب/أغسطس الماضي، وجّه الرئيس تبون
بتعديل قانون
العقوبات قبل 15 أيلول/سبتمبر، بما يسمح بإقرار عقوبة الإعدام مع
التنفيذ بحق المتورطين عمدا في إضرام الحرائق، في خطوة أعادت فتح ملف ظل مجمدا
عمليا لسنوات.
وفي اجتماع مجلس الوزراء الأحد 6
أيلول/سبتمبر، شدد تبون مجددا على تعديل قانون العقوبات بما يتضمن تنفيذ حكم
الإعدام بحق "مفتعلي ومدبري الحرائق عمدا"، كما شمل التوجيه مختطفي
القصر والمنكلين بهم.
وبذلك انتقل النقاش من مجرد الدعوة إلى
تشديد العقوبات على المتورطين في إشعال الحرائق إلى بحث تعديل تشريعي يعيد تفعيل
تنفيذ أحكام الإعدام في حالات محددة.
وتوجد عقوبة الإعدام أصلا في التشريع
الجزائري، لكن تنفيذها مجمد منذ عام 1993، فيما استمرت المحاكم في إصدار أحكام بها
في عدد من القضايا الخطيرة دون تنفيذها عمليا. وقد أعاد قرار تبون النقاش حول ما
إذا كان ينبغي الإبقاء على هذا التجميد أم العودة إلى التنفيذ.
رفض من أحزاب يسارية وتقدمية
وأثار توجه السلطات الجزائرية انتقادات من
أحزاب تنتمي إلى التيار اليساري والتقدمي، التي رفضت إعادة تنفيذ عقوبة الإعدام،
وإن اختلفت مبرراتها بين المقاربة الحقوقية والدعوة إلى معالجة أسباب الجريمة
والاعتماد على الوقاية بدل تشديد العقوبات.
ومن أبرز القوى الرافضة جبهة القوى
الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب العمال، حيث اعتبرت هذه
الأحزاب أن العودة إلى تنفيذ الإعدام ليست الحل لمعالجة الجرائم الخطيرة.
وأكدت الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة
حنون، رفضها لعقوبة الإعدام، معتبرة أن مواجهة الجرائم الخطيرة لا ينبغي أن تتم
عبر إزهاق حياة المدانين، ودعت إلى البحث في الأسباب الاجتماعية والاقتصادية
والنفسية للجريمة، مؤكدة موقفها القائل إنه "لا يمكن محاربة القتل بالقتل".
أما الأمين الوطني الأول لجبهة القوى
الاشتراكية، يوسف أوشيش، فرفض بدوره العودة إلى تنفيذ العقوبة، داعيا إلى عدم سن
التشريعات المتعلقة بالحق في الحياة تحت تأثير الغضب أو الصدمة التي تخلفها
الجرائم، مع التشديد، في الوقت نفسه، على أن رفض الإعدام لا يعني إفلات مرتكبي
الجرائم من العقاب.
وهكذا عاد ملف الإعدام ليقسم المواقف
السياسية الجزائرية بين قوى ترى فيه أداة للردع والقصاص في الجرائم الأشد خطورة،
وأخرى تعتبر أن معالجة الجريمة ينبغي أن تركز على الوقاية وأسبابها، مع رفض إنهاء
حياة المحكوم عليهم.
"حقوق الضحايا
قبل المعتدين"
وفي مواجهة هذه المواقف، اختارت جبهة
العدالة والتنمية الدفاع صراحة عن إعادة تنفيذ العقوبة، معتبرة أن المقاربة
الحقوقية لا ينبغي أن تركز على حقوق الجاني وحدها.
وقالت الجبهة إن ردود الفعل الرافضة لإعادة
تنفيذ الإعدام "لا يمكن فصلها، في جانب منها، عن سياق أوسع من العدوان على
الدين، والسعي إلى إقصائه من حياة الناس وتعطيل أحكام شريعته".
كما رفضت أن تتحول حقوق الإنسان، بحسب
تعبيرها، إلى "ذريعة للدفاع عن المعتدي والمجرم"، مقابل إهمال حقوق
الضحايا وآلام من تضرروا من الجرائم والحرائق.
ويضع هذا الموقف الجبهة في صف القوى
السياسية التي ترى أن خطورة بعض الجرائم تبرر العودة إلى تنفيذ أحكام الإعدام، في
وقت تستعد فيه السلطات لإدخال تعديلات تشريعية على قانون العقوبات.
الحرائق.. من التعازي إلى المطالبة بسياسة
وقائية
وإلى جانب موقفها من عقوبة الإعدام، خصصت
جبهة العدالة والتنمية جانبا من بيانها للحرائق التي شهدتها عدة ولايات، وخاصة
جيجل، وقدمت تعازيها إلى أسر الضحايا، مثمنة جهود الحماية المدنية ووحدات الجيش
الوطني الشعبي وأعوان الغابات، إلى جانب التضامن الشعبي مع المتضررين.
ودعت الجبهة إلى الانتقال من التعامل الظرفي
مع الكوارث إلى "سياسة وطنية استباقية ودائمة للوقاية"، تشمل حماية
الأرواح والثروة الغابية والفلاحية، إلى جانب تعويض المتضررين وإعادة تأهيل
المناطق المنكوبة.
وتتقاطع هذه الدعوة جزئيا مع الطرح الذي
تقدمه الأحزاب الرافضة للإعدام بشأن أهمية الوقاية، لكن الجبهة تربط ذلك في الوقت
نفسه بتشديد العقوبة على من ترى أنهم يتعمدون ارتكاب جرائم خطيرة.
انتقاد للتعديل الحكومي وأزمة الثقة
وانتقلت الجبهة في بيانها إلى التعديل
الحكومي الأخير، معتبرة أن المعيار الحقيقي لا يكمن في تغيير الأشخاص وتداولهم على
المناصب، وإنما في قدرة الحكومة على تحسين الأداء وتحقيق نتائج ملموسة وتصحيح
الاختلالات.
ودعت إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي
والفعل الانتخابي، ومواجهة ما وصفته بمظاهر الانسداد والعزوف السياسي، ومحاربة
البيروقراطية والفساد وسوء التسيير.
كما ربطت الجبهة نجاح أي حوار سياسي بمعالجة
أزمة الثقة في العمل السياسي، معتبرة أن الحوار الذي لا يتيح تشخيص الأزمات
والتوافق على حلولها والعمل المشترك من أجل تعزيز شرعية المؤسسات وفعاليتها
"لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة في الطبقة السياسية وتوسيع دائرة العزوف
والمقاطعة".
الانتخابات المحلية على المحك
وفي ما يتعلق بانتخابات المجالس الشعبية
البلدية والولائية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، اعتبرت جبهة العدالة
والتنمية الاستحقاق فرصة لإعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة وإبراز الكفاءات
القادرة على خدمة المواطن وتحقيق التنمية المحلية.
وطالبت بتوفير شروط المنافسة العادلة ورفع
القيود القانونية والإدارية التي قالت إنها تحد من المشاركة الواسعة للأحزاب، فضلا
عن وقف ما وصفته بـ"حملات الإقصاء" التي تطال القوائم والمترشحين.
كما جددت مطالبتها بضمان حياد الإدارة
والإعلام وفتح الفضاء الإعلامي أمام جميع المتنافسين دون تمييز أو إقصاء.
وكان الرئيس تبون قد وقّع مرسوما رئاسيا
لاستدعاء الهيئة الناخبة لانتخاب أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية يوم 28
تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
دعوة إلى المشاركة السياسية
وفي ختام بيانها، حذرت الجبهة من أن العزوف
عن العمل السياسي والانسحاب من الشأن العام لا يخدم الإصلاح، معتبرة أن ذلك يفسح
المجال أمام غير الأكفاء.
ودعت المواطنين إلى ممارسة حقهم الانتخابي
بوعي ومسؤولية واختيار من تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة والأمانة والقدرة على
خدمة الصالح العام.
وأكدت جبهة العدالة والتنمية، في المقابل،
أن الجزائر بحاجة إلى الانتقال من معالجة الأزمات "حالة بحالة" إلى بناء
سياسات عمومية استباقية، تقوم على إصلاح المؤسسات وترشيد التسيير وإعلاء قيمة
القانون والعدل وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ويضع تصاعد الجدل حول عقوبة الإعدام هذا
الملف مجددا في قلب النقاش السياسي الجزائري، بين توجه رسمي نحو إعادة تنفيذها في
حالات محددة، وقوى سياسية وحقوقية ترفض العودة إليها، فيما تدافع جبهة العدالة
والتنمية عن العقوبة من زاوية الردع والقصاص وحماية المجتمع وحقوق الضحايا.
جبهة العدالة والتنمية.. حزب إسلامي بقيادة
جاب الله
وتُعد جبهة العدالة والتنمية من الأحزاب
السياسية ذات التوجه الإسلامي في الجزائر، ويقودها الشيخ عبد الله جاب الله، أحد
أبرز الوجوه الإسلامية المعارضة في البلاد. وأعلن جاب الله تأسيس الجبهة في
تموز/يوليو 2011، قبل أن يُنتخب رئيسا لها خلال مؤتمرها التأسيسي في شباط/فبراير
2012.
وتأتي الجبهة في سياق المسار السياسي الطويل
لجاب الله، الذي سبق له تأسيس حركة النهضة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، ثم
حركة الإصلاح الوطني، قبل أن يؤسس جبهة العدالة والتنمية في أعقاب موجة الحراك
العربي والإصلاحات السياسية التي شهدتها الجزائر.
وتقدم الجبهة نفسها باعتبارها حركة سياسية
إصلاحية شاملة، وتطرح في خطابها قضايا التداول السلمي على السلطة والانتخابات
الحرة والنزيهة ومحاربة الظلم والفساد، مع تمسكها بالمرجعية الإسلامية وبما تصفه
بالإصلاح السياسي والمجتمعي.
وشاركت الجبهة في الانتخابات التشريعية لعام
2012، وحصلت على سبعة مقاعد في المجلس الشعبي الوطني، لكنها بقيت خارج الحكومات
المتعاقبة. كما اتخذ جاب الله مواقف معارضة لخيارات السلطة، ومن بينها مقاطعة
الانتخابات الرئاسية لعام 2014، مبررا ذلك بعدم توفر شروط النزاهة والشفافية، بحسب
ما نقل عنه آنذاك.
ويُنظر إلى جاب الله، الذي ظل يتزعم الجبهة،
باعتباره أحد أقدم السياسيين الإسلاميين حضورا في المشهد الحزبي الجزائري منذ
إقرار التعددية السياسية، بعدما تنقل بين قيادة حركة النهضة وحركة الإصلاح الوطني
قبل تأسيس جبهة العدالة والتنمية.