صعود اليمين المتطرف في ألمانيا.. ماذا ينتظر المسلمين والمهاجرين؟

مع صعود اليمين المتطرف في ألمانيا.. هل يواجه المسلمون والمهاجرون مرحلة جديدة من التضييق؟ - إكس
أعاد الفوز الكاسح لحزب "البديل من أجل ألمانيا" في ولاية ساكسونيا-أنهالت، في شرق البلاد٬ النقاش حول مستقبل المهاجرين والعرب والمسلمين في البلاد، في ظل صعود تيار يميني متطرف يضع الهجرة واللاجئين في صدارة خطابه السياسي، بينما تكشف شهادات مهاجرين ومقيمين عرب لـ"عربي21" عن مخاوف متزايدة من التضييق والتمييز، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن الأزمة التي غذت صعود اليمين تتصل أيضا بالاقتصاد وسوق العمل وتراجع الصناعة الألمانية.

وحصل "البديل من أجل ألمانيا" على 44.8 بالمئة من الأصوات في الانتخابات، مقابل 20.8 بالمئة في انتخابات 2021، فيما تراجع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى 16.8 بالمئة بعدما حصل على 37.1 بالمئة في الانتخابات السابقة.

وتكتسب النتيجة أهمية خاصة كونها تمنح الحزب فرصة تاريخية لتولي الحكم في ولاية ألمانية للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رغم أن تشكيله حكومة لا يزال مرتبطا بمواقف الأحزاب الأخرى الرافضة للتحالف معه.

ويصنف المكتب المحلي لجهاز الاستخبارات الداخلية الألماني حزب "البديل من أجل ألمانيا" باعتباره "جماعة يمينية متطرفة".

مخاوف من التضييق على المهاجرين

وبالنسبة إلى  المسلمين والمهاجرين، لا تتوقف المخاوف عند احتمال تشديد سياسات اللجوء والهجرة، بل تمتد إلى الشعور بالأمان والانتماء ومستقبل الإقامة والتجنيس.

في هذا السياق يقول مصطفى، وهو طالب لجوء سوري في ألمانيا تمكن من تقنين وضعه، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إن هناك بالفعل مخاوف لدى المسلمين والمهاجرين من انعكاس صعود "البديل" على حياتهم.

ويضيف أن الأمر قد يؤدي إلى "مشاكل وتضييق أكثر"، لكنه يستبعد في المرحلة الحالية سحب الجنسيات أو إلغاء الإقامات بصورة جماعية، مشيرا إلى أن الدستور يضع قيودا على مثل هذه الإجراءات.


ويشير مصطفى إلى أن المخاوف لا تقتصر على اللاجئين، بل تشمل أيضا العرب والأجانب الذين حصلوا على الجنسية الألمانية، موضحا أن النتيجة الانتخابية أثرت سلبا في معنويات كثيرين وشعورهم بالاندماج والانتماء إلى ألمانيا.

ويقول لـ"عربي21" إن بعض المهاجرين بدأوا فعلا التفكير في مغادرة ساكسونيا-أنهالت والانتقال إلى الولايات الغربية، فيما يفكر آخرون في الرحيل عن ألمانيا مستقبلا، خصوصا إذا تمكن اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة على المستوى الاتحادي.

ويشير مصطفى إلى وجود ما يشبه "هجرة داخلية" من الولايات الشرقية إلى الغربية، معتبرا أن صعود "البديل" في ساكسونيا-أنهالت عزز هذه المخاوف.

ويقول إن بعض الأجانب والعرب "بدأوا فعلا يتحركون إلى الولايات الغربية"، في حين أن هناك ألمان أيضا يعارضون الحزب ويرفضون الاستسلام لصعود اليمين المتطرف، لكن المخاوف تبدو أكبر بين قطاعات من المهاجرين والأجانب.

ويضيف أن الانقسام السياسي لا يقتصر على المهاجرين، بل امتد إلى المجتمع الألماني نفسه، وصولا إلى داخل بعض الأسر، حيث أصبح الخلاف بين مؤيدي "البديل" وخصومه أكثر وضوحا.

وبحسب مصطفى، فإن هذه الانقسامات تثير مخاوف من انتقال حالة الاستقطاب من الولايات الشرقية إلى بقية ألمانيا، بما قد يترك آثارا اجتماعية وسياسية واسعة.

"المهاجرون هم الكارت الرابح"

ويرى مصطفى أن الخطاب الذي يتبناه اليمين المتطرف بشأن المهاجرين واللاجئين يستفيد من مشكلات اقتصادية وسياسية أوسع.

ويقول إن "المشكلة الحقيقية ليست في اللاجئين ولا المهاجرين، وإنما مشكلة اقتصادية ومشكلة سياسية"، معتبرا أن حزب "البديل" يستخدم ملف المهاجرين باعتباره "الكارت الرابح" للوصول إلى الناخب الألماني.

ويضيف أن الحزب، حتى في حال وصوله إلى السلطة، سيواجه قيودا دستورية وقانونية كبيرة إذا أراد تنفيذ وعوده المتعلقة بترحيل أعداد واسعة من المهاجرين أو اللاجئين، موضحا أن تغيير بعض القواعد الدستورية يتطلب أغلبية برلمانية كبيرة.

ويرى أن كثيرا من المهاجرين يشعرون حاليا بالإحباط، فيما يخشى بعض المجنسين أيضا على مستقبلهم وشعورهم بالأمان والانتماء.


دعم ماسك لليمين الأوروبي

ويتحدث مصطفى كذلك عن الدعم الذي يحظى به اليمين الألماني من شخصيات أمريكية نافذة، مشيرا إلى تأييد رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك لحزب "البديل من أجل ألمانيا" والتيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا.

وكان ماسك قد هنأ الحزب بعد النتيجة الانتخابية، وكتب على منصة "إكس": "أحسنتم"، ردا على منشور للرئيسة المشاركة للحزب أليس فايدل، التي هنأت زعيم الحزب في الولاية على النتيجة.

ويأتي هذا الدعم في سياق أوسع من الجدل الأوروبي حول تنامي نفوذ اليمين المتطرف وعلاقاته مع شخصيات سياسية واقتصادية أمريكية.

ويؤكد مصطفى أن النتيجة الانتخابية لم تمر من دون تأثير نفسي على العرب والمسلمين، مشيرا إلى أن بعضهم يشعر بالإحباط والقلق من المستقبل.

ويقول إن بعض المهاجرين، وخصوصا من حصلوا على الجنسية الألمانية حديثا، يخشون أن يتغير وضعهم أو أن يفقدوا جزءا من الشعور بالأمان الذي دفعهم إلى الاستقرار في البلاد.

ويضيف أن بعض الألمان أنفسهم بدأوا يفكرون في الهجرة إذا وصل "البديل" إلى الحكم، بسبب مخاوف مرتبطة بطبيعة الخطاب اليميني المتطرف وذكريات الحقبة النازية.


الاقتصاد.. الوجه الآخر لصعود "البديل"

ولا يرى مصطفى أن تفسير صعود الحزب يمكن اختزاله في قضية الهجرة، إذ يعتقد أن الأوضاع الاقتصادية لعبت دورا رئيسيا في دفع الناخبين نحو اليمين.

ويقول إن الأحزاب تتنافس على أصوات الناخب الألماني، بينما يجري تقديم المهاجرين واللاجئين باعتبارهم سببا للمشكلات الاقتصادية، رغم أن جذور الأزمة أوسع من ذلك بكثير.

ويتفق محمود، وهو مهندس مصري يعمل في إحدى شركات السيارات الكبرى في ألمانيا، مع هذا التقييم، لكنه يقول في مقابلة خاصة مع "عربي21" إن القلق بالنسبة إليه يرتبط أساسا بمستقبل العمل وليس بالخوف المباشر من حزب "البديل".

ويقول محمود إن الناس في المنطقة التي يعيش فيها، في الولايات الغربية، لا يشعرون بالقلق بالدرجة نفسها التي يشعر بها سكان ساكسونيا-أنهالت، موضحا أن الفارق يرتبط أيضا بالتركيبة السكانية والسياسية بين غرب ألمانيا وشرقها.

لكنه يؤكد أن هناك مهاجرين "خائفين بالفعل"، وخصوصا من لا يحملون الجنسية أو الإقامة الدائمة، أو من لا يعملون ويتلقون إعانات من الدولة.

ويكشف محمود عن حالات تعكس حجم القلق الذي أحدثه صعود اليمين، قائلا إن أحد معارفه، وهو مهندس يعمل في ألمانيا، لجأ إلى القضاء لتسريع إجراءات حصوله على الجنسية.

ويقول إن الرجل كان يتوقع الحصول على الجنسية في نهاية المطاف، لكنه استعان بمحام ورفع دعوى بسبب تأخر الإجراءات، بهدف الحصول عليها في أسرع وقت ممكن، معتبرا أن صعود اليمين دفع بعض المهاجرين إلى إعادة النظر في أوضاعهم القانونية ومستقبلهم في البلاد.

في المقابل، يرى محمود أن من يعملون بصورة قانونية ويدفعون الضرائب لا يشعرون بالخوف نفسه، لأنهم، بحسب تقديره، يمثلون الفئة التي تحتاج إليها ألمانيا اقتصاديا.

ويضيف أن ألمانيا "لو خرجت منها الأجانب بكرة هتقع"، في إشارة إلى اعتماد قطاعات واسعة من الاقتصاد على العمالة الأجنبية.


"المشكلة الحقيقية هي العمل"

ويقول محمود لـ"عربي21" إن اهتمامه الأساسي ينصب على الوضع الاقتصادي وسوق العمل، وليس على صعود "البديل" في الوقت الحالي.

ويشرح أن تراجع الاقتصاد الألماني وإغلاق الشركات والمصانع يمثلان مصدر القلق الأكبر بالنسبة إليه، خصوصا مع استمرار الغموض حول مستقبل قطاع السيارات، الذي يعد من ركائز الاقتصاد الألماني.

ويشير إلى أن إغلاق مصانع شركة "فولكس فاغن" وتسريح العمال يثيران قلقا واسعا، معتبرا أن الاقتصاد الألماني يواجه تحولا صعبا بعد تراجع قدرة قطاع السيارات على المنافسة.

ويقول إن السؤال بالنسبة إليه هو: "الشغل هيكمل ولا لأ؟ الدنيا ماشية ولا لأ؟"، مشيرا إلى أن ارتفاع الأسعار والتضخم وتراجع الشركات أصبحت قضايا يومية بالنسبة إلى العاملين في ألمانيا.

ويرى أن "البديل" نجح في توظيف هذه المخاوف الاقتصادية في حملته الانتخابية، عبر تقديم نفسه باعتباره قوة قادرة على مواجهة تراجع الاقتصاد والسياسات التي تتبعها الحكومة.

ويحذر محمود من أن تطبيق سياسات متشددة على المهاجرين قد ينعكس سلبا على الاقتصاد الألماني نفسه، خصوصا إذا أدى ذلك إلى خروج العمالة الأجنبية.

ويقول إن ألمانيا تعاني بالفعل من مشكلات في قطاعات صناعية أساسية، وإن الشركات الكبرى تواجه صعوبات متزايدة، فيما لا تزال الحكومة تبحث عن حلول لتراجع الإنتاج والاستثمار.

ويضيف أن التركيز على صناعة الأسلحة وقطاعات أخرى لا يعوض بالضرورة عن الدور التاريخي لصناعة السيارات والهندسة والصناعات المرتبطة بها. رويرى أن خروج الشركات وتسريح العمال سيؤديان إلى تعميق الأزمة الاقتصادية، بدلا من حلها عبر استهداف المهاجرين.

"مش قاعد هنا على طول"

ويكشف محمود عن تحول آخر في نظرة بعض المهاجرين إلى مستقبلهم في ألمانيا، يتمثل في عدم اعتبار البلاد محطة نهائية للاستقرار.

ويقول إن هناك أعدادا من المهاجرين، وبينهم مصريون، يفكرون في العمل لسنوات في ألمانيا ثم الانتقال إلى دول الخليج أو العودة إلى بلدانهم الأصلية، بعد اكتساب الخبرة والحصول على الجنسية الألمانية.

ويضيف أن بعض من يحملون الجنسية لا يشعرون بانتماء طويل الأمد إلى ألمانيا، بل ينظرون إليها باعتبارها مرحلة مؤقتة قبل العودة أو الانتقال إلى مكان آخر.

ويقول إن هذا التفكير موجود أيضا لدى بعض السوريين، الذين يرى أن عددا منهم قد يسعى إلى الحصول على الجنسية ثم العودة إلى سوريا مستقبلا.

وتكشف هذه الشهادات أن تأثير صعود "البديل من أجل ألمانيا" لا يتعلق فقط بالمهاجرين غير النظاميين أو طالبي اللجوء، بل يمتد إلى قطاعات من العرب والمسلمين والمجنسين والعاملين في ألمانيا.

فالمخاوف تتداخل فيها ملفات الهجرة والاندماج والأمن الاجتماعي، مع قلق أوسع بشأن مستقبل الاقتصاد وسوق العمل.

وفي الوقت نفسه، فإن تحويل المهاجرين واللاجئين إلى عنوان للأزمة الاقتصادية يمنح اليمين المتطرف مادة انتخابية قوية، حتى في وقت تشير فيه شهادات مهاجرين إلى أن كثيرا منهم باتوا منشغلين بالأسئلة نفسها التي تؤرق المواطن الألماني، وفي مقدمتها العمل وارتفاع الأسعار ومستقبل الصناعة.