من غزة إلى الضفة.. الغارديان تكشف كيف تتحول أفكار اليمين الإسرائيلي إلى واقع؟

الكاتبة أشارت إلى وجود تفاوت صارخ في طريقة التعامل مع تأثير الخطاب والأفعال الإسرائيلية - الأناضول
أثارت التصريحات والخطط التي يطرحها وزراء للاحتلال الإسرائيلي بشأن قطاع غزة والضفة الغربية تساؤلات متزايدة حول مدى جدية المجتمع الدولي في التعامل معها، خصوصًا مع انتقال أفكار التهجير القسري وتوسيع الاستيطان وفرض السيطرة على الأراضي الفلسطينية من الخطاب السياسي إلى خطوات وسياسات تنفذها جهات داخل الحكومة الإسرائيلية.

أكدت صحيفة "الغارديان" أن الخطط الرامية إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا من قطاع غزة لم تعد تصدر عن أصوات هامشية أو شخصيات بعيدة عن دوائر صنع القرار في إسرائيل، متسائلة عن أسباب استمرار المجتمع الدولي في التعامل معها باعتبارها مجرد تصريحات متطرفة، رغم صدورها عن وزراء إسرائيليين يشغلون مواقع تنفيذية مؤثرة.

وأشارت الصحيفة، في مقال للصحفية نسرين مالك، إلى اتساع الفجوة بين ما يتعرض له الفلسطينيون على الأرض وبين رد الفعل الدولي تجاه ذلك، معتبرة أن هذه الفجوة أصبحت كبيرة إلى حد باتت معه تستوعب الواقع نفسه وتتجاهله.

ولفتت مالك إلى أنه في الوقت الذي تتزايد فيه تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل من دول، بينها ألمانيا، لا تتجاوز الدعوات إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة أو فرض عقوبات من جانب دول أوروبية أخرى حدود التصريحات السياسية.

وقالت إن عمليات قتل الفلسطينيين في غزة مستمرة، بينما لا تزال العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية محاصرة، في وقت لا يحاول فيه اليمين السياسي الإسرائيلي إخفاء حقيقة أن هذه الانتهاكات متعمدة، بل يكشف للعالم بصورة متكررة عن آماله وخططه.

واستعرضت مالك أحدث التصريحات والتحركات في هذا السياق، مشيرة إلى أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير قدم، يوم الخميس، تفاصيل مخطط للتطهير العرقي غير القانوني لجميع الفلسطينيين من قطاع غزة.

وأضافت أن بن غفير نشر كذلك مقطع فيديو جرى إنتاجه باستخدام الذكاء الاصطناعي، قبل أن يحذفه لاحقًا، ظهر فيه رجال فلسطينيون وهم يصعدون على سير متحرك لنقلهم إلى مراكز احتجاز، ثم يخرجون منه وقد بدت عليهم علامات الهزال والدموع.

وأشارت إلى أن ذلك جاء بعد أيام قليلة من تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن بلاده "منظمة ومستعدة" لطرد الفلسطينيين من غزة "بكل السبل الممكنة".

ورأت مالك أن فصول هذا المشهد المروع تتكشف بصورة متواصلة، إلى درجة تجعل العرض يفقد مصداقيته يومًا بعد يوم، موضحة أنه في الوقت الذي تعد فيه "هيئة السلام" بأن غزة ستشهد "إعادة تطوير لصالح" سكانها، يواصل سياسيون إسرائيليون التعبير بصورة متكررة عن فكرة مفادها أنه لا يمكن السماح للفلسطينيين أنفسهم في غزة بالازدهار، وهو ما يجعل تلك الوعود تبدو مثيرة للسخرية.

وأشارت الكاتبة إلى أن غيورا آيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، قال في الشهر الماضي إن قبول إسرائيل لخطة دونالد ترامب المكونة من 15 نقطة كان مجرد مسألة تكتيكات عسكرية مؤقتة، وليس توجهًا نحو تحقيق سلام طويل الأمد.

ونقلت عنه قوله: "ليس لدى إسرائيل أي مصلحة في إعادة إعمار غزة، بل من الأفضل لنا أن تظل مدمرة لأجيال قادمة".

كما لفتت مالك إلى أن موشيه فيغلين، الذي كان ينظر إليه سابقًا باعتباره شخصية "منبوذة من أقصى اليمين"، يقترب من تولي منصب وزاري، وذلك بفضل تحالفه مع حزب "الصهيونية الدينية" بزعامة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وفقًا لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

وأشارت إلى مقابلة سابقة لفيغلين قال خلالها إن من يرفضون مغادرة قطاع غزة يجب إجبارهم على ذلك "بشتى الطرق الممكنة"، مضيفًا: "سنقطع عنهم إمدادات المياه، على سبيل المثال".

وتساءلت مالك عن سبب التعامل المتكرر مع مثل هذه التصريحات، التي تصدر من داخل أروقة الحكومة الإسرائيلية نفسها، باعتبارها مواقف لا تمثل الدولة الإسرائيلية رسميًا، موضحة أن هذه التصريحات ينظر إليها كذلك، مع اقتراب موعد الانتخابات، باعتبارها مجرد خطاب انتخابي مثير للجدل لكنه يفتقر إلى الجدية الفعلية.

وأكدت أن بن غفير وكاتس ليسا مجرد أصوات هامشية، بل يشغلان منصبين وزاريين يمنحانهما صلاحيات تنفيذية شديدة الأهمية، أحدهما في الأمن والآخر في الدفاع، وقد استخدما بالفعل موقعيهما لدفع سياسات تتوافق بصورة واضحة مع التصريحات التي أدليا بها.

وأوضحت أن بن غفير أعاد فتح سجن "راكيفيت" الواقع تحت الأرض، وهو سجن كان قد أغلق في ثمانينيات القرن الماضي بسبب افتقاره إلى المعايير الإنسانية.

وأضافت أن بن غفير نجح كذلك في الدفع نحو إقرار عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات "إرهابية"، واحتفل بإقرار التشريع من خلال تقديم كعكة صممت على شكل حبل مشنقة.

وأشارت إلى أن ممارسات التعذيب والانتهاكات الجنسية داخل السجون الإسرائيلية موثقة على نطاق واسع، وأن تفشي الانتهاكات الجنسية تحديدًا أدى إلى إدراج إسرائيل في القائمة السوداء للأمم المتحدة المتعلقة بالعنف الجنسي في مناطق النزاع.

ولفتت مالك إلى أن بن غفير يكرر في كثير من الأحيان عبارة: "لقد وعدنا، ووفينا بوعدنا".

أما كاتس، فأشارت إلى أنه وافق على أكبر عملية توسع استيطاني في الضفة الغربية منذ عقود، مبررًا الخطوة بأنها "تحول دون قيام دولة فلسطينية قد تشكل خطرًا على إسرائيل".

وأضافت أنه عمل مؤخرًا على شرعنة البؤر الاستيطانية الزراعية في الضفة الغربية، كما أصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي بنقل صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، وهي خطوة وصفتها بأنها تمهد بصورة خفية لضم فعلي للأراضي.

وتطرقت الكاتبة إلى تعليق سابق لعضو الكنيست أحمد الطيبي في صحيفة "هآرتس" في وقت سابق من العام، قال فيه إن هناك وهمًا متجذرًا في صميم السياسة الإسرائيلية، يتمثل في تعامل السياسيين مع جهود شرح وتبرير سياساتهم أمام الرأي العام الدولي كما لو أن "العنصرية والتطرف اللذين يوجهان سياسة الحكومة حاليا لا وجود لهما إلا في الهوامش"، بينما هما في الواقع يقعان في صميم كيان الدولة.

وتساءلت مالك: إذا كانت بعض التصريحات الأكثر تطرفًا مجرد دعاية انتخابية، فماذا يعني ذلك بالنسبة إلى ضوابط الخطاب داخل البلاد، عندما تقوم الحملة الانتخابية على التطهير العرقي الجماعي؟ كما تساءلت عما يعنيه ذلك ليس فقط بالنسبة إلى مستقبل غزة، وإنما أيضًا بالنسبة إلى جميع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة الذين يواجهون هدم المنازل واعتداءات المستوطنين المتشددين وضم الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع.

وتابعت أن هذه الشخصيات، حتى لو كانت تمثل أقلية من حيث عدد المقاعد في الكنيست أو النسبة النسبية للناخبين الذين صوتوا لها، لا تزال تمسك بمفاتيح السلطة، في ظل غياب حراك داخلي ملموس ضدها، وعجز بقية أركان النظام عن إيقافها أو افتقارها إلى الإرادة للقيام بذلك.

وأكدت أن التفاصيل المتعلقة بحجم قاعدتهم الانتخابية أو مدى تمثيلهم للإسرائيليين عمومًا لا تشكل أي فارق بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين أصبحوا تحت سلطتهم التنفيذية.

وطرحت مالك سلسلة من التساؤلات حول أسباب عدم التعامل بجدية مع تصريحات هؤلاء المسؤولين، قائلة: لماذا لا تظهر حالة الحاجة الماسة أو الشعور بالغضب تجاهها؟ ولماذا لا تؤخذ هذه السياسات والأهداف المعلنة للدولة الإسرائيلية على محمل الجد ولا تواجه بالعقوبات المناسبة وحظر التجارة والأسلحة والإدانة الدولية؟

وأشارت إلى وجود تفاوت صارخ في طريقة التعامل مع تأثير الخطاب والأفعال الإسرائيلية، موضحة أن عبارة "من النهر إلى البحر"، عندما تصدر عن الفلسطينيين ومؤيديهم، أصبحت وصمة تستوجب الإدانة والحظر، بينما أصبح التفسير الأكثر تطرفًا لها، أي وجود شعب واحد صاحب سيادة على تلك الأرض، أمرًا شائعًا ومألوفًا في إسرائيل.

ولفتت إلى أن الميثاق التأسيسي لحزب "الليكود" بزعامة بنيامين نتنياهو ينص على أنه "لن تكون هناك سوى سيادة إسرائيلية بين البحر ونهر الأردن".

وأضافت أن نتنياهو حضر بنفسه، الأسبوع الماضي، تجمعًا في مدرسة دينية صهيونية "يشيفا"، حيث كان يهز رأسه موافقًا ومستحسنًا لأغنية ذات طابع "كاهاني"، في إشارة إلى المتطرف مائير كاهانا، كان الحاضرون ينشدونها بحماس.

وأشارت إلى أن كلمات الأغنية تضمنت: "اذكرني، أرجوك، وامنحني القوة، ولو لمرة واحدة يا الله، لأنتقم من فلسطين، ولو ثأرًا لإحدى عيني"، قبل أن يضيف المشاركون: "ليمح اسمهم!".

ونقلت مالك عن أحد كتاب صحيفة "هآرتس" وصفه للمشهد بالقول: "لم تعد هناك خطوط حمراء".

وأضافت الكاتبة أن المجتمع الدولي صرف نظره بينما كانت الخطوط الحمراء تنتهك وتداس، معتبرة أن ذلك لا يمكن تفسيره إلا بمزيج من الجبن والقبول، وإن جرى التستر عليه بعبارات إدانة واهية تظهر هنا وهناك، سواء كانت نابعة من قناعة أو من استسلام لفكرة أن مصير حياة الفلسطينيين هو الجحيم.

وقالت مالك إن الحقائق واضحة ووفيرة، موضحة أن اليمين الإسرائيلي يمتلك خطة ورؤية واضحة للمسار الذي يسلكه، وهي رؤية ظل يعمل على تطويرها لفترة طويلة، قبل أن تمنحها هجمات السابع من أكتوبر زخمًا وقوة إضافية.

وأشارت إلى أن بعض جوانب هذه الخطة قد تكون غير قابلة للتحقق، مثل التطهير العرقي للفلسطينيين في غزة، بسبب عقبات تتمثل في عدم وجود دول قادرة أو راغبة في استقبالهم، لكنها أكدت في المقابل أن أجزاء كبيرة منها قابلة للتنفيذ بالفعل.

ورأت أن مسار الأحداث واضح، وأن نجاحات هائلة تحققت حتى الآن، مشيرة إلى وجود رابط يربط بين مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين طردوا أو أجبروا على النزوح عام 1948 وبين واقع اليوم.

واختتمت مالك بالإشارة إلى أن الدولة الأمنية القائمة على القمع والسجن التي يعيش الفلسطينيون في ظلها، إلى جانب تدمير منازلهم وبنيتهم التحتية، والتوسع الاستيطاني، وتمزيق أراضيهم، وبسط السيادة الإسرائيلية عليهم بأساليب تجردهم من إنسانيتهم وتقمعهم، تهدف كلها إلى ضمان عدم قيام مستقبل يتمتع فيه الفلسطينيون بالحرية، ناهيك عن الازدهار في ظل حكم ذاتي.