يتزايد عنف المستوطنين في
الضفة الغربية بالتوازي مع اتساع نطاق السيطرة
الإسرائيلية على الأرضي الفلسطينية، وذلك ضمن واقع أوسع يفرض قيودًا متزايدة على الفلسطينيين ويدفع نحو ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على مساحات أكبر من الضفة الغربية.
ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالًا لميريف سونجين، محللة الشأن الإسرائيلي في مجموعة الأزمات الدولية، قالت فيه إن ما شهدته بلدة قصرة الفلسطينية من عنف للمستوطنين ليس حالة معزولة، بل تعبير عن وضع إسرائيلي عام، مشيرة إلى أن العنف في الضفة الغربية يتجاوز ممارسات المستوطنين ليشكل جزءًا من سياسة أوسع للسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
وقالت سونجين إن الضفة الغربية تُعد، من بين جميع الجبهات التي تستعرض فيها إسرائيل قوتها، المنطقة التي تستثمر فيها الدولة بكثافة وتفرض فيها أكبر قدر من السيطرة، فيما تواجه أقل قدر من المعارضة الأمريكية.
ويعيش في الضفة نحو نصف مليون مستوطن، إلى جانب نحو ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون تحت
الاحتلال العسكري دون جنسية، فيما لم يتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب الكاتبة، إجراءات لوقف التوسع الاستيطاني أو منع الضم التدريجي أو الحد من الغارات العسكرية أو وقف هدم منازل الفلسطينيين وهجمات المستوطنين، التي بلغت مستويات قياسية في عهد حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وأضافت أن الضفة الغربية أكثر أهمية استراتيجيًا وأيديولوجيًا لإسرائيل من أي حرب تخوضها، إذ تمتلك فيها هدفًا واضحًا يتمثل في الاستحواذ على أكبر مساحة ممكنة من الأرض لليهود بأقل عدد ممكن من الفلسطينيين.
وترى سونجين أن الضفة الغربية هي الساحة الوحيدة التي تعمل فيها ميليشيات المستوطنين اليهود كقوة شبه عسكرية لتحقيق أهداف إسرائيل، مشيرة إلى أن هذه الجماعات ليست كيانات مارقة، كما يقول قادة إسرائيليون، بل مجموعات منظمة من المدنيين تضم مستوطنين أقاموا بؤرًا استيطانية جديدة في أنحاء الضفة، إلى جانب مستوطنين استُدعوا للخدمة الاحتياطية منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ويخدمون في وحدات الدفاع الإقليمية وفرق الاستجابة السريعة.
وقالت إن الأمر يشبه "دوريات مراقبة الأحياء"، لكن بأسلحة عسكرية متطورة واستخدام للقوة المميتة. وأشار تقرير للأمم المتحدة في حزيران/يونيو إلى أن "الدعم المالي والعسكري" من السلطات الإسرائيلية "مكن هجمات المستوطنين".
قصرة نموذجًا
وأشارت الكاتبة إلى أنه في آب/ أغسطس، بدأت إحدى هذه الميليشيات ترهيب ثلاث عائلات فلسطينية في بلدة قصرة، فنصبت خيمة أمام منازلهم، وقطعت عنهم الكهرباء والماء، وقيدت حركتهم.
ومن بين المنازل المستهدفة منزل لؤي ريدي، وهو فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية من ولاية أوهايو. وعاد ريدي إلى قصرة ورفع العلم الأمريكي فوق سطح منزله.
وكانت القوات الإسرائيلية قد أعلنت المنطقة "منطقة عسكرية مغلقة" وأزالت الخيام التي نصبها المستوطنون، لكنها لم تسمح للسكان الفلسطينيين بحرية التنقل، بينما واصل المستوطنون التجول في المنطقة، في انتهاك للأمر، قبل أن يحل الجيش الإسرائيلي محلهم فعليًا في تطويق المنازل.
وقال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، في بيان إن "أفعال من نفذوا هذا العمل الإرهابي المروع، الذي يهدف إلى ترهيب هذه العائلة ومضايقتها، مقززة". كما أدان نتنياهو والرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ الهجمات.
لكن سونجين ترى أن ميليشيات المستوطنين التي ترهب سكان قصرة وقرى أخرى في الضفة الغربية لم يكن بوسعها مواصلة نشاطها على هذا النحو من دون غطاء من الدولة والجيش.
وقالت إن هؤلاء ليسوا "متطرفين أو مثيري شغب معزولين"، كما زعم هاكابي ونتنياهو وقادة آخرون، مؤكدة أن ما يجري لا يقتصر على عنف المستوطنين وحده.
وأضافت أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يعيشون في خوف دائم على حياتهم، مشيرة إلى أن ريدي ليس صاحب المنزل الوحيد المعرض للخطر. ففي 29 آب/أغسطس، وبينما كان العلم الأمريكي يرفرف فوق منزله، هاجم مستوطنون منزلًا فلسطينيًا آخر في قصرة.
وبحسب المقال، وصل المستوطنون في شاحنات صغيرة بيضاء وهم ملثمون، ورشقوا المنزل بالحجارة. ورغم إدانة نتنياهو للهجوم وتأكيده أن السلطات ستتخذ إجراءات، لم يُبلغ سوى عن اعتقال شخص واحد على صلة بهجمات قصرة، وعدد قليل من الاعتقالات المرتبطة بأعمال عنف أخرى للمستوطنين في المنطقة.
وترى سونجين أن هذه الإجراءات قد لا تسفر عن نتائج تذكر، مشيرة إلى أنه حتى عند إجراء اعتقالات، لا يُدان سوى 3% من المستوطنين.
سياسة تتجاوز المستوطنين
وخلصت الكاتبة إلى أن ما حدث في قصرة يمثل سمة من سمات السياسة الإسرائيلية، معتبرة أن إسرائيل وسعت نطاق سيطرتها على الأراضي المحتلة وعمقتها خلال السنوات الأربع الماضية، عبر تكثيف الخنق الاقتصادي، وفرض قيود على حرية التنقل، ونقل سلطات الحكم من الجيش إلى المدنيين، والأهم من ذلك تشجيع ميليشيات المستوطنين.
وقالت إن هذه الجماعات كانت موجودة بالفعل عند تشكيل الحكومة الحالية في أواخر عام 2022، لكنها حصلت خلال السنوات الثلاث الماضية على حرية واسعة لترهيب الفلسطينيين ومضايقتهم وجعل حياتهم في الضفة الغربية لا تطاق.
ومنذ عام 2023، نزح آلاف الفلسطينيين نتيجة مزيج من هجمات المستوطنين والعمليات العسكرية والقيود المفروضة على الوصول والتنقل. وفي 2 أيلول/سبتمبر، هدمت القوات الإسرائيلية منازل ومنشآت في قرية خربة الطبان الفلسطينية جنوب الضفة الغربية، ما أدى إلى تشريد سكان القرية البالغ عددهم نحو 70 نسمة.
وأضافت أن هجمات حماس عام 2023 زادت وتيرة استخدام العنف عمومًا، وميليشيات المستوطنين خصوصًا، في ظل حكومة يمينية متطرفة تعد الأكثر تأييدًا للمستوطنين في تاريخ إسرائيل.
وفي ظل هذه الحكومة، سارع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى هدم منازل الفلسطينيين، بينما سهّل بناء منازل المستوطنين، في حين وزع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الأسلحة على الإسرائيليين عبر تخفيف شروط الحصول على تراخيصها، ما أضاف نحو 7 آلاف قطعة سلاح ناري إلى ما يملكه المستوطنون.
وترى سونجين أن ذلك أسهم في طمس الخط الفاصل بين المدني والجندي، ومكّن المستوطنين المسلحين من التصرف بثقة مفرطة، سواء ارتدوا الزي العسكري أم لا، مشيرة إلى أن معظمهم يتصرفون دون هيكل قيادي وبشعور بالاستحقاق والإفلات من العقاب.
وترى الكاتبة أن عكس مسار الاستيطان هو السبيل الوحيد السليم سياسيًا وأخلاقيًا، لكنها تعتبر ذلك أمرًا مستبعدًا حتى في حال سقوط حكومة نتنياهو في نهاية المطاف خلال تشرين الأول/أكتوبر.
وقالت إن المشهد السياسي الإسرائيلي يشهد بروز معسكرين رئيسيين: "معسكر الضم" و"معسكر السيطرة".
ويمثل "معسكر الضم" بصورة أساسية سياسيي اليمين المتطرف في ائتلاف نتنياهو، الذين سعوا إلى سحق أي أمل في قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ويفضل معظمهم ضم الضفة الغربية بأكملها رسميًا إلى إسرائيل، بينما يسعى المعتدلون بينهم، بمن فيهم بعض سياسيي المعارضة، إلى ضم رسمي أو فعلي لما عُرف بموجب اتفاقيات أوسلو بالمنطقة "ج"، التي تمثل نحو 60% من الضفة الغربية وتخضع للسيطرة الإسرائيلية وتتركز فيها المستوطنات.
أما "معسكر السيطرة"، فيضم العديد من قادة المؤسسة الدفاعية وقادة الوسط، ويأمل في الحفاظ على السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الفلسطينيين والإبقاء على العديد من المستوطنات دون إنشاء مستوطنات جديدة استفزازية، مع تقليل الاحتكاك مع الفلسطينيين، خصوصًا عبر كبح عنف المستوطنين، وهو ما تصفه الكاتبة بأنه شكل من أشكال الاحتلال الهادئ.
وأضافت أن هذا المعسكر من المرجح أن يحاول تجنب بؤر التوتر، مثل الموافقة الأخيرة على بناء مشروع في المنطقة المعروفة باسم "إي1" شرق القدس، وهو مشروع مثير للانقسام من شأنه زيادة تحويل المناطق الفلسطينية إلى كانتونات وتقسيم الضفة الغربية إلى نصفين. ومع ذلك، إذا تمكنت الحكومة الحالية من بدء البناء هناك، فمن غير الواضح ما إذا كانت حكومة جديدة ستتراجع عن هذه الخطوة.
مشروع استيطاني طويل الأمد
وأكدت سونجين أن ظاهرة التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين لم تبدأ مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، ومن المرجح ألا تنتهي معها، معتبرة أن الميليشيات الاستيطانية تعمل بدعم من الدولة في خدمة مشروع قومي أوسع لا يعارضه أحد في إسرائيل، وهو السيطرة الإسرائيلية الدائمة على جزء كبير من الضفة الغربية.
وأظهر استطلاع رأي حديث، بحسب المقال، أن 55% من اليهود الإسرائيليين يرغبون في الإبقاء على المستوطنات ضمن أي اتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين، بينما يؤيد 38% ضم الضفة الغربية.
وختمت سونجين بالقول إن أي انخفاض في عنف المستوطنين يمثل خطوة مرحبًا بها وضرورية، لكن إنهاء التدمير الممنهج لحياة الفلسطينيين وتسهيل حقهم في تقرير المصير يتطلب ضغطًا خارجيًا من دول العالم.
وأضافت أن على المجتمع الدولي أولًا أن يصر على أن تضع الحكومة الإسرائيلية المقبلة حدًا لميليشيات المستوطنين، ثم أن يجبر إسرائيل على تفكيك المشروع الاستيطاني برمته.