دخول الصين للمنطقة عبر اتفاق مكة يثير مخاوف "إسرائيل".. انحسار لنفوذها

ترى تل أبيب في اتفاق مكة اعتماداً أقل على واشنطن ومساحة أكبر أمام بكين مقابل بقاء إسرائيل خارج مراكز النفوذ الإقليمية - الأناضول
لا تزال المحافل الإسرائيلية ترقب تبعات الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، واعتباره تحولاً يشهده الشرق الأوسط، لكنها توقفت مؤخراً عند نقطة لافتة تتعلق بأن هذا التحالف يعني اعتماداً أقل على واشنطن، ومساحة أكبر للعمل أمام بكين، وتحدياً جديداً للاحتلال الذي قد يجد نفسه خارج مراكز النفوذ الإقليمية.

المحاضر في قسم العلوم السياسية والحكومية والدراسات متعددة التخصصات بكلية عسقلان الأكاديمية، والذي يتابع نفوذ الصين في المنطقة، مردخاي حزيزا، ذكر أن "الشرق الأوسط يشهد تحولاً عميقاً، ويُعدّ الاتفاق الدفاعي المُوقّع في مكة المكرمة بين السعودية وتركيا وباكستان أحد أبرز الدلائل على ذلك، حيث لم تعد دول المنطقة راغبة في الاعتماد بشكل شبه كامل على الولايات المتحدة في أمنها".

وأضاف حزيزا في مقال نشرته صحيفة "مكور ريشون"، وترجمته "عربي21" أن "البند الأكثر إثارة للاهتمام في الاتفاق يتعلق باعتبار أي هجوم مسلح على دولة واحدة بمثابة هجوم على جميع الدول، لكن الأهمية الحقيقية للاتفاق أوسع من ذلك، فهو يُعبّر عن اتجاه يُعيد تشكيل الشرق الأوسط، حيث تسعى دول المنطقة لتوسيع استقلاليتها الاستراتيجية، وتنويع شراكاتها الأمنية، وتقليل اعتمادها الكلي على الولايات المتحدة، وبالنسبة لإسرائيل، يُمثّل هذا تطوراً يستدعي الانتباه".

وأشار حزيزا إلى أنه "بالنسبة للصين، فهذا تطور يخدم مصالحها، رغم أنها لا تحتاج للانضمام للاتفاق للاستفادة من التغيير الذي يُمثّله؛ فعلى مرّ السنين، رسّخت مكانتها في الشرق الأوسط عبر التجارة والطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والدبلوماسية، مع تجنّب التحالفات العسكرية، والالتزام بحماية شركائها، ومع سعي دول المنطقة لتوسيع نطاق شركائها، وتراجع رغبتها في الاعتماد على قوة واحدة، يتسع نطاق تحرك الصين".

وأوضح حزيزا أن "السعودية تمثل هذا التحوّل خير تجسيد؛ فهي لا تتخلى عن واشنطن، ولا تستبدلها بالصين، بل تنتهج استراتيجية أكثر تعقيداً تقوم على تنويع الخيارات، إذ يُمكن لها الحفاظ على علاقاتها الأمنية معها، وتعميق علاقاتها الاقتصادية مع الصين، وتوسيع تعاونها العسكري مع باكستان، وفي الوقت نفسه تطوير شراكة مع الصناعات الدفاعية التركية، ومع تزايد الشراكات، تتسع حرية تحرّك السعودية".

وأكد حزيزا أنه "من وجهة نظر الصين، تُعدّ باكستان ربما الحلقة الأهم؛ فحليفها القديم يُصبح لاعباً أكثر تأثيراً في الشؤون الأمنية الخليجية، وقد يُشكّل جسراً غير مباشر بين الصين وإطار أمني إقليمي جديد، ويُعدّ هذا وضعاً مثالياً تقريباً، إذ يُمكنها الاستفادة من شبكة أكثر كثافة من العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية، وحتى الأمنية، دون تحمّل الالتزامات الدفاعية التي تصاحب التحالفات العسكرية".

واستدرك حزيزا بالقول إنه: "هنا تكمن المفارقة الصينية، فهي مهتمة بشرق أوسط متعدد الأقطاب، ولكن ليس بالضرورة مُقسَّم إلى كتل متنافسة، وفي الوقت نفسه، تُعزِّز علاقاتها مع السعودية وإيران ودول الخليج وإسرائيل، طالما بقيت هذه الشراكات مرنة، فبإمكانها التعاون مع الأطراف المنافسة، ولكن إذا تحولت الأطر الأمنية الجديدة إلى تحالفات جامدة، وبدأت في تحديد أعداء مشتركين، فقد تُجبَر الصين على اختيار جانب، وهو ما سعت جاهدةً لتجنبه".

وأضاف أنه: "من السابق لأوانه بالنسبة لتل أبيب وصف اتفاقية مكة بأنها "حلف شمال أطلسي إسلامي"، أو تحالف مناهض لها، فالاتفاقية ليست موجهة رسمياً ضدها، ولأعضائها مصالح مختلفة، وتصورات متباينة للتهديدات، ولا ينبغي الاستنتاج تلقائياً أن القدرة النووية الباكستانية توفر مظلة نووية للشراكة الجديدة، لكن التحدي الرئيسي لإسرائيل يكمن في احتمال أن يصبح النظام الأمني الإقليمي أكثر تعقيداً وتعدداً في مستوياته".

وأوضح حزيزا أنه: "منذ اتفاقيات أبراهام، سعت إسرائيل للاندماج في بنية إقليمية تعتمد على التعاون مع الدول العربية، والدعم الأمريكي، والمصالح الأمنية المشتركة، والآن، قد تتطور شبكة أخرى بالتوازي، تلعب فيها السعودية وتركيا وباكستان دوراً محورياً، بينما تبقى إسرائيل خارجها، وبالنسبة لها لا يكمن الخطر بالضرورة في تحول هذا الإطار إلى إطار عدائي، بل في تبني قرارات واستراتيجيات أكثر أهمية في المنطقة ضمن أطر لا تكون تل أبيب شريكة فيها".

وأشار حزيزا إلى أن "هذه هي الرسالة الأهم لاتفاق مكة، فالشرق الأوسط لا ينتقل من الهيمنة الأمريكية إلى الصينية، بل يصبح أكثر تعدديةً للأقطاب، حيث لا تسعى الصين لاستبدال الولايات المتحدة كحامية للأمن في المنطقة، بل لديها خيار أسهل وأقل تكلفة، وهو الاستفادة من تراجع الهيمنة الأمريكية، وتعميق نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي، لتصبح لاعباً يصعب تجاهله، وترك مسؤولية الحسابات الأمنية للآخرين".

وأكد أن "هذا هو النموذج الصيني للشرق الأوسط الجديد: نفوذ أكبر، التزام أقل؛ حضور أكبر، مسؤولية أقل، لا تسعى بكين لاستبدال واشنطن، بل تفضل الاستفادة من المساحة التي ستُخلق عندما لا تكون واشنطن اللاعب الوحيد في الساحة".

تقدم هذه السطور الإسرائيلية قراءة أقرب للدقة من تبعات الاتفاق الدفاعي الثلاثي في مكة من زاوية قلّ تناولها، وتتعلق بدخول لاعبين جدد للمنطقة بديلين عن الولايات المتحدة، الأمر الذي يشكل تراجعاً في نفوذها الإقليمي، وهو تطور في غير صالح الاحتلال أبداً.