منذ بدء حرب الإبادة
الإسرائيلية ضد قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تزايد تركيز
الاحتلال على الملاعب والمضامير والدراجات حول العالم، في مسعى لاستغلال المشاركة في البطولات الدولية لتلميع "إسرائيل" وتصويرها كـ"دولة طبيعية". وتتصاعد في المقابل حملات دولية منظمة، يتقدمها اتحاد رياضيين فلسطينيين وحركة
المقاطعة (BDS)، تطالب باستبعاد "إسرائيل" من الأنشطة الرياضية على غرار ما حدث مع روسيا بعد غزوها أوكرانيا عام 2022.
وبات مصطلح "
الغسيل الرياضي - Sportswashing" هو الإطار الذي تستخدمه هذه الحملات لوصف استغلال "إسرائيل" للرياضة من أجل صرف الانتباه عن الحرب وما وُصف في تقارير أممية بأنه إبادة جماعية في غزة.
الحذاء الواحد
في أيلول/ سبتمبر 2026، وجدت شركة الملابس الرياضية الألمانية "أديداس - adidas" نفسها في قلب موجة غضب جديدة، بعدما استعان فرعها الإسرائيلي بالجندي السابق شاليف بيتون، الذي فقد إحدى قدميه خلال عملية عسكرية داخل قطاع غزة عام 2021، ليكون الوجه الدعائي لحملة "خدمة الحذاء الواحد - Single Shoe Service" في السوق الإسرائيلية، والتي تتيح لمبتوري الأطراف شراء فردة حذاء واحدة بنصف سعر الزوج الكامل.
وأثارت الحملة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وجهات مؤيدة للقضية الفلسطينية، اعتبرت أن تقديم جندي شارك في عملية عسكرية بغزة كوجه لمبادرة إنسانية يمنحها بُعدًا سياسيًا يتناقض مع الهدف المعلن، خصوصًا في ظل الأرقام المتعلقة بمبتوري الأطراف من الفلسطينيين جراء الحروب الإسرائيلية وآخرها الإبادة الجماعية.
وأحد أكثر الأرقام تكرارًا في تقارير حملات المقاطعة هو أن قطاع غزة بات، بحسب تقارير أممية، يضم أكبر عدد من مبتوري الأطراف نسبيًا في التاريخ الحديث، نتيجة القصف والحصار المستمرين، وهذا ما جعل حملة "أديداس" حول مبتوري الأطراف مثيرة لجدل واسع.
ورأى ناشطون أن ذلك تناقض صارخ بين استخدام شركة عالمية لجندي إسرائيلي فقد قدمه في العملية العسكرية بغزة كوجه دعائي لخدمة تخص مبتوري الأطراف، في وقت يعاني فيه آلاف الأطفال والمدنيين الفلسطينيين من بتر أطرافهم بسبب القصف نفسه.
واعتبرت "أديداس" أن مبادرة "الحذاء الفردي" أوسع من الحملة الإسرائيلية تحديدًا، وأنها أُطلقت أصلًا في أسواق أوروبية قبل وصولها إلى "إسرائيل"، وأنها تستجيب لمشكلة عملية يعاني منها ذوو اختلاف الأطراف الذين يضطرون غالبًا لشراء زوج كامل رغم حاجتهم لفردة واحدة فقط.
ولا تعد هذه المرة الأولى التي تواجه فيها أديداس اتهامات مماثلة؛ ففي تموز/ يوليو 2024 استبعدت الشركة عارضة الأزياء الأمريكية من أصل فلسطيني بيلا حديد من حملتها الدعائية لدورة الألعاب الأولمبية، بعد ضغوط من جهات داعمة لـ"إسرائيل"، ما أثار حينها اتهامات معاكسة برضوخ الشركة للوبيات الداعمة للاحتلال.
ويذكر أن أديداس تعرضت لسنوات لحملة مقاطعة بسبب رعايتها الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم الذي يضم منتخبات من المستوطنات، وذلك حتى آب/ أغسطس 2018، عندما أعلنت أنها لم تعد الراعي التجاري للاتحاد الإسرائيلي، وذلك بعد أن دعا أكثر من 130 نادي كرة قدم فلسطيني الشركة لإنهاء رعايتها للاتحاد الضالع في اضطهاد الشعب الفلسطيني.
"سفراء الصورة"
من بين أدوات "الغسيل الرياضي" إشراك جنود سابقين أو حاليين في فعاليات رياضية مدنية كسباقات الماراثون، بهدف تصوير جيش الاحتلال الإسرائيلي بصورة إنسانية، مثل "ماراثون القدس" السنوي المعروف أيضًا بـ"جيروزاليم وينرز ماراثون"، الذي ينظّم مسارًا يمر عبر شرق القدس المحتلة.
في آذار/ مارس 2026، أعلنت شركة الأحذية الأمريكية "ساوكوني - Saucony" إنهاء رعايتها لهذا الماراثون بعد ضغوط متصاعدة من نوادي الجري ومجموعات ناشطة في بريطانيا اتهمتها بالمساهمة في "الغسيل الرياضي" لصورة "إسرائيل"، خصوصًا بعدما استخدمت الشركة جنودًا إسرائيليين كسفراء لعلامتها التجارية ضمن حملاتها الترويجية، بحسب تقرير سابق لموقع "
ميدل إيست آي".
ووصفت مؤسِّسة نادي "شي رانز - She Runs" النسائي العالمي قرار الشركة بأنه دليل على فاعلية العمل الجماعي المنظم.
وتكررت هذه الحملات في فعاليات أخرى، ففي سباق "فويلتا إسبانيا" 2025 للدراجات، أوقف متظاهرون مؤيدون لفلسطين خط النهاية احتجاجًا على مشاركة فريق "إسرائيل - بريمير تِك".
كرة القدم
شكّلت كرة القدم الساحة الأكبر لمعركة "الغسيل الرياضي" مقابل المقاطعة، ففي أيلول/ سبتمبر 2025، أفادت تقارير وكالة "أسوشيتد برس" بأن غالبية أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، البالغ عددهم عشرين عضوًا، كانوا يميلون لتأييد تعليق عضوية "إسرائيل" من المنافسات الدولية على خلفية الحرب على غزة، بعد أن اتهمت لجنة تحقيق أممية إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية.
وكان يُنظر إلى الخطوة المحتملة كسابقة تُقاس على حظر روسيا من المنافسات الأوروبية عام 2022 عقب غزوها أوكرانيا.
غير أن هذا التصويت لم يُعقد؛ ففي 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 أعلن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو عدم اتخاذ أي إجراء ضد "إسرائيل"، عقب مبادرة سلام أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ليُعلَّق مسار التصويت داخل يويفا.
ورغم ذلك، استمرت مظاهر الاستبعاد لاحقًا: فقد رُفضت تأشيرات دخول المنتخب الإسرائيلي للجمباز إلى إندونيسيا لحضور بطولة العالم في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، رغم أن الجهات الأمنية الإسرائيلية أكدت خلوّ الفريق من أي مخاطر أمنية بحسب ما نقلته "فوكس نيوز".
ودعت وزيرة الرياضة الإسبانية بيلار أليجريا إلى حظر الفرق الإسرائيلية من الرياضة على غرار ما جرى مع روسيا، واصفة الوضع الحالي بـ"معيار مزدوج".
وفي المقابل، عمل وزير الرياضة والثقافة الإسرائيلي ميكي زوهر ورئيس الوزراء نتنياهو ورئيس الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم موشيه زوارس "بشكل مكثف خلف الكواليس" لعرقلة أي مسعى لإقصاء "إسرائيل" من يويفا.
ويذكر أن لافتة تحمل عبارة "توقفوا عن قتل الأطفال" ظهرت قبل نهائي كأس السوبر الأوروبي بين باريس سان جيرمان وتوتنهام في أب/ أغسطس 2025.
الدراجات
وتعرض فرق الدراجات الإسرائيلي "إسرائيل - بريمير تِك"، المملوك لرجل الأعمال الكندي-الإسرائيلي سيلفان آدامز، خلال سباق "فويلتا إسبانيا" 2025، لحملات مقاطعة واضطرت الجهة المنظمة لإيقاف أو تقصير سبع مراحل من أصل أحد عشر يومًا من السباق، وسط تقديرات حكومية إسبانية بخروج أكثر من 100 ألف متظاهر في مدريد خلال المرحلة الختامية.
واستُبعد الفريق أيضا من سباق "جيرو ديل إميليا" الإيطالي لأسباب تتعلق بـ"السلامة العامة". هذه الضغوط دفعت الفريق للإعلان في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 عن تغيير اسمه وهويته البصرية بالكامل ابتداءً من موسم 2026، وابتعاد آدامز عن الإدارة اليومية للفريق.
وأعلنت الشركة الكندية "بريمير تِك" في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 انسحابها الكامل من رعاية الفريق، معتبرة أن الجدل السياسي طغى على الأهداف الأصلية للرعاية.
وفي نهاية المطاف، باع الفريق رخصته لشركة إسبانية باسم "NSN"، ليخوض موسم 2026 برخصة سويسرية وتحت اسم جديد كليًا لا صلة له بـ"إسرائيل".