في تطور مفاجئ أصدر رئيس دولة
الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الجمعة، عفوا رئاسيا عن الشاعر والمعارض المصري
عبد الرحمن يوسف القرضاوي، لكن القرار فتح في الوقت نفسه بابا جديدا من التساؤلات حول
مصيره، في ظل غياب تفاصيل معلنة بشأن موعد الإفراج عنه أو الإجراءات التي ستعقبه.
وبحسب وكالة الأنباء الإمارتية
جاء العفو بعد أسبوع واحد فقط من صدور حكم عن محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية
- دائرة الجرائم الإلكترونية، قضى بسجن القرضاوي لمدة عشر سنوات وتغريمه 200 ألف درهم،
قبل أن يصدر القرار الرئاسي بالعفو عنه في 4 أيلول / سبتمبر الجاري.
ونص القرار الإماراتي، بحسب وكالة
أنباء الإمارات، على صدور عفو رئيس الدولة عن عبد الرحمن يوسف القرضاوي، مشيرا إلى
أن المحكمة كانت قد أدانته في 27 آب / أغسطس الماضي وقضت بحبسه عشر سنوات وتغريمه
200 ألف درهم، مضيفا أن "الإجراءات اللازمة لتنفيذ العفو الرئاسي" اتخذت.
لكن صيغة القرار المنشورة لم تتضمن
تفاصيل بشأن الخطوة التالية، وهو ما جعل مسألة الإفراج الفعلي عن القرضاوي محل تساؤل،
خصوصا أن عائلته ومحاميه لم يكونوا، حتى صدور القرار، على اطلاع مسبق بتفاصيل المحاكمة
أو بما جرى بشأنها.
مفاجأة للعائلة والمحامي
وفي تصريحات خاصة لـ"عربي21"،
قال محمد صبلوح، محامي عبد الرحمن يوسف القرضاوي، إن شقيق عبد الرحمن تواصل معه اليوم،
لكن لم يكن لدى الأسرة أي معلومات مسبقة بشأن التطورات التي انتهت إلى صدور العفو.
وأوضح صبلوح أن التواصل لم يتضمن
معلومات عن المحاكمة التي أشار إليها الإعلان الإماراتي، مؤكدا أن فريق الدفاع لم يتمكن
من متابعة القضية خلال الفترة السابقة على النحو المطلوب منذ
ترحيل القرضاوي من لبنان
إلى الإمارات.
وقال إنهم فوجئوا بالحكم الذي
صدر بحقه، كما أنهم لا يعرفون في الوقت الحالي التفاصيل المتعلقة بكيفية تنفيذ العفو
أو الآلية التي ستتبعها السلطات الإماراتية للإفراج عنه.
وأضاف أن الأسرة تسعى حاليا إلى
معرفة ما سيحدث، معربا عن أملهم في أن يتم الإفراج عن عبد الرحمن القرضاوي في أسرع
وقت، ومعتبرا أن صدور العفو يمثل في حد ذاته خطوة إيجابية.
من الترحيل من لبنان إلى حكم الإمارات
وتعود بداية هذه المرحلة من القضية
إلى نهاية عام 2024، عندما أوقفت السلطات اللبنانية عبد الرحمن يوسف القرضاوي أثناء
عودته من سوريا، قبل أن تقوم بتسليمه إلى الإمارات في كانون الثاني/ يناير 2025.
وكان القرضاوي قد دخل لبنان بعد
زيارة إلى سوريا، ونشر خلال وجوده هناك مقطع فيديو تضمن انتقادات للسلطات في مصر والإمارات
والسعودية، وهو ما ارتبط لاحقا بطلبات التوقيف والتسليم التي قدمتها جهات مصرية وإماراتية.
ومنذ انتقاله إلى الإمارات، ظل
وضع القرضاوي محاطا بالغموض بالنسبة إلى عائلته ومحاميه، بينما تصاعدت مطالب منظمات
حقوقية بالكشف عن مكان احتجازه وضمان حصوله على حقوقه القانونية.
وقالت منظمة العفو الدولية في
وقت سابق إن القرضاوي تعرض للاختفاء القسري بعد تسليمه إلى الإمارات، بينما أثارت منظمات
حقوقية أخرى مخاوف بشأن ظروف احتجازه وإمكانية حصوله على ضمانات المحاكمة العادلة.
انتقادات حقوقية لمسار الترحيل
والاحتجاز
وأثارت عملية نقله من لبنان إلى
الإمارات اعتراضات حقوقية، إذ اعتبرت جهات حقوقية أن تسليمه تم في ظروف تثير مخاوف
تتعلق بمبدأ عدم إعادة الأشخاص إلى أماكن قد يواجهون فيها خطرا على حياتهم أو حريتهم.
كما أن القرضاوي لم يكن يحمل إقامة
إماراتية، ولم يكن مواطنا إماراتيا، في حين أن الإجراءات التي سبقت نقله إلى الإمارات
كانت، وفقا للانتقادات التي أثيرت حول الملف، مرتبطة في بدايتها ببلاغات وطلبات توقيف
وتسليم، وليس بحكم قضائي نهائي صادر بحقه في الدولة التي كان موجودا فيها.
وتحولت القضية لاحقا إلى ملف قضائي
داخل الإمارات، قبل أن تعلن السلطات صدور حكم بالسجن لمدة عقد كامل في نهاية أغسطس،
ثم يأتي قرار العفو الرئاسي بعد ذلك بأيام.
وكانت منظمات حقوقية قد تحدثت
خلال فترة احتجازه عن مخاوف بشأن انقطاعه عن العالم الخارجي، وطالبت بضمان حقه في التواصل
مع محاميه وأسرته والحصول على الإجراءات القانونية الواجبة.
خطوة إيجابية لكن المخاوف لم تنته
من جانبه، قال الحقوقي ومدير مركز
الشهاب لحقوق الإنسان، خلف بيومي، لـ"عربي21"،
إن قرار العفو يمثل خطوة إيجابية تستحق التثمين، حتى لو جاءت متأخرة أو رأى البعض أنها
تأتي في إطار محاولة لتحسين الصورة.
وقال بيومي إن الأهم في المرحلة
الحالية هو أن تكتمل الخطوة بالعفو عن عبد الرحمن يوسف بالإفراج عنه فعليا، معربا عن
أمله في أن تسير التطورات نحو إنهاء ملفه بصورة إيجابية.
ودعا الحقوقي في الوقت نفسه إلى
توسيع هذه الخطوة لتشمل معتقلي الرأي في العالم العربي، وبصورة خاصة المعتقلين في مصر.
لكن بيومي أبدى مخاوف بشأن الخطوة
التالية للعفو، محذرا من احتمال أن ينتهي الأمر بترحيل القرضاوي إلى مصر، خصوصا في
ظل وجود قضايا وأحكام ذات طابع سياسي بحقه هناك، وهو ما يرى أنه قد يثير مخاوف تتعلق
بسلامته.
وأشار إلى وجود اتفاقات وآليات
للتسليم بين دول عربية، معتبرا أن التقارب بين النظامين المصري والإماراتي يجعل احتمال
التسليم أمرا يستحق المتابعة، وإن كان القرار الإماراتي بالعفو يمثل في ذاته تطورا
إيجابيا.
وناشد بيومي الحكومة الإماراتية
استكمال ما بدأته بإصدار العفو، عبر ضمان الإفراج عن القرضاوي وإنهاء المخاوف المحيطة
بمصيره.
لماذا يثير مصير القرضاوي القلق
بعد العفو؟
المفارقة في قرار الجمعة أن الإعلان
الإماراتي حسم مسألة الحكم، لكنه لم يحسم بصورة علنية ما سيحدث بعده.
فالقرضاوي لم يعد، وفقا للإعلان
الرسمي، يواجه الحكم الصادر في 27 آب / أغسطس بالسجن عشر سنوات والغرامة المالية، بعدما
صدر العفو عنه، لكن النص المنشور لم يوضح ما إذا كان سيغادر الإمارات، أو سيبقى فيها
بعد الإفراج، أو ما إذا كانت هناك إجراءات أخرى ستحدد وضعه.
وهذه النقطة تحديدا هي التي دفعت
ناشطين وحقوقيين إلى التعامل بحذر مع الإعلان، إذ اعتبروا أن العفو خطوة مهمة، لكنهم
رأوا أن معرفة مصير القرضاوي تتطلب التأكد من تنفيذ الإفراج فعليا، وليس الاكتفاء بالإعلان
عن العفو.
وبحسب ما أكده محاميه لـ"عربي21"،
فإن الأسرة نفسها لا تزال تسعى لمعرفة آلية تنفيذ القرار، وهو ما يعني أن التطور الأبرز
في الساعات المقبلة سيكون مرتبطا بما إذا كانت الإجراءات التي أعلنت السلطات الإماراتية
اتخاذها ستنتهي بالإفراج عنه فعليا.
وفي هذا السياق، علق أستاذ العلوم
السياسية الإماراتي عبد الخالق عبد الله، عبر حسابه على منصة "إكس"، على
قرار العفو، مستعرضا المسار الذي مر به القرضاوي منذ توقيفه في لبنان وتسليمه إلى الإمارات،
ثم محاكمته والحكم عليه بالسجن 10 سنوات قبل صدور العفو الرئاسي.
وأشار عبد الله في منشوره إلى
أن القرضاوي يحمل الجنسية التركية، وأنه سبق أن وجه انتقادات للإمارات، كما لفت إلى
وجود أحكام غيابية صادرة بحقه في مصر وأنه مطلوب في مصر، قبل أن يختم تعليقه بعبارة
"دولة القانون: الإمارات نموذجا".
أبعاد سياسية وحقوقية
ولا تنفصل قضية عبد الرحمن يوسف
عن تاريخه السياسي، إذ كان من الأصوات المعارضة لنظام الرئيس المصري الراحل حسني مبارك،
وشارك في الحراك السياسي الذي سبق ثورة يناير 2011، قبل أن يواصل انتقاد السلطات المصرية
بعد ذلك.
ومع تغير المشهد السياسي في مصر
بعد 2013، غادر القرضاوي البلاد، وأقام في الخارج، وواصل نشاطه السياسي والإعلامي،
قبل أن تتحول بعض مواقفه وتصريحاته إلى أساس لملاحقات قضائية وأحكام غيابية في مصر.
ويواجه القرضاوي عدة ملاحقات وأحكام
غيابية في مصر، من بينها أحكام بالسجن على خلفية اتهامات تتعلق بنشر أخبار كاذبة وإهانة
القضاء، إلى جانب إدراجه على قوائم الإرهاب واتهامات بالتحريض على العنف.
ومن هنا جاءت المخاوف الحقوقية
من احتمال إعادته إلى مصر، في ظل طبيعة القضايا المفتوحة بحقه هناك.